حين يصبح الدخول اقتحامًا .. قراءة في مجموعة «ألن تدعوني للدخول؟» لآمال الشريف …

54

Oplus_131072


 

ثمة عتبة تفصل دائمًا بين الداخل والخارج، بين من يملك حق الدخول ومن ينتظر الإذن، بين من يرى ومن يُرى، وبين من يعيش داخل الحكاية ومن لا يجد لنفسه فيها مكانًا. في مجموعة «ألن تدعوني للدخول؟» لآمال الشريف، الصادرة عن بيت الحكمة للثقافة، لا تبدو العتبة مجرد تفصيل مكاني، ولا يبدو الدخول فعلًا عابرًا؛ إنهما يتحولان، على امتداد القصص، إلى استعارة واسعة لعلاقات البشر بعضهم ببعض.

 

تتكون المجموعة من ثماني عشرة قصة، تبدأ بـ«على هامش الحياة» وتنتهي بـ«أختي العزيزة»، وبين البداية والنهاية تتنقل الكاتبة بين عوالم أسرية وطبقية وجنسية ونفسية واجتماعية شديدة التباين. ومع ذلك، يصعب النظر إلى هذه القصص باعتبارها جزرًا منفصلة؛ إذ تتكرر داخلها حالات بعينها: شخص يريد أن يُرى فلا يراه أحد، امرأة يُنظر إليها بوصفها جسدًا، طفل يحاول أن يفهم عالم الكبار، علاقة يبدو ظاهرها شيئًا ثم تنكشف حقيقتها شيئًا آخر، وباب لا يفتح إلا على مأساة جديدة.

 

من هنا يصبح عنوان المجموعة أكثر من اسم لقصة ختامية. «ألن تدعوني للدخول؟» سؤال يمكن أن تعيده تقريبًا معظم شخصيات المجموعة، حتى وإن لم تنطق به. إنه سؤال الطفل الذي يريد العودة إلى بيته القديم، والمرأة التي تبحث عن مكان آمن، والرجل الذي لم يجد له موضعًا داخل أسرته، والعاشق الذي يريد أن يدخل حياة محبوبته، والأخت التي ترى أن أختها استأثرت بالحياة التي كانت تنتظرها هي.

 

من المقعد الأخير إلى الباب

من أذكى مفاتيح قراءة المجموعة أن قصتها الأولى «على هامش الحياة» تضع منذ البداية فكرة ستتردد بأشكال مختلفة لاحقًا: المكان الذي يحتله الإنسان يكشف المكانة التي منحها له الآخرون، والمكانة التي منحها هو لنفسه أيضًا.

 

بطل القصة يبدأ من المقعد الأخير في الفصل. في البداية يبدو الأمر مجرد نتيجة طبيعية لعدم دخوله في معركة المقاعد الأولى، لكنه يكتشف تدريجيًا أن المقعد الأخير يوفر له ميزة أخرى: أن يكون غير مرئي. يعمل بعد المدرسة في ورشة، ويعود منهكًا، فلا يستطيع أن يذاكر، ثم ينتهي إلى دبلوم التجارة، ويستمر في اختيار الموضع الذي لا يلفت الانتباه.

 

لكن ما يبدأ كاستراتيجية دفاعية يتحول إلى مصير. في النهاية لا يعود المقعد الأخير موجودًا أصلًا، لأنه لم يعد يحتاج إلى الاختباء: «لم يعد أحد يتحدث إليّ. لم يعد أحد يراني».

وهنا تكشف القصة مبكرًا عن أحد أهم قوانين المجموعة: الهامش ليس دائمًا مكانًا يُفرض على الإنسان من الخارج؛ أحيانًا يبدأ الإنسان في اختياره لحماية نفسه، ثم يتحول الاختيار إلى سجن.

وهذه الفكرة ستتكرر في صور أخرى.

 

 «الأبله» مثلًا يقدم شخصية جرى تعريفها داخل الأسرة باعتبارها غبية، حتى صدقت الشخصية هذا التعريف وانكمشت داخله. لم يعد الأب والأخوة يكتفون برؤية عجزه؛ لقد صنعوا له هوية كاملة، ثم عاش هو داخلها. وفي العالم الافتراضي يحاول للمرة الأولى أن يصنع صورة أخرى لنفسه: اسم أجمل، وصورة أجمل، وشخصية مرحة قادرة على التواصل. لكنه يظل عاجزًا عن حماية نفسه خارج الشاشة، إلى أن ينتهي وحيدًا أمام خوف لا يستطيع مواجهته.

وهكذا ينتقل الهامش من المقعد إلى الغرفة إلى الشاشة؛ أي من مكان مادي إلى حالة نفسية.

 

الجسد  كمساحة للصراع …

تبدو أجساد الشخصيات، ولا سيما النساء، في عدد كبير من القصص، وكأنها ليست ملكًا كاملًا لأصحابها. إنها تقع باستمرار تحت نظر الآخرين ورغباتهم وأحكامهم.

 

في «جمالات» تتحول المرأة إلى موضوع تتداوله الرغبات الذكورية. جمالات جاءت إلى البلدة بعد فشل زواجان بسبب عقمها، وأصبح هذا العقم جزءًا من السمعة التي تحدد قيمتها الاجتماعية. تعمل لدى العزاب، ثم تصل إلى المأمور الذي يغلق عليها باب الشقة بالمفتاح. الباب هنا ليس مجرد وسيلة لإغلاق البيت؛ إنه تجسيد لعلاقة امتلاك كاملة.

المفارقة أن المأمور نفسه يحتاج إلى جمالات كي يثبت لنفسه وللآخرين رجولته. وحين تحمل منه، لا يرى في الحمل حياة جديدة بقدر ما يراه شهادة اجتماعية على رجولته. لذلك يخطط للتخلص من الجنين، لأن ما يمنحه صك الرجولة يهدده في الوقت نفسه بكشف الحقيقة.

الأكثر قسوة أن جمالات نفسها تصل إلى لحظة تبدو فيها وكأنها أعادت تعريف جسدها بوصفه شيئًا بلا قيمة؛ فهي تقول إنها «باعت الدنيا» بعدما يئست من أن يكون لها بيت أو عائلة، لكنها عندما يصبح الحمل احتمالًا لبداية مختلفة، تتمسك بفكرة أن الإنجاب لا يكون إلا في إطار الزواج. بذلك لا تقدم الكاتبة الضحية باعتبارها كائنًا سلبيًا تمامًا، بل تمنحها وعيًا أخلاقيًا ورغبة في استعادة معنى مختلف لحياتها.

 

وفي «المراهق» يتخذ الجسد شكلًا آخر: جسد المراهق الذي يستيقظ فيه الوعي الجنسي وسط بيئة أسرية مختلة وطبقية مهينة. وداد نفسها تصبح موضوعًا لرغبة الفتى، لكنها أيضًا تمارس على هذه الرغبة سلطة واعية؛ تستثيره، ثم تتراجع، وتدرك تأثيرها عليه.

غير أن الكاتبة لا تجعل المسألة مجرد حكاية عن رغبة جنسية؛ فالرغبة هنا مرتبطة بالحاجة إلى الاعتراف. الفتى، الذي اعتاد أن يكون غير مرئي داخل أسرته، يجد في نظرة وداد ما يوهمه بأنه أصبح مرئيًا. ولهذا فإن الصدمة التي يتعرض لها لاحقًا لا تأتي فقط من انكشاف الخيانة أو السخرية منه، بل من انهيار الصورة التي صنعها عن ذاته.

الأبواب والمفاتيح: معمار رمزي للمجموعة

من اللافت أن الأبواب والمفاتيح والغرف والأسطح والبيوت تتكرر بكثافة في المجموعة.

في «جمالات» هناك باب يُغلق بالمفتاح. وفي «على هامش الحياة» هناك مقعد أخير يضع صاحبه خارج مركز المشهد. وفي «الخط الفاصل» غرفة تنعزل فيها طفلة عن العالم، ولا يعود الدخول إليها أمرًا عاديًا. وفي «المجهول» باب غرفة مغلق يضاعف خوف البطلة. وفي «أختي العزيزة» يتحول الدخول إلى فعل مقصود ومدبر من أجل الاستيلاء على حياة شخص آخر.

 

لذلك يمكن النظر إلى العمارة في المجموعة باعتبارها لغة ثانية للسرد.

الأماكن لا تحتوي الشخصيات فقط؛ إنها تكشف علاقاتها. الباب المغلق يعني سلطة. الغرفة قد تعني عزلة. السطح يعني مراقبة من بعيد. البيت قد يكون أمانًا، وقد يتحول إلى سجن. والمقعد الأخير ليس إلا نسخة مدرسية مبكرة من الباب المغلق.

 

حتى عنوان المجموعة نفسه لا يقول: «هل أستطيع الدخول؟» بل «ألن تدعوني للدخول؟». الصيغة تحمل في ظاهرها استئذانًا، لكنها تحتمل معنى آخر أكثر عدوانية: من يطلب الدخول قد لا يكون طالب قرب، وإنما شخصًا يريد اختراق حدودك.

وهذا تحديدًا ما يجعل العنوان يتغير معناه بعد الوصول إلى القصة الأخيرة.

«كله إلا ده»: حين تصبح الأخلاق انتقائية

في «كله إلا ده» تبلغ المفارقة الأخلاقية إحدى أوضح صورها. أشجان تمارس علاقة محرمة، ولا يبدو أن الخيانة تمثل لها أزمة أخلاقية حقيقية، لكن مجرد اكتشافها أنها أكلت في بيت مسيحي، أمام صور دينية، يفجر داخلها حالة من الرعب.

 

قوة القصة لا تأتي من المفارقة وحدها، وإنما من الطريقة التي تترك بها الكاتبة القارئ أمام نظام أخلاقي مقلوب: الفعل الذي يراه المجتمع من الكبائر يمكن أن يصبح، في ذهن الشخصية، أقل خطورة من مخالفة حدود طائفية متخيلة. وحين تقول: «الزنا، على الأقل، ربنا بيقبل توبة البني آدم عنه… لكن… كله إلا ده»، فإنها لا تدين شخصية فردية فقط، بل تكشف آلية أوسع: حين يتحول الدين إلى هوية اجتماعية، يمكن أن يصبح الانتماء أهم من السلوك نفسه.

 

وهنا تلتقي القصة مع «إرث تاريخي»، وإن كانت الأخيرة أكثر تعقيدًا في بنائها؛ ففيها تبدأ الراوية من صورة نمطية عن اليهود، ثم تصطدم بشخصيات يهودية مصرية الأصل، وتجد نفسها في النهاية أمام سؤال أكثر تعقيدًا عن الذاكرة والانتماء والهوية.

«إرث تاريخي»: تفكيك الصورة النمطية من داخلها

تتميز «إرث تاريخي» عن عدد من قصص المجموعة بأنها لا تضع شخصية في مواجهة ظلم اجتماعي مباشر فقط، بل تضع الراوي نفسه أمام أحكامه المسبقة.

في البداية، تتعامل الراوية مع صديقتها اليهودية عبر صورة ثقافية جاهزة عن «بخل اليهود»، مستدعية شايلوك بوصفه نموذجًا أدبيًا راسخًا لهذه الصورة.

لكن الصديقة التي تعرفها الراوية في باريس لا تتطابق مع الصورة؛ امرأة تعاني من علاقة مؤذية، وتحاول أن تنفصل، وتعيش حياتها بمرح رغم ما تخفيه من جروح. ثم تأتي صورة الفتاة التي ترتدي الزي العسكري، فتفتح فجأة بابًا على تاريخ مختلف، وتصبح الهوية اليهودية هنا أكثر تعقيدًا من الصورة النمطية التي سبقت معرفتها.

القصة بذلك تتحرك من الآخر المتخيل إلى الآخر الإنساني.

وهي حركة ستصبح أكثر وضوحًا في «المجهول»، حيث تكتشف الراوية أيضًا أن الخوف قد يصنع قصة كاملة في رأس الإنسان قبل أن يعرف الحقيقة.

 

الخوف بوصفه مؤلفًا مشاركًا …

من أهم التقنيات المتكررة في المجموعة أن الشخصيات لا ترى الواقع دائمًا كما هو؛ إنها تملأ الفراغات بخوفها ورغباتها وذكرياتها.

«المجهول» مثال واضح. تبدأ القصة من حالة خوف شديدة: باب مغلق، طقس عاصف، وحدة، وعدم قدرة على النوم. وعندما يظهر شبح، يتشكل في ذهن البطلة تفسير كامل لما سيحدث. لكن الواقع ينقلب على توقعاتها.

ثم يحدث شيء أكثر أهمية: تتكرر بنية الخوف عندما تصل البطلة إلى باريس، ويصبح المكان الآمن ظاهريًا مهددًا. زياد الذي قدم نفسه باعتباره صديقًا ومرشدًا يتحول إلى مصدر تهديد جنسي، بينما يصبح «المجهول» الحقيقي ليس شخصًا غريبًا، وإنما الشخص الذي ظنته مأمونًا.

هنا تقدم الكاتبة تقنية سردية مهمة: تأجيل المعلومة وإعطاء القارئ معلومة ناقصة، ثم إعادة تركيب المشهد من زاوية جديدة.

وهي التقنية نفسها التي تستخدمها في «حسنية»، حيث يعرف الراوي الحقيقة متأخرًا، بعدما يكون المجتمع كله قد اتفق على دفنها. الجميع يعرف أن حسنية تعرضت للضرب، والجميع يعرف الحقيقة، لكن الجميع يشارك في صناعة رواية «الموت الطبيعي».

إنها إذن ليست فقط قصصًا عن الضحايا، وإنما عن كيفية صناعة الرواية التي تحيط بالضحية.

 

الذاكرة: حين يعود الماضي متأخرًا …

«حياة» و«ذكريات» و«بيتي الثاني» و«الخط الفاصل» تفتح جميعها مساحة مختلفة في المجموعة: مساحة الذاكرة.

في «حياة» لا تبدأ المأساة بالصراخ، وإنما بعادة يومية حميمة: رجل يستيقظ لصلاة الفجر، اعتاد أن توقظه زوجته، ويعد لها الإفطار. ثم نكتشف أن حياة مريضة ولا تستطيع النهوض، وفي النهاية يصل الزوج إلى قبر يحمل اسمها.

القصة تعتمد على الإخفاء الهادئ؛ فالكاتبة لا تعلن موت حياة منذ البداية، وإنما تترك القارئ يعيش مع الزوج توقعه بأن الغياب مؤقت، حتى تأتي لحظة القبر لتعيد قراءة كل التفاصيل السابقة.

 

وفي «ذكريات» يكفي مشهد رجل عجوز يقف تحت المطر أمام البحر كي تختصر القصة عمرًا كاملًا من الفقد. هنا تتراجع الحكاية بمعناها التقليدي لصالح الصورة والإيحاء.

 

أما «بيتي الثاني» فتستخدم صوت طفلة تستعيد حادثة قديمة لا تفهمها تمامًا. وهذه نقطة شديدة الأهمية في تقنية المجموعة: الراوي قد يعرف أقل مما يعرفه القارئ.

الطفلة ترى الشاب، وتبدأ في اكتشاف انجذابها إليه من دون أن تمتلك اللغة التي تفسره بها. وحين تمنعها الجدة من العودة، لا تفهم سبب غضبها، كما لا تفهم لماذا تضربها الأم بعد ذلك.

بهذا تخلق الكاتبة فجوة بين التجربة ومعناها: الحدث يحدث في الطفولة، أما تفسيره فيأتي بعد سنوات، وربما لا يأتي كاملًا أبدًا.

 

«الخط الفاصل»: الطفولة التي ترى أكثر مما يقول الكبار

في «الخط الفاصل» تستخدم آمال الشريف طفلة بوصفها عينًا سردية. الطفلة تعيش تجربة التنمر والاقتلاع من المدرسة والبيت، ثم تنشئ علاقة مع صوال، الطفلة التي جاءت لتنام معها.

لكن صوال ليست مجرد صديقة. إنها تتحول إلى منطقة أمان نفسية. ومع تصاعد اضطراب نودي، نكتشف أن الجسد نفسه بدأ يتكلم نيابة عنها: ألم المعدة، كراهية الطعام، والرفض الجسدي للمدرسة. ثم تتكشف الخلفية: صراخ الأب والأم، تهديد الأب بالرحيل، ثم رحيله بالفعل، وتبدل البيت والمدرسة والحياة كلها.

وهنا يظهر مفهوم «الخط الفاصل» بأكثر من معنى: بين الطفولة والنضج، بين الواقع والخيال، بين البيت القديم والبيت الجديد، وبين ما يستطيع الطفل قوله وما يعجز عن تسميته.

والأهم أن الكاتبة لا تحتاج إلى تفسير نفسي طويل؛ الأعراض نفسها تصبح لغة.

 

«رحمة»: السلسلة الكاملة للافتراس …

ربما كانت «رحمة» من أكثر قصص المجموعة قسوة في بناء فكرة الاستغلال؛ لأنها لا تقدم مفترسًا واحدًا، وإنما تكشف كيف يمكن أن تتعاقب الأيدي على الضحية.

رحمة فتاة صغيرة، حامل، هاربة من بيتها بعدما تخلى عنها حبيبها. الرجل الذي يبدو أولًا منقذًا يتحول إلى مغتصب، ثم يأتي صديق آخر يعلن استعدادًا لرعايتها، قبل أن يكشف في النهاية أن رعايته نفسها مشروطة باستغلالها جنسيًا.

وهنا تصبح كلمة «الثواب» في عبارة الصديق — «خلينا نقتسم معك الثواب» — مفارقة شديدة السواد، لأن اللغة الأخلاقية لا تمنع الاستغلال، وإنما تصبح غطاء له.

 

القصة بذلك لا تقول فقط إن هناك رجالًا سيئين، بل تكشف الطريقة التي يمكن أن يتسلل بها الافتراس إلى خطاب الحماية نفسه.

 

«لقاء»: الحب أمام استحالة الاختيار

على النقيض من القصص الأكثر عنفًا، تأتي «لقاء» بحكاية تبدو في ظاهرها أقرب إلى الرومانسية. لقاءات عابرة تتكرر، مصادفات تقود إلى علاقة تمتد سبع سنوات، ورجل يرى محبوبته مركز العالم.

لكن الكاتبة لا تمنح الحب نهايته التقليدية. الرجل موزع بين حبيبته وابنته، وكل واحدة منهما تطلب منه حياة كاملة لا يستطيع منحها للأخرى. الحبيبة تريد بيتًا وزواجًا، والابنة تريد عودة أبيها وأمها، فيتحول الحب إلى امتحان يستحيل النجاح فيه.

النهاية ليست موتًا ولا انفصالًا فحسب، وإنما غيبوبة؛ أي تعليق للوعي أمام استحالة القرار.

وهذا اختيار دال: حين يعجز الإنسان عن اختيار أحد طرفي حياته، يفقد القدرة على أن يكون حاضرًا في حياته أصلًا.

 

«أهو ده اللي صار»: القطيعة التي تتخفى في مكالمة …

في «أهو ده اللي صار» تبدو المأساة أقل صخبًا. مكالمة هاتفية خاطئة تعيد للحظات صلة أخت بأخيها الغائب منذ سنوات، ثم تنتهي المكالمة سريعًا حين يكتشف أنه أخطأ الرقم.

لكن هذه المكالمة العابرة تفتح تاريخًا طويلًا من التضحية العائلية غير المتبادلة: الأسرة ساعدته على السفر، والأم والأخوات انتظرن عودته، لكنه بنى حياة أخرى بعيدًا عنهن.

الموت في النهاية لا يعيد العلاقة. بل يأتي متأخرًا جدًا.

وهنا تبرز إحدى أكثر أفكار المجموعة إيلامًا: ليس كل ما ينقطع يمكن إصلاحه، وبعض العلاقات تموت قبل أصحابها بسنوات.

 

«أختي العزيزة»: النهاية التي تعيد تفسير المجموعة …

إذا كانت القصص السابقة قد بنت عالمًا من الأبواب والمقاعد والغرف والحدود، فإن «أختي العزيزة» تأتي لتضع القارئ أمام أكثر صور «الدخول» التواءً.

القصة مكتوبة من منظور الأخت الكبرى، وهي امرأة لم تكمل تعليمها، بينما ترى أختها الصغرى متعلمة، جميلة في نظر الأسرة، وصاحبة فرص لم تتح لها. منذ البداية يتشكل شعور بالمقارنة والحرمان. الراوية تقول عن نفسها وعن أختها بوضوح: «أنا الفاشلة، بحسب ما يراه أبي وما أراه في عين أمي». ثم تبدأ في مراقبة تحولات أختها وفرصها.

لكن الغيرة لا تظل شعورًا داخليًا. إنها تتحول إلى فعل.

حين يأتي العريس المحتمل، تستولي الأخت الكبرى على المشهد. ترتدي أجمل ما لديها، تدخل بالصينية، وتلتقط نظرة الإعجاب. ثم تتقدم أكثر، فتستعمل جسدها عن قصد لإغواء الرجل. وأخيرًا تسافر معه عروسًا، بينما تكون أختها مريضة ولا تحضر لحظة السفر.

لكن الجملة الأخيرة هي المفتاح الحقيقي: «كانت فرحتي بانكسارك أكبر من فرحتي بزفافي».

هنا تنكشف الحقيقة التي كانت القصة كلها تتجه إليها: الهدف لم يكن الزواج، وإنما كسر الأخت.

ومن ثم يصبح عنوان المجموعة أكثر قتامة. «ألن تدعوني للدخول؟» لم يعد سؤال امرأة تريد أن تدخل بيتًا أو حياة، بل يصبح صيغة يمكن أن يستخدمها شخص يريد اقتحام مساحة الآخر والاستيلاء عليها.

والأكثر دلالة أن القصة الأخيرة لا تنتهي فقط بزواج، وإنما بـ«دخول» الأخت الكبرى إلى حياة أختها وانتزاعها منها.

 

من «على هامش الحياة» إلى «أختي العزيزة»: قوس سردي كامل

يمكن الآن أن نرى المجموعة باعتبارها حركة تبدأ بالاختفاء وتنتهي بالاقتحام.

في القصة الأولى، يختار البطل المقعد الأخير كي لا يراه أحد، إلى أن يتحول اختفاؤه إلى حقيقة: لا أحد يراه.

وفي القصص التالية نجد شخصيات أخرى تريد أن تدخل أو أن تُدخل الآخرين إلى حياتها: جمالات تدخل بيوت الرجال فتتحول إلى جسد مملوك، رحمة تدخل بيتًا بحثًا عن الحماية فتجد الاغتصاب، الطفل في «الأبله» يدخل عالمًا افتراضيًا ليهرب من صورته الحقيقية، والطفلة في «الخط الفاصل» تبني داخل غرفتها عالمًا أكثر أمانًا من العالم الخارجي.

ثم نصل إلى «المجهول»، حيث يصبح الدخول نفسه تهديدًا؛ إلى «أختي العزيزة»، حيث يتحول الدخول إلى اقتحام متعمد.

بهذا المعنى، ليست المجموعة مجرد مجموعة قصص اجتماعية عن الخيانة والعنف والطبقة والأسرة. إنها، في بنيتها العميقة، مجموعة عن الحدود: من يحق له أن يتجاوزها؟ ومن يملك مفتاحها؟ ومن يُطرد منها؟ ومن يبقى خارجها؟

 

التعدد الصوتي دون تعدد الرواة

تتنوع أصوات المجموعة بصورة واضحة. هناك الراوي الذكوري في «جمالات»، والراوية في «كله إلا ده»، والراوي المتأمل في «رحمة»، والطفلة في «الخط الفاصل» و«بيتي الثاني»، والراوية الأنثوية في «المجهول»، والأخت الكبرى في «أختي العزيزة».

هذا التنوع لا يبدو استعراضًا تقنيًا، وإنما يؤدي وظيفة أساسية: كل مأساة تحتاج إلى زاوية نظر مختلفة.

فالطفلة لا تستطيع أن تفسر ما يحدث لها كما يفعل الراشد، والزوج لا يرى زواجه كما تراه الزوجة، والرجل الذي يعيش على الهامش لا يستطيع أن يصف نفسه من خارج الجرح الذي صنعته الأسرة.

والكاتبة تستفيد من هذا الاختلاف في مستوى المعرفة. أحيانًا يعرف القارئ أكثر من الشخصية، وأحيانًا يعرف أقل، وأحيانًا لا يفهم الحدث إلا بعد نهايته.

الحوار: اللغة اليومية باعتبارها أداة كشف.

 

من العناصر اللافتة في المجموعة استخدام العامية داخل الحوار، إلى جوار السرد الفصيح. هذا الاختيار لا يعمل فقط على إضفاء الواقعية، بل يمنح الشخصيات استقلالها الصوتي.

الشخصيات لا تتحدث بلغة المؤلف؛ إنها تتحدث باللغة التي تناسب بيئتها وطبقتها وعمرها.

وهذا واضح خصوصًا في قصص الأطفال والمراهقين والشخصيات الشعبية. الحوار القصير قد يكشف شخصية كاملة أكثر مما تفعل فقرة وصفية طويلة.

كما أن الجملة اليومية تصبح أحيانًا أداة للمفارقة. عبارة بسيطة مثل «كله إلا ده» تختصر منظومة أخلاقية كاملة، وعبارة «خلينا نقتسم معك الثواب» تكشف نفاقًا أخلاقيًا لا تحتاج الكاتبة إلى شرحه.

 

النهايات: المفاجأة ليست غاية في ذاتها

تعتمد المجموعة في عدد من قصصها على نهايات كاشفة أو صادمة: الطفل الذي لا يشبه المأمور في «جمالات»، موت حسنية الذي يعرف الجميع حقيقته، قبر حياة، الرصاصة في نهاية «المراهق»، الموت في «الأبله»، والانقلاب الذي يحدث في «المجهول».

لكن قيمة هذه النهايات لا تكمن في عنصر المفاجأة وحده؛ بل في أنها تعيد ترتيب القصة السابقة.

في «حياة» مثلًا، حين يظهر اسم حياة على شاهد القبر، يعاد تفسير كل صباح وكل إفطار وكل نداء سابق. وفي «المجهول»، حين يتضح أن الخوف الأول لم يكن هو الخطر الحقيقي، يصبح القارئ أكثر استعدادًا لفهم الكابوس الثاني.

هذه تقنية قريبة من بنية «المعلومة المؤجلة»: الكاتبة لا تكذب على القارئ، لكنها لا تمنحه كل المفاتيح في اللحظة نفسها.

 

الواقعية حين تقترب من الميلودراما …

قد تقترب بعض الأحداث في المجموعة من الميلودراما: الخيانة، الاغتصاب، الموت، العقم، التفكك الأسري، الغيرة، الانتحار أو القتل، والمفاجآت المتتالية.

لكن اللافت أن الكاتبة لا تسعى إلى تقديم الواقعية بوصفها حياة هادئة خالية من الأحداث، وإنما بوصفها حياة تتراكم فيها الضغوط حتى تصل إلى نقطة الانفجار.

ولهذا فإن المبالغة في الحدث تقابلها غالبًا بساطة في اللغة. الحدث قاسٍ، لكن الجملة لا تصرخ دائمًا. وهذا التباين يمنح بعض النهايات قوة أكبر.

ما الذي يجمع كل هذه القصص؟

إذا حاولنا اختزال المجموعة في مجموعة من «القضايا»، سنقول: الطبقية، العنف، المرأة، الأسرة، النفاق الديني، التنمر، الوحدة، الاغتراب، الذاكرة.

لكن هذا الاختزال لا يكفي.

الأعمق أن معظم الشخصيات في «ألن تدعوني للدخول؟» تعاني من اختلال العلاقة بالآخر.

هناك من لا يستطيع الدخول إلى العالم.

وهناك من يُمنع من الدخول.

وهناك من يُدخل الآخرين إلى حياته فيكتشف أنهم يستغلونه.

وهناك من يقتحم حياة غيره.

وهناك من يعيش داخل بيت، لكنه يظل خارجه نفسيًا.

وهناك من يغادر البيت، ثم يقضي بقية حياته يبحث عنه في الذاكرة.

حتى «حياة»، التي تبدو قصة عن حب زوجين طويل، تنتهي بأن يكتشف الرجل أن المرأة التي كانت مركز يومه كله أصبحت ذكرى محفورة على شاهد.

وبذلك يصبح «الدخول» في المجموعة ليس دخولًا مكانيًا، وإنما دخولًا إلى حياة الآخر؛ وهو الدخول الذي لا يحدث أبدًا بلا ثمن.

 

 الباب الذي لا نعرف من يقف خلفه …

 

تنجح آمال الشريف في «ألن تدعوني للدخول؟» في بناء مجموعة قصصية تتجاوز الحكاية الاجتماعية المباشرة إلى مساءلة الطريقة التي نصنع بها عزلتنا ونشارك في عزل الآخرين.

الشخصيات لا تقع فقط ضحية المجتمع؛ أحيانًا تكون شريكة في صناعة المأساة. الأم تحمي ابنها المخطئ، الأسرة تتواطأ على الصمت، الصديق الذي يقدم الرعاية يتحول إلى مستغل، الأخت التي عاشت الإقصاء تتحول إلى من يمارس الإقصاء على أختها.

وهنا تكمن المنطقة الأكثر إثارة في المجموعة: لا أحد يقف دائمًا في الجانب الصحيح من الباب.

قد نكون خارج الباب في قصة، ووراءه في قصة أخرى. قد نطلب الدخول اليوم، ثم نغلق الباب غدًا في وجه شخص آخر. وقد نختار المقعد الأخير كي ننجو من نظرات الآخرين، ثم نكتشف بعد سنوات أن النجاة نفسها صارت اختفاءً.

 

لذلك تبدو «ألن تدعوني للدخول؟» في النهاية جملة مزدوجة الدلالة. إنها استئذان، لكنها قد تكون أيضًا إنذارًا. وقد يكون من يطرق الباب طالبًا للحب، أو طالبًا للنجاة، أو طالبًا للانتقام.

وربما لهذا اختارت آمال الشريف أن تضع القصة التي تحمل هذا المعنى في خاتمة المجموعة. فبعد ثماني عشرة حكاية عن البشر وهم يحاولون أن يجدوا لأنفسهم مكانًا، يأتي السؤال الأخير لا ليطلب فتح الباب فقط، بل ليجعلنا نسأل:

حين نفتح الباب، من الذي نسمح له بالدخول؟ وماذا سيأخذ معه حين يدخل؟

مقام ..

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *