
ثمة روايات تُقرأ بوصفها حكايات، وأخرى تُقرأ بوصفها أفكاراً، بينما تنتمي رواية «بالحبر الطائر» للروائية عزة رشاد إلى ذلك النوع الأشد مراوغة؛ الروايات التي تُقرأ بوصفها طبقات متراكبة من الوعي الإنساني، حيث لا تكون الحكاية سوى السطح المرئي لبنية أعمق تتشابك فيها الذاكرة مع الفقد، والهوية مع السرد، والواقع مع احتمالاته المتعددة.
منذ الجملة الأولى تقريباً، لا تضعنا الرواية أمام حدث، بل أمام فراغ. اختفاء قطة يبدو للوهلة الأولى تفصيلاً يومياً عابراً، لكنه سرعان ما يتسع ليصبح استعارة كبرى للاختفاء نفسه. فكل ما في هذا العالم الروائي معرّض للتلاشي: الأشخاص، والعلاقات، والأوطان، والذكريات، وحتى اللغة التي نحاول بها الإمساك بكل ذلك قبل أن يتبدد.
لهذا تبدو الرواية، في جوهرها العميق، نصاً عن الهشاشة الإنسانية؛ عن ذلك الخيط الرفيع الذي يفصل الحضور عن الغياب، والذاكرة عن النسيان، والحياة عن محو آثارها.
من الرواية البوليسية إلى الرواية الوجودية ..
على المستوى الظاهري، تنفتح الرواية على لغز واضح: دكتورة جامعية تُعثر عليها غارقة في دمائها أمام مستشفى، بينما تتكفل الابنة أو الابن ــ عبر تتبع آثارها وملفاتها ــ بمحاولة فهم ما حدث.
غير أن عزة رشاد لا تكتب رواية تحقيق أو كشف جريمة بالمعنى التقليدي. فكلما اقترب السرد من حل اللغز، دفعه نحو أسئلة أكثر عمقاً.
من اعتدى على نعيمة؟ يتحول السؤال تدريجياً إلى:
من كانت نعيمة حقاً؟
ومن هي المرأة التي لا يعرف عنها أقرب الناس إليها إلا القليل؟
وهل يمكن لأي إنسان أن يعرف إنساناً آخر معرفة كاملة؟
هنا يتحول التحقيق من البحث في الوقائع إلى التنقيب في طبقات الشخصية البشرية نفسها. إن الرواية لا تلاحق الجاني بقدر ما تلاحق الحقيقة المستحيلة للذات الإنسانية.
ولهذا يبدو اقتباس دوستويفسكي في مطلع العمل ــ “إياك أن تظن أنك عرفتني لمجرد أني تحدثت إليك” ــ أشبه بالمفتاح السري للرواية كلها.
الكتابة باعتبارها مقاومة للفناء..
من أكثر الأفكار رسوخاً في الرواية أن الكتابة ليست فعلاً إبداعياً فقط، بل فعلاً دفاعياً أيضاً.
نعيمة لا تكتب لأنها تريد أن تصبح كاتبة، بل لأنها تخشى الاختفاء.
تكتب لأن الكلمات قد تكون الشيء الوحيد القادر على النجاة حين يعجز الجسد عن ذلك. تكتب لتترك أثراً لمن سيأتون بعدها، ولتقول ما لم تستطع الحياة قوله بالنيابة عنها.
ومن هنا تكتسب عبارة “الحبر الطائر” دلالتها الرمزية المركبة.
فالحبر عادة وسيلة للتثبيت والحفظ، لكنه هنا “طائر”، أي مهدد دائماً بالزوال.
إنه يشبه الذاكرة تماماً.
يبقى ما دمنا نراه، ثم يتبخر فجأة.
وتبدو الرواية كلها محاولة مستمرة لتأجيل هذه اللحظة.
الرواية بوصفها أرشيفاً للذاكرة النسائية
أحد أهم إنجازات الرواية أنها لا تقدم شخصيات نسائية منفردة، بل تصوغ ما يشبه “أرشيفاً نسائياً” عابراً للأجيال والجغرافيا.
نعيمة. نوجا. نسمة. نادين. سندس.
أصوات متعددة تتجاور دون أن تتطابق، وتجارب متباينة يجمعها خيط واحد: محاولة النساء الاحتفاظ بسردياتهن الخاصة في مواجهة محو دائم.
فالمرأة في هذا النص ليست موضوعاً للحكاية، بل منتجة للحكاية نفسها.
هي التي تتذكر. وهي التي تدوّن. وهي التي تعيد ترتيب الوقائع. وهي التي تنقذ ما يمكن إنقاذه من الخراب.
ولهذا يمكن النظر إلى الرواية بوصفها كتابة مضادة للتهميش التاريخي الذي طال أصوات النساء طويلاً.
الذاكرة: بطل الرواية الحقيقي
إذا أردنا تحديد الشخصية المركزية في الرواية فلن نجدها في نعيمة أو ناجي أو نوجا، بل في الذاكرة ذاتها.
كل الشخصيات تدور في فلكها.
كل الصراعات تنبع منها.
كل الأسئلة تتجه نحوها.
في شخصية نوجا، تبلغ هذه الثيمة ذروتها. فالذاكرة هنا لم تعد أداة لمعرفة الماضي، بل تحولت إلى ساحة صراع. الذكريات تتشظى، والوجوه تختلط، والأزمنة تتداخل، والواقع يفقد حدوده الواضحة.
واللافت أن الكاتبة لا تقدم اضطراب الذاكرة بوصفه حالة مرضية فحسب، بل بوصفه استعارة للإنسان المعاصر.
فمن منا يمتلك ذاكرة متماسكة حقاً؟
ومن منا لا يعيد اختراع ماضيه كلما استدعاه؟
الرواية تطرح هذه الأسئلة دون مباشرة، لكنها تجعل القارئ يشعر أن ما يحدث لنوجا ليس استثناءً بقدر ما هو تكثيف درامي لما يحدث داخلنا جميعاً.
الصداقة بوصفها وطناً بديلاً ..
في الأعمال الروائية العربية كثيراً ما يحتل الحب مركز الثقل، لكن عزة رشاد تمنح الصداقة مكانة أكثر جوهرية.
فالعلاقة بين نساء “الفور إن” ليست مجرد علاقة قديمة بين زميلات دراسة. إنها صيغة بديلة للأسرة والوطن والانتماء.
حين تتباعد البلدان وتتشظى المصائر، تبقى الصداقة هي الخيط الوحيد القادر على ربط هذه الحيوات المتناثرة.
ولعل أجمل ما في هذه العلاقات أنها ليست مثالية.
هناك خلافات. وحساسيات. وغيرة. وسوء فهم.
لكن ما يبقى أقوى من كل ذلك هو الاعتراف الضمني بأن كل واحدة تحمل جزءاً من ذاكرة الأخرى.
إنهن لا يتبادلن الرسائل فحسب، بل يتبادلن الوجود نفسه.
المنفى كحالة روحية
لا تتعامل الرواية مع الهجرة بوصفها انتقالاً مكانياً فقط.
إنها تنظر إلى المنفى بوصفه حالة وجودية.
فالشخصيات التي تعيش في الخارج لا تبدو منفية عن وطنها فحسب، بل عن نسخها القديمة أيضاً.
السنوات الطويلة التي تفصل بين ما كنّ عليه وما أصبحن عليه تخلق شعوراً دائماً بالانشطار.
وهنا تطرح الرواية سؤالاً بالغ الأهمية:
هل يعود الإنسان إلى وطنه حقاً؟
أم أنه يعود فقط إلى صورة محفوظة في ذاكرته عنه؟
في “بالحبر الطائر” تبدو العودة دائماً ناقصة، لأن الزمن الذي نعود إليه لم يعد موجوداً.
الإسكندرية: المدينة بوصفها ذاكرة جماعية
ثمة مدن تُستخدم في الرواية كديكور، لكن الإسكندرية هنا تؤدي دوراً مختلفاً.
إنها الحاضنة الكبرى للذاكرة.
المكان الذي تنبثق منه الصداقات الأولى.
والأحلام الأولى.
والخيبات الأولى.
ولهذا لا تظهر المدينة باعتبارها جغرافيا فقط، بل باعتبارها شعوراً.
إنها “الوطن العاطفي” للشخصيات، حتى عندما تصبح المواطنة الفعلية موزعة بين بلدان عديدة.
الواقعي والمتخيل: انهيار الحدود ..
من أجمل ما تنجزه الرواية أنها لا تمنح القارئ أرضاً صلبة يقف عليها.
هل نوجا حقيقية؟
هل بعض الشخصيات متخيلة؟
هل ما نقرأه مذكرات أم رواية داخل الرواية؟
هل الذاكرة تستعيد أم تخترع؟
تظل هذه الأسئلة معلقة طوال العمل.
لكن هذه المراوحة ليست لعبة شكلية.
إنها تعبير فني عن فكرة مركزية: الحقيقة الإنسانية نفسها ليست كتلة صلبة، بل بناء سردي هش.
كل إنسان يروي نفسه بطريقة مختلفة.
وكل ذاكرة تعيد كتابة الوقائع وفق حاجتها العاطفية.
توزع الأصوات وتعدد المرايا..
نجحت عزة رشاد في بناء رواية متعددة الأصوات دون الوقوع في التشويش.
فكل صوت يحمل إيقاعه الخاص ولغته الخاصة ورؤيته الخاصة للعالم.
والأهم أن هذه الأصوات لا تتجاور فقط، بل تعكس بعضها بعضاً.
كأن كل شخصية مرآة مشروخة ترى الأخرى من زاوية مختلفة.
ومن تراكب هذه المرايا يتكون المعنى.
لا يوجد راوٍ عليم يحتكر الحقيقة.
ولا توجد وجهة نظر نهائية.
الحقيقة موزعة بين الشظايا.
والقارئ هو من يجمعها.
لغة الرواية: شعرية التفاصيل لا شعرية الزينة ..
تكمن قيمة اللغة في “بالحبر الطائر” في أنها لا تتكئ على البلاغة الخطابية، بل على بلاغة التفاصيل.
الكاتبة لا تصنع الشعر من الاستعارات الفخمة، وإنما من الأشياء الصغيرة:
قطة مفقودة.
رسالة إلكترونية.
فنجان قهوة.
مطبخ فوضوي.
محادثة عابرة.
ملف داخل حاسوب.
ومن هذه الجزئيات اليومية تنبثق طبقات كثيفة من المعنى.
وهو ما يمنح الرواية حساسية إنسانية نادرة؛ إذ تجعل المأساة الكبرى كامنة دائماً داخل التفاصيل التي تبدو عادية.
في الأخير فإن «بالحبر الطائر» في جوهرها العميق ليست رواية عن جريمة، ولا عن صداقة، ولا عن الذاكرة فحسب. إنها رواية عن الأثر الإنساني الهش؛ عن ذلك القلق القديم الذي يلازم البشر منذ البدء: ماذا سيبقى منا بعد أن نعبر؟
تجيب عزة رشاد بطريقتها الخاصة: ربما لا يبقى شيء يقيني. لا الجسد، ولا المكان، ولا العلاقات. لكن ما يُكتب بمحبة وصدق يظل قادراً على مقاومة المحو، ولو إلى حين.
ولهذا تبدو الرواية كلها أشبه برسالة طويلة تُلقى في مواجهة العدم، أو محاولة أخيرة لتثبيت الوجوه والأصوات والذكريات قبل أن تحملها الريح بعيداً… بذلك الحبر الطائر الذي يمنح العمل عنوانه، ويمنحه أيضاً معناه الأكثر إيلاماً وجمالاً.
مقام ..


لا تعليق