بيروت على إيقاع آخر …

7

Oplus_131072


Oplus_131072
Oplus_131072
Oplus_131072
Oplus_131072

 

كيف صنعت الموسيقى الإلكترونية أحد أكثر المشاهد الثقافية حيوية في مدينة اعتادت أن تعيد ابتكار نفسها؟ …

 

لا يبدأ ليل بيروت عندما تغيب الشمس، ولا ينتهي مع أول خيط للفجر. ففي مدينة اعتادت أن تعيش على إيقاع التحولات، اكتسب الليل حياة خاصة، وصارت الموسيقى جزءًا من الطريقة التي يتعامل بها أهلها مع مدينتهم، ويعيدون اكتشافها مرة بعد أخرى.

خلال السنوات الأخيرة، وبين الانهيار الاقتصادي، وانفجار مرفأ بيروت، والأزمات التي لم تكد تنتهي حتى بدأت أخرى، كان من الطبيعي أن تتبدل ملامح الحياة الثقافية في لبنان. أغلقت مسارح وصالات، وتعثرت مبادرات مستقلة، وغادر فنانون ومبدعون بحثًا عن فرص جديدة. غير أن مشهد الموسيقى الإلكترونية سلك طريقًا مختلفًا؛ لم يكن بمنأى عن تلك التحولات، لكنه استطاع أن يحافظ على حضوره، مستندًا إلى مجتمع صغير، لكنه شديد التماسك، من الموسيقيين والمنتجين ومنظمي الحفلات والجمهور.

 

لهذا يصعب النظر إلى التكنو في بيروت بوصفه مجرد لون موسيقي أو امتدادًا لثقافة السهر. فمع مرور الوقت أصبح هذا المشهد جزءًا من الحياة الثقافية للمدينة، له أماكنه التي ارتبطت بالذاكرة، ومبادراته المستقلة، وجمهوره الذي نما معه، حتى غدت بيروت واحدة من أبرز محطات الموسيقى الإلكترونية في الوطن العربي.

 

بدأت هذه الحكاية تتشكل في تسعينيات القرن الماضي، حين كانت بيروت الخارجة من الحرب تحاول أن تستعيد إيقاعها. لم تكن المدينة تعيد بناء شوارعها ومبانيها فحسب، بل كانت تبحث أيضًا عن أشكال جديدة للحياة العامة. عادت المسارح، وافتتحت صالات عرض ومقاهٍ ثقافية، ووجدت الموسيقى الإلكترونية مكانًا لها وسط هذا الحراك، مستفيدة من انفتاح المدينة على التجارب الفنية القادمة من أوروبا، ومن رغبة جيل كامل في اكتشاف أصوات مختلفة عما اعتاده.

 

من بين الأماكن التي لعبت دورًا محوريًا في هذه الرحلة، يبرز B018، النادي الذي صممه المعماري اللبناني برنارد خوري في منطقة الكرنتينا. لم يكن تصميمه مجرد اختيار جمالي، بل حمل دلالات مرتبطة بالمكان نفسه؛ فالمبنى غارق في الأرض، ومقاعده تستدعي في تصميمها هيئة التوابيت، بينما ينفتح سقفه المعدني مع اقتراب الفجر، في مشهد أصبح جزءًا من هوية النادي، ومن الذاكرة البصرية للحياة الليلية في بيروت.

 

على مدى أكثر من ربع قرن، لم يكن B018  نادٍ تُقام فيه الحفلات، بل مساحة أسهمت في تشكيل ملامح هذا العالم الموسيقي في لبنان، واستقبلت أسماء بارزة من مختلف أنحاء العالم، كما احتضنت تجارب محلية كانت تخطو خطواتها الأولى. لذلك لم يكن غريبًا أن يشعر كثيرون بالحزن عندما توقف نشاطه بسبب الظروف الاقتصادية، وأن يُنظر إلى عودته لاحقًا باعتبارها استعادة لمعلم ثقافي ارتبط بتاريخ المدينة، أكثر من كونها إعادة افتتاح لمكان ترفيهي.

 

مع مرور الوقت، لم يعد المشهد محصورًا في مكان واحد. فقد ظهرت مساحات جديدة، وتطورت أخرى، وأصبح لكل منها شخصيته وجمهوره. ومن أبرزها AHM Club، الذي رسخ مكانته كأحد أهم النوادي المتخصصة في الموسيقى الإلكترونية، واستضاف على مدار السنوات عددًا من أبرز منسقي الموسيقى والمنتجين العالميين. ولم يكن حضور هذه الأسماء مجرد دليل على نجاح النادي، بل مؤشرًا إلى أن بيروت، رغم كل ما مرت به، ما زالت حاضرة على خريطة الموسيقى الإلكترونية الدولية.

غير أن أهمية هذه المدينة لا تعود فقط إلى الأماكن التي تحتضن هذا النوع الموسيقي، بل إلى الجمهور الذي صنعه معها. فمن يتابع الحفلات في بيروت يلاحظ أن العلاقة بين الجمهور والموسيقى تختلف عن كثير من المدن الأخرى. فالحضور لا يأتي بدافع الفضول أو لمجرد قضاء سهرة، بل لأنه يتابع هذا المشهد منذ سنوات، ويعرف فنانيه، ويميز بين مدارسه واتجاهاته، ويتعامل معه بوصفه جزءًا من اهتمام ثقافي مستمر، لا مناسبة عابرة.

هذه العلاقة المتبادلة بين المدينة وجمهورها هي التي منحت هذا الحراك الثقافي في بيروت خصوصيته. فالموسيقى هنا لم تبنِ جمهورها اعتمادًا على الأسماء العالمية وحدها، كما أن الجمهور لم يكتفِ بدور المتلقي، بل شارك، بصورة أو بأخرى، في صناعة هذا المشهد، وفي الحفاظ على استمراره، حتى في الفترات التي بدا فيها استمرار أي نشاط ثقافي أمرًا بالغ الصعوبة.

 

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في تجربة بيروت أن هذه الحالة الفنية لم تكتفي باستضافة الفنانين القادمين من الخارج، بل عملت، بهدوء وعلى مدى سنوات، على بناء صوتها الخاص. فإلى جانب النوادي التي استقبلت أسماء عالمية، ظهرت مبادرات مستقلة آمنت بأن أي مشهد موسيقي لا يكتمل إلا إذا استطاع أن ينتج فنانيه ومنصاته وجمهوره.

 

ومن بين هذه المبادرات برزت Grootribe، التي أسهمت في تنظيم فعاليات ركزت على أنماط متنوعة من الموسيقى الإلكترونية، وقدمت مساحة لفنانين من لبنان والمنطقة إلى جانب ضيوف دوليين. لم يكن الهدف منافسة المهرجانات الكبرى، بقدر ما كان خلق بيئة تسمح للموسيقى بأن تنمو بصورة طبيعية، وأن تجد جمهورًا يتابعها لذاتها، لا بوصفها ظاهرة عابرة.

وفي الاتجاه نفسه، تطورت Somewhere… من تنظيم حفلات مستقلة إلى منصة تهتم بالإنتاج الموسيقي ودعم الفنانين الشباب. وخلال سنوات قليلة، أصبحت إحدى المبادرات التي ساعدت في ربط المشهد اللبناني بنظيره الإقليمي والدولي، من خلال إصدار الأعمال الموسيقية، وإتاحة الفرصة أمام منتجين صاعدين للوصول إلى جمهور أوسع، من دون أن يتخلوا عن هويتهم الفنية.

 

ولا تكمن أهمية هذه المبادرات في حجمها، بل في أنها نشأت من داخل المدينة نفسها. فهي لم تعتمد على مؤسسات كبرى أو ميزانيات ضخمة، وإنما على التعاون بين أفراد يؤمنون بأن الثقافة لا تستمر إلا إذا وجدت من يحملها. ولهذا بدت الموسيقى الإليكترونية في بيروت أقرب إلى شبكة من المبادرات المستقلة، التي تتكامل أدوارها أكثر مما تتنافس، ويضيف كل منها طبقة جديدة إلى المشهد العام.

ومع اتساع هذا الحضور، خرجت هذه  الموسيقى من حدود النوادي الليلية إلى فضاءات أخرى. فالمهرجانات التي تقام في الهواء الطلق، مثل Aegis Festival في منطقة البترون، قدمت تجربة مختلفة، جمعت بين الموسيقى والطبيعة، وأتاحت للجمهور أن يعيش هذا الفن خارج الإطار التقليدي للحياة الليلية. لم يكن المكان مجرد خلفية للحفل، بل أصبح جزءًا من التجربة نفسها، بما يحمله من هدوء واتساع يختلفان عن إيقاع المدينة.

وفي المقابل، بدأت تظهر مبادرات تهتم بالجانب المهني والمعرفي لهذه الثقافة. ومن بينها Tempo Summit، الذي انطلق من الجامعة الأمريكية في بيروت، ساعيًا إلى فتح حوار حول صناعة الموسيقى الإلكترونية، وما يرتبط بها من إنتاج وإدارة وتسويق وتقنيات حديثة. وهو تطور يعكس انتقال هذا المشهد من كونه نشاطًا فنيًا محدودًا إلى مجال ثقافي تتداخل فيه المعرفة مع الممارسة، وتلتقي فيه الخبرة الفنية بالنقاش الأكاديمي.

 

وربما هنا تكمن خصوصية بيروت. فالموسيقى الإلكترونية فيها لم تنشأ بمعزل عن المدينة، بل حملت شيئًا من طباعها؛ مدينة تتغير باستمرار، لكنها لا تقطع صلتها بما سبقها. وكلما اختفى مكان، ظهر آخر، وكلما انتهت مبادرة، بدأت أخرى، وكأن المشهد يعيد تشكيل نفسه كل مرة، من دون أن يفقد روحه.

لهذا لا يبدو التكنو في بيروت مجرد امتداد لاتجاه موسيقي عالمي، بل تجربة محلية لها ملامحها الخاصة. فقد تشكلت عبر سنوات من العمل المستقل، ومن التراكم البطيء، ومن إيمان كثيرين بأن الموسيقى ليست لهواً يمكن الاستغناء عنه وقت الأزمات، وإنما أحد أشكال الحياة الثقافية التي تمنح المدينة قدرتها على الاستمرار.

وقد يكون هذا هو السبب الذي يجعل بيروت، حتى اليوم، حاضرة في ذاكرة كثير من الفنانين وعشاق الموسيقى الإلكترونية حول العالم. فليست النوادي وحدها ما يميزها، ولا أسماء الضيوف الذين مروا بها، بل تلك العلاقة التي نشأت بين مدينة اعتادت أن تعيد بناء نفسها، ومشهد موسيقي نما معها، وتأثر بها، وترك أثره فيها أيضًا.

 

في الأخير، قد تتغير الوجوه، وتتبدل الأمكنة، وتتوقف مشاريع وتولد أخرى، لكن ما صنعته بيروت على امتداد ثلاثة عقود يصعب اختزاله في حفلات أو ليالٍ صاخبة. لقد أصبح التكنو جزءًا من ذاكرتها الثقافية، تمامًا كما أصبحت المدينة جزءًا من ذاكرة هذا المشهد. وبين إيقاع يبدأ مع حلول الليل، وضوء يتسلل مع الفجر، تستمر الحكاية؛ لا لأنها تتجاهل ما مر على بيروت، بل لأنها تعرف، مثلها، أن الحياة لا تُستعاد دفعة واحدة، وإنما تُبنى، مرة بعد أخرى، بإصرار هادئ لا يحتاج إلى ضجيج.

 

فريق مقام ..

 

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *