تشريح لحظة الانكسار والمقاومة: قراءة تفكيكية في «يوم وصول الرجل الأحمر» لسمر نور …
13
Oplus_131072
Oplus_131072
تتجاوز الكاتبة سمر نور في روايتها «يوم وصول الرجل الأحمر» (الصادرة عن دار ديوان للنشر) الأطر التقليدية للرواية التاريخية، لتقدم نصًا يغوص في المسكوت عنه داخل سيكولوجيا المجتمعات النائية لحظة المباغتة الاستعمارية. فالنص هنا لا يؤرخ لوصول الحملة العسكرية إلى قرية «الشباك» بوصفها واقعة تاريخية مكتملة ومغلقة، بل يفككها باعتبارها «زلزالاً وجودياً» يُعيد ترتيب القيم، ويشرح العلاقات الإنسانية، ويختبر هشاشة وصلابة الذات البشرية حين توضع تحت معمل العنف المباشر.
دراماتورجيا العنف والعُري السلطوي ..
تبدأ الحبكة من لحظة «التماس المباشر» بين أدوات السلطة وأهالي النجع. لا يقف الخواجة الإنجليزي («الرجل الأحمر») ليشرح أو يفاوض؛ إنه يمارس السلطة عبر «استعراض الصمت والتهديد». تقف كتيبة «الجورباتية» ببنادقها الموجهة نحو صدور الأهالي، ليتولى «المترجم/الجلبجي» نقل الأوامر الحازمة: مهلة زمنية خاطفة، تسليم المطلوبين، وإلا فإن البديل هو «المحو الشامل» (هدم البيوت، قطع النخيل، واستباحة المكان).
تكمن قوة المشهد في كيفية إدارته دراميًا:
صمت الغريب مقابل غليان المكان: يمثل الرجل الأحمر بملامحه الباردة وعينيه الزرقاوين عين السلطة الاستعمارية غير المبالية بالبشر، فهو لا يرمي إلى تواصلًا ثنائياً بل يفرض «إملاءات الحضور العسكري».
سلاح التهديد بالرمز الحيوي: حين يهدد المحتل بقطع النخيل، فإنه لا يهدد مجرد ثمار أو مصدر رزق، بل يهدد «الذاكرة العمودية» للقرية. فالنخلة في العُرف النوبي هي السجل الحي لميلاد الأجيال، وقطعها هو عملية «إخصاء نسيجي» للجماعة وإلغاء لرموز وجودها التاريخي على ضفاف النيل.
بورتريات الشخصيات والتفكيك السيكولوجي للصراع …
تتجلى براعة سمر نور في رفضها تقديم شخصيات أحادية البُعد؛ كل شخصية في هذا الجزء تحمل مأزقها الوجودي الخاص، وتصاغ معالمها عبر تقاطعات حادة مع لحظة الأزمة:
1. داوود: تجليات الجسد الفادي والهروب إلى التصوف
يقدم السرد داوود لا كبطل تراجيدي يصرخ في وجه جلاده، بل بصفته «الكائن الطقسي» الذي يتسامى فوق الألم المادي.
الانفصال عن الجسد: أثناء تعرضه للجلد العنيف على يد عبد السيد، يُظهر السرد تحولاً باهرًا في وعي داوود؛ إنه يتراجع بجسده المنظور ليتصل بعالمه الروحي، بملائكة النهر («الأمانجي»)، وبذكر الله.
سلب السلطة غايتها: إن الهدف الأساسي للعنف الاستعماري هو انتزاع «صرخة الذل» واستجداء الرحمة. وحين يصمت داوود ويتغمد في غيبوبة التصوف والنور، يحرم الجلاد من نشوة الانتصار، متدحرجًا بالحدث من تجريد للضحية إلى إحراج أخلاقي ونفسي للجلاد نفسه.
2. عبد السيد: سيكولوجيا التابع المأزوم والجلاد المقهور ..
شخصية «عبد السيد» هي الحجر الزاوية في التفكيك النفسي للرواية. إنه العبد المحرر ظاهريًا لكنه المسكون بمرارات الاستعباد التاريخي.
فخ التماهي مع القاهر: حين يُمكّنه الخواجة من السوط ويأمره بجلد داوود، يتوهم عبد السيد أنه يسترد كرامته المهدورة. غير أن السرد يتبع ببراعة نبضات قلبه وجلده للضحية، ليكشف أن عبد السيد ينكأ جراحه هو؛ فكل ضربة وجهها لظهر داوود كانت تزيد من قيوده النفسية وتثبت دناءة موقعه كأداة بطش رخيصة في يد المحتل.
الصحوة المريرة: تكتمل مأساة عبد السيد حين يكتشف أن العنف لم يمنحه الحرية، بل جرّده من آخِر ذرة إنسانية، لتنتهي رحلته بالتداعي السريع والتلاشي في طمي النيل، حيث لا ينفعه سياط ولا سلطة معارة.
3. نفيسة: الأمومة الأبوية وتراجيديا الاختيار الإجباري ..
تجلس نفيسة في قلب المعضلة الأخلاقية للجماعة. إنها ليست مجرد امرأة مكسورة، بل هي «حارسة البقاء الجماعي».
مأزق التضحية بالفرد لإنقاذ الكل: تخوض نفيسة صراعًا باطنيًا مدمّرًا حين توضع أمام معادلة قاسية: إما تقديم داوود كفداء للتنكيل، أو ترك النجع كاملاً للاستباحة والقطع. يفكك النص قرار نفيسة الصارم بوصفه «عنفًا داخليًا اضطراريًا» يمارسه المجتمع على نفسه ليتفادى الإبادة الكاملة.
جلد الذات المكتوم: لا تظهر نفيسة منتصرة بعد نجاة القرية، بل تظهر محمّلة بأوزار الذنب والألم، لتصبح شاهدًا على أن القرارات الحاسمة في أوقات المحن لا تنتج أبطالاً بل تنتج أرواحًا معذبة.
4. محيي وقاسم: صدام الأجيال وانكسار السلطة التقليدية
يتجلى الصراع الاجتماعي داخل البيت النوبي عبر الثنائية الحادة بين العمدة العجوز «قاسم» وابنه الشاب «محيي»:
عجز قاسم والمظلمة المترسبة: يمثل العمدة قاسم السلطة العرفية التي أكلها الدهر وجفف حيلتها السلاح الحديث. إنه يحمل عصاه وعقده التاريخية، مشلول الإرادة أمام المحتل، ومحاولاً إدارة الأزمة بأقل الخسائر التكتيكية لتفادي انحلال النجع.
فورة محيي ومقاومة الشرف: في المقابل، يرفض محيي منطق الاستخذاء؛ يرى في تجارة البلح وعبر النيل وسيلة لإغاثة الأهل وإثبات الذات. غير أن ثورته تصطدم بوقائع القوة المادية، ليوضح النص حدود النخوة الفردية حين تصطدم بآلة العنف المنظم.
5. الجندي حسن: الهامش الممزق بين الزي والعرق
يأتي الجندي الصعيدي «حسن» ليمثل شريحة «أدوات العنف الهامشية». حسن ليس غريبًا عن البيئة النوبية؛ هو ابن النيل والصعيد، يتقاسم مع أهل «الشباك» السمرة وطمي الأرض وشواشي النخل.
يفكك السرد المأزق النفسي لحسن: فهو يرتدي زي الجندية التابع للخواجة، ومكلف بتنفيذ الأوامر، لكن عينيه ترصدان الشبه الصارخ بين داوود المقيد وأبيه في القرية. هذا الانفصام الوجداني يجعله يعيش صراعًا مكتومًا يجعله ضحية أخرى للآلة العسكرية التي تحول أبناء النهر الواحد إلى أعداء مفترضين.
البنية اللغوية والسردية.. شعرية الشفاهية وتفكيك البوليفونية …
يتناسب اختيار سمر نور لتقنية تعدد الأصوات (البوليفونية) مع طبيعة المأساة التي يعيشها النجع. فليس هناك شخص واحد يمتلك الحقيقة الكاملة أو يحتكر الرواية.
إن القيمة الفنية لهذا البناء لا تكمن فقط في توزيع الحكي، بل في تفكيك المركزية السردية؛ فالحدث الواحد (لحظة الاقتحام والجلد) لا يصلنا عبر «راوٍ عليم» محايد، بل عبر شظايا وانعكاسات نفسية متقاطعة لجميع الأطراف. هذا التعدد يمنع النص من السقوط في التبسيط الأخلاقي أو التوجيه المباشر، ويحول الرواية إلى شهادة جماعية تتآزر فيها الأصوات لتغطية المساحات التي يعجز الصوت الفردي عن إدراكها.
والأهم من ذلك، أن تعدد الأصوات يمثل فعل مقاومة بنيوي؛ فالغريب الاستعماري وإن كان يملك فرض الصمت بالسلاح في الميدان، فإنه يقف عاجزًا أمام هذه الشبكة الشفاهية المتعددة التي تحفظ الواقعة وتمنع المحتل من كتابة «التاريخ الرسمي» بروايته هو.
وفي الوقت نفسه، لا تحضر الأسطورة هنا (مثل كائنات «الأمانجي» و«الأمن دوجر» وحكايات الجدة زينب كوتود) للزخرفة الفلكلورية، بل بوصفها «جهاز دفاع نفسي». فحين يعجز أهالي القرية عن مواجهة البنادق بالسلاح، يلوذون بالمخيال الأسطوري، مستمدين من النهر والأرواح القوة الروحية التي تمنع أرواحهم من الانكسار أمام غطرسة الرجل الأحمر.
نهاية الصراع وتفكيك العنف الاستعماري ..
تصل الرواية إلى ذروتها الجمالية والقيمية الأعمق في المشهد الأعلى الختامي . حين يتجاور الموتان: موت «عبد السيد» الجلاد المأزوم، وموت «حسن» الجندي الممزق، تحت النخلة العالية، حيث تتوج الصفحات الأخيرة من الرواية رمزيّة تلك النخلة لتجعلها الشاهد الأخير والبرزخ الفاصل بين عالم الأحياء وعالم الأرواح. لم تكن الحفرة التي أُعِدّت تحت النخلة العالية لدفن الشابين «عبد السيد» و«حسن» مجرد مقبرة عابرة، بل تحولت بطلب « داوود» إلى ضريح جامع ومزار لترسيخ الذاكرة؛ حيث تتوحد أجساد القتلى والراحلين تحت ظلهما، وتُنقش أسماؤهم وتترك علاماتهم لتتلقى دعوات أهل القرية على مر الأجيال.
النقد الضمني لفكرة العنف: تبعث الكاتبة عبر هذه النهاية المأساوية برسالة نقدية فلسفية مفادها: أن العنف الاستعماري أعمى، لا ينتج سوى هلاك الجميع؛ فالتابع والجلاد والجندي يخسرون أرواحهم في مطحنة السلطة، بينما يبقى النهر وحده شاهدًا أزليًا على عبثية القوة وفناء الغزاة وأدواتهم.
الذاكرة بوصفها المقاومة الوجودية الأخيرة ..
إن رواية «يوم وصول الرجل الأحمر» هي درس بليغ في كيفية قراءة التاريخ أدبيًا. لم تكتب سمر نور حكاية عن الهزيمة، بل كتبت « وثيقة حية في صمود الذاكرة.»
إن المحتل بكل بنادقه وكتائبه قد يفرض هيمنته الموقتة على الجغرافيا، وقد يروع أجساد الأهالي، وقد يقطع بعض النخيل، لكنه يعجز تمامًا عن استعمار المخيال والذاكرة. وما دام أهل «الشباك» قادرين على التجمع، ورواية ما حدث، واستعادة أسطورة النخلتين المشتبكتين، فإن الرجل الأحمر يظل مجرد عابر طريق مؤقت، وتظل النوبة—بنيلها ونخيلها وأرواح شهدائها—هي صاحبة الحكاية الأصلية والأخيرة التي لا تقبل المحو.
لا تعليق