السيدة سعاد حسني …

3

Oplus_131072


لم تكن سعاد حسني يوما تلك السندريلا خفيفة الروح والطلة وحسب كما أراد البعض اختزالها، بل كانت دوما ولليوم علامة سينمائية فارقة في تاريخ السينما العربية.

حين ظهرت للمرة الأولى في نهاية الخمسينيات، لم يكن أحد يعرف أن هذه الفتاة النحيلة، ذات الوجه الطفولي والعينين المفعمتين بالحياة، سوف تصبح خلال سنوات قليلة الممثلة الأهم في جيلها،
​كانت السينما المصرية آنذاك مزدحمة بالأسماء اللامعة. لكل نجمة منطقتها التي يصعب الاقتراب منها؛ هناك الوقار الذي ارتبط بفاتن حمامة، والدلال الذي ارتبط بشادية، والجاذبية الصارخة التي مثلتها هند رستم. أما سعاد فقد جاءت بشيء آخر تماماً. جاءت بخفة فتاة من الشارع المصري، بعفوية لا يمكن اصطناعها، وبقدرة غريبة على أن تبدو أمام الكاميرا كما لو أنها لا تمثل.

​إذا تتبعنا هذا الخيط الذي بدأ من براءة “نعيمة” في فيلمها الأول “حسن ونعيمة” وخفة فتاة الحارة، سننبهر أولاً بتلك المرحلة التي وقفت فيها سعاد على مسرح الاستعراض والغناء والرقص. لقد كانت فنانة شاملة بحق، لم تر الشاشة العربية مثلها إلا فيما ندر، مثل نعيمة عاكف تقريباً، غير أن قدرات سعاد حسني كانت تتطور بشكل مذهل في التمثيل تحديدا؛ فرغم شمول موهبتها على فنون عدة، إلا أنها حينما اختارت مرتكزاً كان هو التمثيل.

​في أفلام مثل “فتاة السيرك” أو “أميرة حبي أنا”، لم تكن تقدم استعراضاً معزولاً عن الدراما، بل كانت الخفة عندها قيمة درامية بحد ذاتها، وطريقة لملامسة قلوب الناس دون كلفة. أما عن الغناء فكانت أجمل صوت لممثلة عربية غنت وهي بالأساس ممثلة، ويمكنني القول أنها تواضعت كثيرا حين لم تحترفه كأختها نجاة الصغيرة، فذلك الصوت الشجي أجمل من كثيرات إدعين الغناء، حتى صوتها إذا ما تحدثت كان يخرج منها الكلام حواراً منغوماً ليختصر بهجة الحياة والأمل الغض. خفتها في الحركة، ورشاقتها في الانتقال بين الضحكة والدمعة وسط الأغنية، جعلت منها حالة فريدة؛ كانت قادرة على أن تمنح الاستعراض عمقاً، وأن تجعل من الرقص لغة موازية للبوح، وكأنها تولد في كل مرة تفتح فيها الشاشة ذراعيها للحن جديد وتمنح الجمهور جرعة من الحياة الصافية.
​لكن هذه البهجة الطاغية لم تكن سوى القشرة الخارجية لروح كانت تمور برغبة عارمة في التحدي والمغامرة، رغبة تجلت مبكراً في ميلها الفطري لتطوير قدراتها التمثيلية البحتة وصهر بقية مواهبها لخدمة هذا المرتكز الأساسي.

إن المعجزة الحقيقية في مسيرة سعاد حسني تكمن في ذلك المنعطف المدهش الذي يعكس كيف كانت تنضج في العام الواحد ما يوازي عشرة أعوام في عمر الممثل العادي، وكأنها كانت تسابق الزمن لتكتشف حدود موهبتها.

لنتأمل عام ١٩٦٦ تحديداً؛ في الوقت الذي كانت فيه تخلب ألباب الجمهور بخفتها المطلقة وتتحرك بين شخصيتين في فيلم واحد مثل “صغيرة على الحب”، وتلعب دور الفتاة العصرية المشتتة في “الثلاثة يحبونها”، كانت في الوقت نفسه تجلس أمام كاميرا صلاح أبو سيف لتخلع كل هذا الدلال وتلبس ثوب “إحسان” في “القاهرة 30”.

​في “القاهرة 30″، ظهرت قدرة سعاد الباكرة على تشريح التناقض الإنساني وغسل الوجه من المساحيق لمواجهة الحقيقة العارية. لم تؤد شخصية الفتاة التي تسحقها الظروف بطريقة خطابية أو مأساوية مستهلكة، بل جعلتها إنسانة حقيقية؛ نراها ممزقة بين طهر الكبرياء وذل الحاجة، تحمل ضعفها وقوتها في النظرة ذاتها، لتعلمنا أن الممثلة التي أبكتنا ضحكاً قبل قليل، قادرة على أن تهز وعينا بمرارة الواقع وقسوة الخيارات الإنسانية.

​لم يكن هذا التحول مجرد مصادفة، بل كان عتبة عبرت منها سعاد بثقة إلى أرض أكثر وعورة؛ ففي العام التالي مباشرة (١٩٦٧)، تنتقل من المدينة المأزومة إلى ريف مصر لتقدم “فاطمة” في “الزوجة الثانية” مع صلاح أبو سيف أيضاً. هنا نجدها وقد تماهت تماماً مع طين الأرض وحكاياتها؛ فلاحة لا تملك سوى ذكائها الفطري لتقاوم عمدة مستبداً. نرى ممثلة تشتغل على نبرة صوتها، على مشيتها, على لفتة رأسها بطرحتها الريفية، وكأنها لم تعرف شوارع القاهرة يوماً، محولةً المكر الفطري إلى سلاح للمقاومة الإنسانية والدفاع عن الحق. وعبر هذا التدرج الهادئ والعميق، بدأت شخصياتها تصبح أكثر تعقيداً يوماً بعد يوم، وفي كل مرة كانت تضيف طبقة جديدة إلى موهبتها الفنية وتثبت كيف أنها كانت تعمل على نفسها ببراعة، صاقلة أدواتها وصنعتها لتواكب التغيرات التي كانت تحدث بداخلها وفي العالم من حولها.

​مع دخول السبعينيات، بدأت ملامح الصبا والشقاوة تنسحب ببطء لتترك مكاناً لنضج أخذ طابعاً هائلاً من الطاقة الداخلية التي لا تحتاج إلى ضجيج، نضج مشوب بوعي سياسي واجتماعي حاد التقط نبض الشارع وهمومه. يتجلى هذا بوضوح صادم في فيلم “الكرنك” (١٩٧٥)، حيث وصلت في أدائها إلى مستوى غير مسبوق من التعبير بالصدمة والانكسار البشري. لم تعد سعاد تعتمد هنا على خفة حضورها، بل على الانكفاء بالوجع نحو الداخل، وكأنها تمتص ألم جيل كامل. تنقل الخوف بوجه ساكن يكاد يخلو من الحركة، لكنه يفيض بالخراب والذهول؛ يكفي أن تتأمل عينيها الزائغتين بعد مشهد المحنة لتدرك حجم الدمار الذي أصاب الروح عندما تُنتهك كرامتها.
​هذا الانكسار في “الكرنك” لم يلبث أن تحول إلى صرخة احتجاج صامتة وملحمية في محطتها الاستثنائية التالية؛

في فيلم “شفيقة ومتولي” (١٩٧٨) مع المخرج علي بدرخان، صاغت سعاد المأساة الشعبية والتاريخية بنضج مرعب يمس القلوب. في هذا الفيلم، لم تكن “شفيقة” مجرد فتاة ريفية تقع في الخطيئة تحت وطأة الظروف، بل حولتها سعاد بعبقريتها إلى رمز لقهر ممتد يعكس سحق البسطاء في مواجهة تحولات السلطة والمجتمع والإقطاع. أداؤها في هذا الفيلم كان يقطر وجعاً حقيقياً ينساب تحت الجلد؛ تجسد ذلك في جسدها الذي أنهكه الترحال، ونظراتها الحادة الحزينة التي واجهت بها شقيقها والقرية، لتصنع من الحكاية الشعبية ملحمة إنسانية خالدة تؤكد أن موهبتها تخلصت تماماً من أي قوالب قديمة وأصبحت قادرة على حمل أعباء التاريخ فوق كتفيها.

​ولأن الشمول في موهبتها كان يطل برأسه دائماً ليعيد صياغة نفسه تحت مظلة التمثيل المتطور، جاء فيلم “المتوحشة” (١٩٧٩) للمخرج سمير سيف والكاتب صلاح جاهين في نهاية ذلك العقد، ليمثل نموذجاً فذاً لكيفية توظيف قدراتها الاستعراضية والغنائية داخل سياق درامي جاد ومركب. لعبت فيه دور “بهية”، فتاة السيرك الشعبية التي تقع في حب كاتب من طبقة مختلفة، لتقدم صراعاً طبقياً ونفسياً مريراً. في “المتوحشة”، لم يكن الغناء والحركة مجرد زينة للفيلم، بل كانا وسيلة للتعبير عن تمرد الشخصية وعنفوانها الداخلي أمام مجتمع يرفضها. لقد نجحت سعاد في هذا الدور في الموازنة بين قسوة واقع الشخصية ورقتها الفطرية، مظهرة براعة فائقة في الانتقال من بهجة الاستعراض في السيرك إلى تراجيديا الانكسار العاطفي، لتختتم السبعينيات وهي تؤكد أن شمولها الفني قد أصبح ناضجاً ومسخراً بالكامل لخدمة أدائها الدرامي، كما لا ننسى أبدا أدوارها النفسية مثل بئر الحرمان وأين عقلي، حيث جسدت في مثل هذه الأدوار نقلة نوعية أجادتها وتفوقت فيها.

​مع تتابع السنوات، لم يعد الفن مجرد قناع ترتديه، بل امتزجت تجارب الحياة الشخصية مع الصنعة بشكل وثيق؛ فكانت سعاد تمتص الصدمات العامة والخاصة، وتظهر أثر الحياة والتجارب، بمرارتها وعثراتها، بوضوح على تمثيلها، لتعيد ضخ هذا المزيج الحي في عروق شخصياتها. وحين حل عقد الثمانينيات، بدت وكأنها تُوجت رسمياً على عرش التعبير الإنساني الصامت، وهو ما تجسد بعبقرية مذهلة في فيلم “موعد على العشاء” (١٩٨١) للمخرج محمد خان. في هذا الفيلم، قدمت سعاد واحداً من أعمق أدوارها وأكثرها عذوبة وألماً؛ امرأة تحلم بحياة عادية دافئة، تفاصيل بسيطة تمنحها حق التنفس، لكنها تطارَد بقهر مستبد يحيل حياتها إلى جحيم. في مشهد العشاء الأخير الشهير، وصلت سعاد إلى ذروة الاقتصاد في التعبير؛ لم تطلب تعاطف الجمهور بالدموع أو النواح، بل جعلتنا نرى الهشاشة والصلابة يتحدان في ملامحها المستسلمة، حيث ينتهي الانفعال الخارجي تماماً ويبدأ الصمت الهادئ المخيف الذي يسبق الانتقام والموت، صمت يليق بامرأة قررت أن تضع حداً لجلادها بابتسامة غامضة.
​وفي ذات العقد، واصلت سيادتها السينمائية عبر أدوار تلاحق ملامح المجتمع المتغيرة؛ فقدمت “أهل القمة” حيث عكست ضياع القيم وسط الانفتاح، و”المشبوه” و”حب في الزنزانة” لتطرح ملاحم إنسانية مغموسة بالوجع والبحث عن الخلاص والتطهر وسط عالم يرفض الغفران، وصولاً إلى فيلم “الجوع” للمخرج علي بدرخان. في هذا الفيلم، ذابت سعاد داخل الواقعية الملحمية لملامح الحارة عند نجيب محفوظ، مجسدةً صراع الجوع والفتونة والعدالة المفقودة من خلال أداء رصين يمتلئ بالقهر والصلابة الإنسانية في آن واحد، وكأنها تعيد رسم ملامح المرأة المصرية التي تتحمل وزر الصراعات الكبرى وتظل واقفة كالنخلة.
​ولم تقف مغامرتها في الثمانينيات عند حدود الواقعية، بل قادها قلقها الفني وشغفها بالتجريب نحو السينما الرمزية في فيلم “الدرجة الثالثة” (١٩٨٨) مع المخرج شريف عرفة والكاتب ماهر عواد. في هذا الفيلم، لعبت دور “نعناعة”، لتقدم صرخة سياسية وفانتازية تجسد صراع البسطاء وكفاحهم ضد هيمنة أصحاب النفوذ والمصالح وأصحاب الدرجة الأولى. ورغم أن الفيلم لم يحظَ بالإنصاف الجماهيري وقت عرضه نظراً لجرأة أسلوبه وتغريده خارج السرب، إلا أن أداء سعاد فيه كان محملاً بوعي وفهم عميقين لرسالة الفن؛ حيث طوعت خفتها القديمة وحركتها لتخدم فكرة المقاومة الشعبية الساخرة، مؤكدة انحيازها الدائم لسينما تحمل قضية ولا تخشى الفشل التجاري.

​في منتصف الثمانينيات وتحديداً عام ١٩٨٥، وفي التفاتة ذكية ومباغتة، اتخذت مسيرتها مساراً مغايراً وشديد الخصوصية عندما ذهبت إلى التلفزيون في مسلسل “هو وهي”. هذه التجربة لم تكن مجرد محطة عادية عابرة، بل كانت منصة مدهشة ومساحة حرية تجلى فيها الوعي الناضج لممثلة تعرف كيف تعيد تدوير مواهبها القديمة بروح جديدة تناسب العمر والتجربة. في “هو وهي”، عادت سعاد إلى الرقص والغناء والاستعراض بعد أن كانت قد توقفت عنهم في السينما لسنوات عدة لتركز على الدراما الصرفة. لكنها لم تعد إليهم بخفة الفتاة العفوية التي عرفناها في الستينيات، بل بعمق ونضج الممثلة التي تختبر تعقيدات العلاقات الإنسانية والزوجية بين الرجل والمرأة في كل حلقة بشخصية مختلفة بتمثيل واعٍ وناضج. كان غناؤها واستعراضها هنا جزءاً لا يتجزأ من دراما تفكك المشاعر وتكشف المسكوت عنه؛ تؤديه بنضج، وبجسد يحمل خبرة السنين وفهمها لمفارقات الحياة، فجمع بين المبهج والموجع في آن واحد وشمل كل مواهبها المتعددة في توليفة ساحرة جعلت البيوت العربية تنصت لها كمرآة حقيقية لمشاكلها، كما جعل من الفكرة نموذجا تم اعادة تجريبه مرات ومرات لسنوات تالية.

​ومع وصولنا إلى عقد التسعينيات، وفي وقت بدأ فيه الجسد المتعب يملي شروطه القاسية بفعل المرض والإرهاق وتكالب السنين، لم يكن هناك في جعبة سعاد حسني سوى فيلم واحد ووحيد اختتمت به مشوارها على الشاشة الكبيرة بوقار الكبار، وهو “الراعي والنساء” (١٩٩١) للمخرج علي بدرخان. في هذا الفيلم، تظهر سعاد وقد تخلت عن كل أدوات النجومية التقليدية وبريق الأضواء لتواجه الكاميرا بصدق وجودي مرعب يمس شغاف الروح. كان وجهها وجسدها يحملان وعثاء السنين، ومرارة المرض، وخلاصة التجربة الإنسانية بكل شجونها. لعبت دور الأرملة التي تعيش في عزلة الصحراء وتتصارع مع مشاعر الكبت والخوف والغيرة، فكانت نظراتها في هذا الفيلم بمثابة مرثية أخيرة صامتة لامرأة عاشت بالفن وللفن، واحترقت في سبيله لتهب الشاشة دفئاً أخيراً، لتترك الشاشة بعده وهي في قمة جلالها التعبيري ونبلها الفني.
​إن تشريح مسيرة سعاد حسني يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أنها لم تكن مجرد موهبة محظوظة بملامح جذابة صَنعتها الصُدف، بل كانت فنانة ومفكرة حقيقية تصنع دورها بيدها، وتطور أدواتها وبراعتها الفنية يوماً بعد يوم وفترة بعد فترة، متحملةً ألم التطور لتصعد بثبات وثقة نحو قمة الهرم التعبيري العربي النسائي. فبعض الفنانين يصنعون نجاحاً كبيراً يزول بزوال الأيام، وبعضهم يصنع تاريخاً يُقرأ في الكتب. أما سعاد حسني فقد صنعت شيئاً أكثر ندرة وعصياناً على النسيان؛ صنعت مكاناً دائماً ودافئاً في وجدان وذاكرة الناس، لا يشغله أحد غيرها، وظلت قيمتها الفنية نضرة، نابضة بالحياة، وعصية على الغياب مهما طال الزمن.

مقام ..

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *