واحة الراهب… البيت الذي يتسع للخوف …

3

تبدأ سينما واحة الراهب بهدوء يغالط المتلقي. لا شيء في البدايات يشي بقدوم مأساة؛ بيت عادي، وأسرة يمضي يومها في أليفات التفاصيل، ووجوه تراقب العالم وهي تعبر عتبات العمر. غير أن هذا الهدوء لا يلبث أن يتكشف عن طبقات خفية؛ تتبدل وظيفة المكان تدريجيًا، تضيق الغرف بساكنيها، ويتحول الصمت إلى طقس يومي، كأنه إرث ثقيل يتوارثه الجميع.

من هذه التفاصيل الصغيرة يتخلق مشروع المخرجة السورية التي لا تراهن على الحدث الصادم لمجرد الإبهار، بل على الأثر المستقر في النفوس؛ ما يتبقى بعد انقضاء اللحظة، وما يترسب في الذاكرة ليعيد تشكيل رؤية الإنسان لذاته وللآخرين. لهذا لا تستعجل المخرجة الدراما، بل تتركها تنضج على مهل، حتى يغدو التوتر جزءًا أصيلًا من إيقاع الحياة.

إرهاصات الوعي والبصرية …

حين نعود إلى جذور تجربتها الإخراجية، نجد أن بذور عالمها السينمائي تخلقت مبكرًا. درست واحة الراهب الفنون الجميلة في دمشق، ثم السينما في باريس، حاملة معها منذ البداية اهتمامًا خاصًا بصورة المرأة وموقعها داخل العالم الذي تصنعه الصورة. وفي فيلمها القصير «جداتنا» (1991)، وضعت إحدى اللبنات المبكرة في هذا العالم؛ الذاكرة الشفهية، والنساء اللاتي يحملن ثقل التاريخ والبيوت على أكتافهن، والحكايات التي تنتقل من جيل إلى آخر بينما تختفي تفاصيلها وتبقى آثارها.

كان “جداتنا” اقترابًا من أرشيف النساء ومن الحكايات التي ظلت طويلًا في الهامش، وانحيازًا مبكرًا إلى الوجوه والتفاصيل التي تتوارى خلف زمن ذكوري حافل بالتحولات. وفي هذا المعنى، يبدو البيت منذ البدايات أكثر من مجرد مكان للسكن؛ إنه خزينة للذاكرة، ومكان تحفظ فيه النساء ما لا يصل إلى السجلات الرسمية، وما قد يختفي إذا لم تنقله الحكاية من فم إلى آخر.

تلا ذلك اشتغالها على السهرة التلفزيونية «الخرزة الزرقاء» (1994)، التي اختبرت فيها كسر إيقاع التلفزيون السائد وقتها، وواصلت الاقتراب من المساحات التي يختبئ فيها الخوف خلف المظهر اليومي المألوف. لا تبدو «الخرزة» هنا مجرد علامة على الخرافة أو الحماية الشعبية، وإنما يمكن النظر إليها بوصفها جزءًا من منظومة أوسع من المخاوف والهواجس التي تحيط بالشخصيات، وتكشف هشاشة الأمان الإنساني داخل العلاقات المغلقة.
وفي «الخرزة الزرقاء» يصبح البيت نفسه فضاءً للسر؛ مكانًا يمكن أن يبدو آمنًا من الخارج بينما تخفي جدرانه ما يكفي لتهديد هذا الأمان من الداخل. وهنا تبدأ المخرجة في ترويض عين الكاميرا لتلتقط التوتر الذي يترسب تحت السطح الهادئ للبيوت، ذلك التوتر الذي لا يحتاج إلى صراخ كي يصبح محسوسًا.

«رؤى حالمة»: اكتمال الصياغة وتفكيك السلطة …

هذه الإرهاصات المبكرة تصب بنضج كامل في فيلمها الروائي الطويل الأول «رؤى حالمة» (2003). ينعكس هذا التراكم بوضوح في تعاملها مع الصورة؛ فالكادر عندها شريك كامل في السرد. توزيع الأجساد داخل الفضاء، الفراغ المحيط بها، المسافات بين الشخصيات، وزاوية الضوء، كلها عناصر تكتب المعنى إلى جوار الحوار.

في «رؤى حالمة»، يستعصي الفيلم على الاختزال في حكايته المباشرة. قصة «جميلة» ليست سوى المدخل لطبقات أعمق تتصل بالذاكرة وتكوين الوعي والعلاقات الأولى داخل الأسرة قبل الخروج إلى العالم. وما يبدو حكاية عن طفولة فتاة، يتكشف مع كل مشهد عن تأمل في كيفية تشكل الشخصية تحت وطأة التجربة اليومية، وعن الطريقة التي يدخل بها التاريخ العام إلى أكثر الأماكن خصوصية.
فالأسرة في الفيلم ليست منفصلة عن العالم الذي يحيط بها؛ والطفولة لا تتشكل في فراغ، وإنما داخل بيت يحمل في داخله آثار السلطة الأبوية، وفي خارجه آثار الهزيمة والذاكرة الفلسطينية والأسئلة العربية التي لا يمكن للبيت أن يعزل نفسه عنها تمامًا. هكذا يصبح الخاص والعام متداخلين؛ ما يحدث في الغرفة يمكن أن يكون صدى لما يحدث خارجها، وما يبدو خلافًا عائليًا صغيرًا قد يحمل في داخله آثار تاريخ كامل.
تنظر المخرجة إلى الأسرة من الداخل، حيث تُرسى الحدود الأولى للسلطة. البيت هنا ليس مسرحًا صامتًا يدور فيه الفيلم، بل هو فاعل حقيقي؛ الأبواب، الممرات، ضيق المساحات، والافتقار إلى المسافة بين الشخصيات، كلها تتحول إلى لغة بصرية تصوغ ما تعجز الشخصيات عن نطقه.
أما العالم الخارجي فيظل حاضرًا برغم غيابه؛ يُقاس أثره في حالة الترقب الدائم، وفي القلق الذي ينخر في أوردة اليومي. ومن هنا يصبح البيت في «رؤى حالمة» مكانًا مزدوجًا: مساحة للحماية والانتماء، لكنه في الوقت نفسه المكان الذي تُرسى فيه أولى قواعد السلطة، ويتعلم فيه الطفل للمرة الأولى معنى الطاعة والخوف.

«النقمة المزدوجة»: حين يتحول القهر إلى دائرة …
في مسلسل «النقمة المزدوجة» (2007)، تواصل واحة الراهب الاشتغال على العوالم المغلقة، لكن التلفزيون يمنحها مساحة أوسع لتفكيك العلاقات المركبة والقسوة التي تفرزها صراعات النفوذ والمكانة والضغط الاجتماعي.
هنا لا يعود القهر مجرد قوة تأتي من الخارج؛ يمكنه أن يستقر في الداخل، وأن يعيد الإنسان إنتاجه على الآخرين. وهذه النقلة مهمة في قراءة تجربة المخرجة، لأنها لا تكتفي بوضع شخصياتها في موقع الضحية، بل تراقب ما يفعله القهر بالإنسان حين يطول، وكيف يمكن للسلطة التي عانى منها أن تتحول، في لحظة ما، إلى أداة يستخدمها هو نفسه.

وبذلك يتسع مفهوم البيت في سينما واحة الراهب. لم يعد المكان المغلق مجرد فضاء تمارس فيه السلطة الأبوية، وإنما يمكن أن يصبح مختبرًا تتبدل داخله مواقع القوة والضعف، وتنكشف فيه العلاقة المعقدة بين القهر والرغبة في السيطرة. فالضحية ليست دائمًا خارج دائرة السلطة؛ أحيانًا تحمل آثارها معها، وتعيد إنتاج بعض آلياتها حتى وهي تحاول الخلاص منها.

«هوى»: البحث عن منفذ تحت سقف الهشاشة …
في فيلمها الروائي الطويل الثاني «هوى» (2012)، تواصل واحة الراهب نبش العوالم المغلقة، لكنها تنقل الكاميرا من طفولة تُسلب إرادتها إلى امرأة تفتش عن حريتها وسط حطام واقع اجتماعي ونفسي مأزوم.
المرأة في «هوى» ليست ضحية مستسلمة، بل كائن يصارع الاختناق. لا يتوقف الفيلم عند حدود الرغبة بمفهومها المباشر، بل يعالج «الهوى» باعتباره بحثًا عن منفذ، ومحاولة لاستعادة الذات وسط بيئة تحترف تدجين المشاعر والرغبات. يصبح الجسد والمكان معًا ساحة مواجهة صامتة بين ما تطمح إليه الروح وما يفرضه الواقع من قيود ثقيلة.
وفي هذا الانتقال، يتسع المكان الذي تمارَس فيه السلطة. فإذا كان البيت في الأعمال السابقة هو الحيز الأكثر وضوحًا للصراع، فإن «هوى» يدفع الكاميرا إلى مجتمع كامل يمكن أن يتحول بدوره إلى بيت أكبر، له جدرانه غير المرئية وقواعده الصارمة، ويحدد للمرأة ما يجوز وما لا يجوز، وما يمكن أن ترغب فيه وما ينبغي أن تخفيه.

تظل الكاميرا ملاصقة للانكسارات الداخلية، فلا يصبح التحرر قرارًا بسيطًا أو انتصارًا مكتملًا، وإنما محاولة مستمرة لاستعادة مساحة للذات داخل عالم لا يتوقف عن تضييق هذه المساحة.

«قتل معلن»: العنف حين يخلع أقنعته …
في فيلمها القصير «قتل معلن» (2019)، تكثف واحة الراهب أطروحتها حول الخوف والسلطة الأبوية والعنف الواقع على النساء والأطفال، لتقدم تجربة شديدة التكثيف والقسوة.
لا يعود العنف هنا مجرد خلفية أو تهديد مؤجل، بل يصبح حقيقة واقعة ومباشرة، يتواطأ عليها المجتمع تحت مسميات شتى، وتتحول ظروف الفقر والعجز والسلطة الأبوية إلى أدوات تجعل الجريمة تبدو، بصورة ما، وكأنها أمر يمكن تبريره أو تمريره.
وتكثيف الزمن في الفيلم القصير يمنح المخرجة فرصة للتركيز على لحظة التحول القاسية؛ كيف يتدرج الخوف المكتوم حتى يتحول إلى مصير مفروض، وكيف يُجرَّد الضحية من حقه في الوجود والاختيار وسط صمت محيطه. وهنا لا يعود معنى «القتل» محصورًا في الجسد وحده؛ يمكن أن يكون قتلًا للطفولة، وللحرية، وللمستقبل، ولحق الإنسان في أن يختار حياته بنفسه.
الكاميرا في «قتل معلن» تنصت للتردد الأخلاقي والارتباك الإنساني الذي يسبق الفعل، مظهرة كيف ينشأ العنف ويمارس مشروعيته الظالمة داخل الفضاءات الضيقة ذاتها. وكأن المخرجة تعود، بعد سنوات طويلة من الاشتغال على البيت والأسرة والمجتمع، إلى السؤال الأول نفسه: ماذا يحدث عندما يتحول المكان الذي يفترض أن يحمي الإنسان إلى مكان يفرض عليه مصيره؟
التلفزيون والوثائقي: الامتداد إلى الشارع والواقع
لم تكن تجارب واحة الراهب الدرامية والوثائقية محطات عابرة، بل كانت أداة لاختبار أسئلتها بلغات بصرية مختلفة. في الأعمال الدرامية، مثل مسلسل «النقمة المزدوجة» (2007)، نقلت حساسية الكاميرا السينمائية إلى الشاشة الصغيرة، مشرحة العلاقات المركبة والقسوة التي تفرزها صراعات النفوذ والمكانة داخل المجتمع.

أما في سينما الوثائقي، كما في «من هذا الزمان»، فإنها تتخلى عن السرد الروائي لصالح المواجهة المباشرة مع الحقيقة. تبحث المخرجة عن الإنسان البسيط الغارق في تفاصيل عصره، وتتتبع أثره دون تجميل أو تزييف، محتفظة بذات المسافة النقدية والأخلاقية التي تحترم تعقيد التجربة الإنسانية ولا تمنح أحكامًا مطلقة.
وفي الانتقال بين الروائي والوثائقي والتلفزيوني، لا تتغير أسئلة المخرجة بقدر ما تتغير الأدوات التي تطرح بها هذه الأسئلة. فالواقع الخارجي ليس نقيضًا للبيت؛ إنه امتداده الأوسع. وما يحدث في الشارع يمكن أن يعيد تشكيل ما يحدث خلف الأبواب، كما يمكن لما يحدث خلف الأبواب أن يكشف، بصورة أكثر وضوحًا، طبيعة المجتمع الذي يقف وراءها.

نسيج واحد وأسئلة لا تنتهي …
من مسافات التسعينيات الأولى في «جداتنا» وصولًا إلى سينما الألفية، تبدو مسيرة واحة الراهب وكأنها تنتمي إلى نهر فكري واحد تتكرر فيه الأسئلة الجوهرية ذاتها بصيغ مختلفة: كيف يتشكل الخوف؟ متى يتحول الصمت إلى عادة؟ وأين تتماهى الحماية لتبدأ السيطرة؟
تتغير الشخصيات والأمكنة والظروف، لكن السؤال يظل قريبًا من نفسه. مرة يكون داخل بيت، ومرة داخل علاقة زوجية، ومرة داخل مجتمع، ومرة داخل واقع أكثر قسوة يضع طفلًا أمام مستقبل لم يختره. وفي كل مرة تقريبًا، يبدو الإنسان محاصرًا بين ما يريد أن يكونه وما يفرضه عليه المكان أو الأسرة أو المجتمع أو الذاكرة.

وهذا ما يجعل «البيت» في سينما واحة الراهب أكثر من مجرد خلفية. إنه صورة مصغرة للعالم؛ المكان الذي تبدأ فيه السلطة قبل أن تتخذ أشكالها الأكبر، والمكان الذي يتعلم فيه الإنسان معنى الأمان والخوف معًا. ومنه تمتد الحدود إلى الخارج، حتى يصبح المجتمع نفسه بيتًا واسعًا، بقواعده وأبوابه المغلقة ومساحاته المسموح بها وأخرى المحرمة.
في جميع أعمالها، لا تأتي الإجابات في صورة مواقف حاسمة أو نهايات مغلقة. تترك شخصياتها تمضي في طريقها كأن الحكاية مستمرة بعد انطفاء الشاشة. وهذا ما يترك تلك المرارة الشفيفة لدى المتفرج؛ لا يغادر العمل بإحساس أنه تابع مأساة وانتهت، بل بوعي أن ما رآه يمكن أن يقع خلف أي باب، وفي أي بيت، وأن أعمق الجروح هي تلك التي لا تراها العيون بسهولة.

لهذا يستعصي اختزال واحة الراهب في قائمة أعمالها أو في عدد سنوات نشاطها. تميزها الحقيقي يكمن في أنها جعلت من الكاميرا أداة للإنصات؛ للبيوت قبل الشوارع، للوجوه قبل الشعارات، ولذلك الارتباك الإنساني الذي يسبق الكلام ويظل معلقًا في الهواء بعده.
وعند إعادة اكتشاف سينما واحة الراهب اليوم، فإن ما يلفت الانتباه ليس ريادتها أو تحديها للسائد فحسب، بل مقاومتها لليقين الجاهز. تركت شخصياتها ناقصة كالبشر، وأسئلتها مفتوحة كالحياة. لم تقدم المرأة باعتبارها موضوعًا منفصلًا عن العالم، بل جعلت من مصائر النساء مدخلًا لكشف شبكة أوسع من العلاقات والسلطات والمخاوف التي تحكم المجتمع.
ولهذا السبب تحديدًا لا تتجمد أفلامها في زاوية زمنية مضت، بل تعيش في ذلك الجزء الخفي من ذاكرتنا، الذي يستيقظ كلما أُغلق باب، أو ساد الصمت في غرفة، أو تذكرنا أن بعض البيوت، مهما اتسعت، قد تضيق بساكنيها.

مقام ..

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *