تشريح العدم اليومي في ديوان أسامة الحداد الطريقة المثلى لإنتاج المشاعر  …

27

​لا يدخل أسامة الحداد إلى ديوانه من باب الشعر، بل من باب الخلل البنيوي في الكينونة. العنوان نفسه لا يقترح تجربة وجدانية، بل يقترح إجراءً تقنياً: “الطريقة المثلى لإنتاج المشاعر”. وهنا، قبل أن نلج إلى المتن، نُجبر على مواجهة سؤال ضمني حاد: هل فقدنا القدرة على الشعور، إلى الحد الذي يجعلنا نبحث عن “كتالوج” لإنتاجه؟

هذا الانزياح من “الإحساس” الفطري إلى “الإنتاج” الصناعي ليس مجرد حيلة لغوية، بل إعلان مبكر عن أن ما سنقرأه هو محاولة لتعويض غياب الإحساس. كأن الشاعر لا يكتب لأنه يفيض بالمشاعر، بل لأنه يفتقر إليها ويبحث عن “طريقة” لإعادة تصنيعها. ومن هنا، يتحول الديوان كله إلى ما يشبه مختبراً داخلياً، تُجرى فيه محاولات متكررة لإعادة تدوير الهزيمة باستخدام أدوات مادية صلبة: اللغة، الأشياء اليومية، الجسد، والمدينة، كلها تتحول إلى “قطع غيار” في محرك الوجود المعطل.

 

​لغة الإنكار: الطمأنة كقشرة صوتية فوق انهيار صامت …

 

​يبدأ الحداد من أبسط الجمل اليومية وأكثرها تضليلاً: “أنا بخير”، “أنا على ما يرام”. لكن هذه الجمل، التي يفترض أن تحمل طابع الطمأنينة، تتحول في سياق الديوان إلى جمل مشبوهة؛ فالتكرار القهري لها يفضح زيفها. كأن الشاعر لا يخبرنا بحاله، بل يدرّب حباله الصوتية على احتمال الانهيار عبر إنكاره.

 

وسرعان ما تتشقق هذه القشرة اللغوية لتظهر الحقيقة العارية: “لدي فائض من الوحدة.. واكتفاء ذاتي من الذكريات.. وأمتلك مشاعر مستهلكة”. هنا تنقلب اللغة من ستار إلى شقّ في الجدار؛ فالوحدة ليست شعوراً بل هي “فائض مخزني”، والذكريات “بضاعة” استهلكت صاحبها. الأخطر أن هذه اللغة تدخل في منطق السوق: “أعرض أشيائي المستعملة للبيع: هزائمي، حماقاتي…”. في هذه اللحظة، تتحول الذات إلى “خردة” معروضة للمساومة،

 

 وتكتسب اللغة طابعاً “آليا” بامتياز عبر مفردات: “كارت ذاكرة، لوحة مفاتيح، قرص ممغنط، مركز صيانة”. هنا لا تعود اللغة إنسانية بالكامل، بل تصبح هجينة؛ المشاعر لم تعد تُعاش، بل تُخزَّن كبيانات، والذاكرة لم تعد تُسترجع، بل تُستدعى كملف متضرر يحتاج إلى “إصلاح مسارات”.

 

​ الزمن المعطوب: التكرار كبديل مشوّه عن الامتداد …

 

​يعلن الشاعر في عتبات الديوان حكماً نهائياً: “فقدت حياتي في ظروف عادية”. هذه الجملة تصبغ الزمن في الديوان بلون الجمود؛ فالزمن هنا لا يتحرك إلى الأمام، بل يدور في حلقة مفرغة من “إعادة الإنتاج”. لا يوجد مستقبل، بل يوجد فقط “ماضٍ يُعاد تدويره” تحت مسمى الحاضر.

ويدخل الزمن نفسه في منطق الورشة الفنية: “أحاول صيانة حلم يتكرر”. الحلم هنا ليس أفقاً للتحقق، بل هو “برنامج” به خلل يحتاج إلى “صيانة” دورية. هذا الانكسار الزمني يجعل الحياة عبارة عن تكرار بلا تطور، ويبلغ ذروته في مشهد القطار الختامي: “قبل موعده بساعة وصل القطار، كان خالياً تماماً”. هنا الزمن (القطار) لا يخذل الشاعر بالتأخير، بل يخذله بالتبكير؛ إنه يصل قبل أن يستعد أحد للرحيل، ليعلن أن “الوجهة” نفسها وصلت ورحلت دون أن تجد من يحملها.

 

​ الذاكرة: أرشيف مشوّه لا يحفظ الماضي بل يعيد نزفه

​الذاكرة في هذا الديوان ليست مستودعاً للصور الجميلة، بل هي جرح مفتوح يرفض الالتئام. حين يقول الشاعر: “والغائبون رسمت وجوههم بملامح جديدة”، فهو لا يتذكرهم وفاءً، بل يعيد اختراعهم هرباً من ملامحهم الأصلية التي لم يعد يحتملها. الذاكرة هنا ليست أداة وفاء، بل هي أداة “خيانة ضرورية” للنجاة.

هي ذاكرة “مُعدلة”  قسرياً؛ أرشيف ناقص، صور مبتورة، ووجوه غير مكتملة. والأخطر أنها لا تسمح بالحسم؛ فالماضي لا ينتهي ليصبح “تاريخاً”، بل يبقى معلقاً كـ “كارت ذاكرة” تالف يعيد تشغيل نوبات الألم بلا نهاية، مما يجعل الشاعر يعلن بمرارة: “لدي اكتفاء ذاتي من الذكريات”، كأنه يرجو التوقف عن استدعاء المزيد.

 

 الجغرافيا: المدينة كآلة ضغط بطيئة ومصيدة للأشياء …

 

​القاهرة في هذا الديوان لا تُرى بالعين، بل تُحسّ كـ “ثقل” يضغط على الرأس. الشاعر يصور المدينة ككائن عضوي مفترس: “القاهرة لا تعمل في كواء الرؤوس فقط”، فهي تتسلل إلى الداخل وتصيغ مسارات الروح. الشوارع لا تُعبر للوصول، بل تراقب العابرين، والبيوت ليست سكناً بل هي “مُعدة للانفجار”.

 

وفي تحول سريالي مذهل، نرى الخلل يصيب حتى عناصر الطبيعة الثابتة: “قطعان الشجر تهرب من محصلي القطارات”، و**“شجرة تتجول على الكورنيش لتشتري مناديل ورقية”**. هنا، فقد العالم “مكانته”؛ فالشجر يمارس سلوك المشردين، والمدينة تحولت إلى مصيدة كبرى تجعل حتى الجمال (الأشجار) مضطراً لتبني أدوات النجاة الحضرية البائسة (المناديل الورقية، الهروب من المحصل).

 

​ الجسد: من كيان حي إلى مشروع صيانة مستمر …

 

​الجسد في “الديوان” لا يظهر كوحدة عضوية متماسكة، بل كأجزاء مبعثرة في فضاء القصيدة: “تركت يدي أسفل صنبور المياه، وقدمي في منتصف الطريق”. هذا ليس مجرد خيال فني، بل هو تعبير عن “التشظي الذاتي” وفقدان المركز.

 

ثم نصل إلى ذروة التشيؤ في قصيدة “صورة حديثة يحتفظ بها”، حيث يصف الكائن البشري بمفردات الميكانيكا الصرفة: “دواستان محل قدميه، ترسان بديلان ليديه، وأصابعه صارت صواميل”. هنا يتحول الجسد إلى آلة “خردة”، لا تطلب الشفاء بل تطلب “مركز صيانة لاستبدال حماقاته”. الجسد لم يعد بيتاً للروح، بل صار مشروع “عمرة” وإصلاح لا ينتهي، يُطلى بالخارج ليخفي عطب المحرك الداخلي.

 

 المفارقة: حين يصبح العبث هو المنطق الوحيد الممكن ..

 

​تعتمد نصوص الحداد على “قلب المنطق” لتوليد المعنى. من أكثر جمل الديوان كثافة وإيلاماً: “لدي أعمال شاقة جداً نتيجة انتشار البطالة”. هنا تتحول البطالة (اللا-فعل) إلى استنزاف يفوق العمل الشاق؛ فالفراغ يحتاج إلى “خبرات واسعة وقراءة تلال من الكتب” لمجرد احتماله.

 

وفي مفارقة أخرى، نجد “مستوصف علاج الموتى”، حيث الموت ليس نهاية مطاف، بل هو حالة إدارية مزدحمة ترفض استقبال المزيد من “الزبائن”. هذه المفارقات تكشف عن عالم لم يعد يعمل وفق القواعد الفيزيائية أو الأخلاقية التقليدية؛ عالم تكون فيه “ابتسامة الشرطي” مجرد حبكة درامية في حكايات السندباد، بينما الواقع هو تلك الرصاصة التي “فشلت مرتين” في إصابة هدفها.

 

​ الضحك كأثر جانبي للانهيار ..

​السخرية عند الحداد ليست خفة ظل، بل هي “بقايا توازن” فوق حافة الهاوية. حين يقول: “الهروب من الدموع باستخدام قشة”، نحن نبتسم بمرارة، لأننا ندرك أن القشة أداة عاجزة عن إنقاذ غريق. هذه هي “الجماليات السوداء”؛ طريقة لتوزيع الألم على مساحات صغيرة لجعله قابلاً للاحتمال.

 

السخرية هي “بروتوكول النجاة” الأخير الذي يتبعه الشاعر حين يكتشف أن “الشجر لا يثمر بالأصدقاء”، وأن المطر لا يصعد الدرج مرتين. الضحك هنا هو “الأثر الجانبي” الوحيد المتبقي لإنسان يدرك تماماً أن كل محاولاته لإنتاج المشاعر ستنتهي في “مركز تجميل” يضيف القليل لأنفه، بينما يظل قلبه معطلاً.

 

​ الكتابة كتشخيص لا كخلاص

​في ختام هذه المعاينة الفنية لعطب العالم، لا يقدّم أسامة الحداد حلاً أو خلاصاً، بل يقدّم “تقريراً تقنياً” دقيقاً لحالة مستمرة من الفقد. الديوان ينتهي بالشاعر وهو يغادر: “دون أن يحدد مكاناً يذهب إليه”. وهذا ليس ضعفاً في الوجهة، بل هو تشخيص دقيق للواقع؛ فالمدينة والمستقبل والزمن لم يعودوا يقدّمون وجهات صالحة للوصول.

ديوان “الطريقة المثلى لإنتاج المشاعر” لا يعلّمنا كيف نحب أو كيف نحزن، بل يجعلنا نرى بوضوح قاسٍ كيف تحول الإحساس نفسه إلى “مشكلة تقنية” نحتاج إلى صواميل وتروس وقشّات هشة لمجرد التظاهر بأننا لا نزال “بخير”. إنه تأبين شعري بارع للإنسان في عصر الآلة، وكتابة رصينة للعطب بوصفه شرطاً وحيداً للبقاء.

مقام ..

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *