في مدينةٍ تبدو أحيانًا وكأنها معلقة بين بحرٍ قديم وحداثة فائضة عن الحاجة، يرتفع مركز حيدر علييف ليس كمبنا، بل كانزلاقًا هائلًا في شكل العالم.
شيء أقرب إلى طيةٍ بيضاء خرجت من باطن الأرض ثم قررت ألا تعود إليها.
من بعيد، لا يبدو المركز وكأنه شُيّد برافعات وحديد وخرسانة، بل كأنه نتاج حركة طبيعية بطيئة؛ كثيب صقله الهواء لسنوات، أو موجة توقفت فجأة قبل أن تنكسر.
حتى العين، وهي تحاول التقاط حدوده، تفشل في العثور على بداية واضحة أو نهاية مؤكدة. كل شيء ينساب إلى ما يليه: السطح إلى الجدار، الجدار إلى الأرض، الأرض إلى الفراغ، والفراغ نفسه إلى الضوء.
هنا تحديدًا تكمن عبقرية زها حديد.
لم تكن تسعى إلى إنشاء صرح ثقافي بالمعنى التقليدي، بل إلى تحرير العمارة من قسوتها الهندسية المعتادة. فالمبنى لا يعترف بالزوايا الحادة إلا بوصفها خطأً بصريًا يجب تجاوزه. لا خطوط مستقيمة تفرض سلطتها، ولا كتل صلبة تستعرض وزنها. كل شيء يتحرك، حتى وهو ثابت.
في العمارة التقليدية، تقف الجدران باعتبارها حدودًا فاصلة: هذا داخل، وذاك خارج. أما هنا، فإن الحدود نفسها تتعرض للتذويب. الساحة الخارجية لا تنتهي عند باب، بل تستمر بالصعود والانحناء حتى تتحول تدريجيًا إلى سقف. كأن المدينة كلها تُسحب برفق إلى الداخل، دون أوامر أو بوابات أو رهبة مؤسساتية.
ولهذا يشعر الداخل إلى المكان بأنه لم “يدخل” فعليًا.
بل انجرف إليه.
البياض الطاغي على المركز ليس لونًا زخرفيًا، بل عنصرًا دراميًا كاملًا. تحت شمس باكو يتبدل المبنى على مدار اليوم كما لو أنه يمتلك مزاجًا خاصًا. في الصباح يبدو هشًا وخفيفًا، أقرب إلى صدفة بحرية عملاقة. وعند الغروب يتحول سطحه إلى طبقة من الضوء السائل، بينما تُلقي الانحناءات ظلالًا تجعل الكتلة تبدو وكأنها تتحرك ببطء شديد.
حتى المواد المستخدمة في الواجهة — الخرسانة المسلحة والألياف الزجاجية المركّبة — لا تظهر بوصفها مواد بناء، بل كجلد خارجي مرن يخفي تعقيدًا هندسيًا هائلًا تحت هذه النعومة البصرية الخادعة.
لكن المفاجأة الحقيقية لا تكمن في الخارج وحده.
فما إن يعبر الزائر إلى الداخل حتى يكتشف أن السيولة المعمارية لم تكن مجرد شكل جمالي، بل طريقة تفكير كاملة.
الممرات لا تقودك مباشرة، بل تلتف بك.
السقوف ترتفع ثم تنخفض كما لو أنها تتنفس.
والضوء لا يُستخدم للإنارة فقط، بل لإنتاج الإحساس بالمكان.
في الطوابق الأولى، تتوزع معارض الهوية الأذربيجانية بطريقة تتجاوز العرض المتحفي التقليدي. لا توجد مسافة باردة بين الزائر والمحتوى؛ ثمة شاشات تفاعلية، أرشيفات بصرية، تسجيلات صوتية، ونماذج تعيد تركيب الذاكرة الوطنية باعتبارها تجربة حسية لا مجرد معلومات محفوظة خلف الزجاج.
التراث هنا لا يُعرض باعتباره ماضيًا منتهيًا، بل باعتباره مادة قابلة لإعادة الاكتشاف.
لا توجد قاعات تُستخدم ثم تُغلق أبوابها بانتهاء الفعالية، بل شبكة كاملة من المساحات التي تتحرك فيها الثقافة كتيار متصل؛ مرة في هيئة موسيقى، ومرة كصورة رقمية، ومرة كأرشيف يعيد تركيب ذاكرة بلد كامل. لهذا يبدو التجول داخل المركز أشبه بالانتقال بين طبقات متعددة من الإدراك، لا بين “أقسام” بالمعنى المعتاد.
أولى هذه الطبقات تتمثل في المعارض الدائمة التي تستعيد التاريخ الأذربيجاني خارج منطق العرض المتحفي التقليدي.
فالزائر لا يقف أمام vitrines صامتة أو مقتنيات معزولة عن سياقها، بل يدخل إلى فضاءات تتشابك فيها الصورة بالصوت، والمخطوطات القديمة بالإسقاطات البصرية الحديثة، والرموز الشعبية بالتقنيات الرقمية.
ثمة خرائط تتوهج على الجدران، تسجيلات صوتية تستدعي ذاكرة المدن القديمة، وأزياء وآلات موسيقية ومخطوطات تُقدَّم باعتبارها شظايا حية من هوية ما تزال قيد التشكل. حتى الإضاءة داخل هذه المساحات لا تؤدي وظيفة تقنية بحتة؛ إذ تُستخدم لإنتاج مناخ شعوري يجعل الزائر يتحرك ببطء، كما لو أنه يعبر طبقات متراكمة من الزمن.
اللافت أن المركز لا يتعامل مع التراث بوصفه مادة جامدة محفوظة ضد النسيان، بل باعتباره مادة قابلة لإعادة القراءة باستمرار؛ لذلك تتجاور الحكاية الشعبية مع الشاشة التفاعلية، ويصبح الماضي نفسه جزءًا من تجربة بصرية معاصرة لا تنتمي إلى الحنين بقدر ما تنتمي إلى إعادة الاكتشاف.
أما القاعة الموسيقية، فهي ليست مجرد مسرح للعروض الكبرى، بل فضاء صُمم بعناية تجعل الصوت عنصرًا معماريًا قائمًا بذاته.
الخشب المنحني الذي يغلف الجدران والأسقف لا يمنح القاعة دفئها البصري فقط، بل يخلق توازنًا صوتيًا بالغ الدقة، بحيث تبدو الموسيقى وكأنها تتحرك بحرية داخل الفراغ دون أن تفقد نقاءها أو كثافتها. لهذا تستضيف القاعة طيفًا واسعًا من الفعاليات؛ من الأوركسترا الكلاسيكية والباليه إلى حفلات الجاز والعروض التجريبية المعاصرة.
وخلال الأمسيات الكبرى، يتحول المكان إلى حالة إنصات جماعي نادرة؛ حيث تتراجع صخب المدينة تمامًا خلف الجدران البيضاء، ويصبح الضوء الخافت، والانحناءات الخشبية، والذبذبات الموسيقية، أجزاء من تجربة حسية واحدة.
حتى المقاعد ومسارات الحركة داخل القاعة صُممت بحيث لا يشعر المتلقي بأنه جالس أمام منصة تقليدية، بل داخل بنية تحتضن الأداء من جميع الجهات، فتختفي المسافة الباردة بين العرض والجمهور، ويصبح الإصغاء نفسه فعلًا جسديًا كاملًا.
وفي مناطق أخرى من المبنى، تنفتح صالات الفن المعاصر على احتمالات بصرية متغيرة باستمرار.
هذه الصالات لا تحتفظ بهوية ثابتة، لأنها صُممت لتستقبل أشكالًا متعددة من التعبير الفني؛ من المنحوتات الضخمة والتركيبات الفراغية، إلى الفيديو آرت، والأعمال الرقمية، والعروض التي تمزج بين التكنولوجيا والجسد والصوت.
أحيانًا يدخل الزائر إلى قاعة يغمرها الظلام الكامل إلا من ومضات ضوئية تتحرك ببطء، وأحيانًا يجد نفسه أمام عمل فني يتفاعل مع الحركة أو الظل أو الأصوات المحيطة.
هذا الانفتاح على التجريب جعل المركز محطة رئيسية للمعارض الدولية التي تبحث عن فضاءات قادرة على احتواء الأعمال غير التقليدية؛ فالمساحات الواسعة والانسيابية للمبنى تسمح بتحويل كل معرض إلى تجربة مختلفة تمامًا عن سابقتها.
لا وجود هنا لفكرة “التلقي المريح”، بل لمحاولة مستمرة لدفع المتفرج إلى إعادة النظر في علاقته بالصورة، وبالمادة، وبفكرة الفن نفسها.
ومن أكثر الجوانب التي تمنح المركز حيويته المستمرة برامجه التعليمية والثقافية الممتدة على مدار العام.
فالمكان لا يكتفي باستضافة العروض والمعارض، بل يعمل أيضًا كمختبر مفتوح للتعلم والإنتاج الإبداعي. تُقام داخله ورش للفنون البصرية، والعمارة، والتصميم، والتصوير، بالإضافة إلى لقاءات فكرية ومؤتمرات تناقش قضايا الثقافة المعاصرة والتكنولوجيا والهوية.
اللافت في هذه الأنشطة أنها لا تُدار بروح أكاديمية مغلقة، بل بروح تحاول جذب الأجيال الجديدة إلى المجال الثقافي عبر التفاعل المباشر والتجريب العملي. لذلك كثيرًا ما تتحول الردهات والساحات الداخلية إلى فضاءات عمل مؤقتة، حيث يمكن رؤية طلاب فنون يرسمون، أو فرق إعداد تُجهز تركيبًا بصريًا جديدًا، أو جمهور صغير يلتف حول محاضرة غير رسمية.
هذه الحركة اليومية تمنع المبنى من التحول إلى “أيقونة جامدة”، وتجعله في حالة نشاط دائم، كما لو أن العمارة نفسها ترفض السكون.
حتى المعارض المؤقتة ذات الطابع الصناعي أو التاريخي — مثل معارض السيارات الكلاسيكية أو التصميم المعاصر — لا تُقدَّم باعتبارها استعراضًا للأشياء النادرة فقط، بل كحكاية عن تطور الذوق الإنساني وعلاقته بالشكل والسرعة والرفاهية.
السيارات المعروضة، بخطوطها المعدنية اللامعة وانحناءاتها القديمة، تبدو داخل هذا الفضاء الأبيض كأنها منحوتات متحركة توقفت للحظة قصيرة.
ومن خلال طريقة العرض والإضاءة ومسارات الحركة، يتحول الجانب الصناعي نفسه إلى تجربة بصرية خالصة؛ حيث يتقاطع التاريخ الميكانيكي مع حساسية التصميم الحديثة، ويصبح المعدن جزءًا من المشهد الفني العام للمكان، لا عنصرًا منفصلًا عنه.




فريق مقام ..


لا تعليق