إن الدخول إلى عالم لؤي كيالي يشبه خطوةً نحو مكانٍ منخفض الصوت؛ فكل شيء فيه يبدو كأنه يتحدث بحوار داخلي محض، بعيداً عن الصخب التقليدي. في أعماله، لن تجد تلك المحاولات لـبهرجة العين أو استدراجها عبر تجميع تفاصيل كثيرة في المشهد، فقد آثر الزهد وميل واضح لاختزال ما يشتت النظر، ليصفو الفراغ تماماً ويبقى الإنسان وحده، ثابتاً في مركز الصورة.
هذا الأسلوب نبت ببطء في حلب التي وُلد فيها عام 1934، تلك المدينة التي تترك أثرها في النفس هادئاً، دون إعلان مباشر. الأزقة الضيقة التي تختزن عراقة قديمة، حركة الناس اليومية في الأسواق، والوجوه العابرة التي ترسخ في البال لبساطتها العادية… كل هذا تسرب إلى ذاكرته التشكيلية، وخرج على القماش بعد أن أُعيد ترتيبه وتنسيقه داخل وعيه الشخصي.
في روما، تلقى لؤي دراسته الأكاديمية، وتعرّف عن قرب على التقاليد الأوروبية في تشريح وبناء الجسد البشري، من حيث دقة النسب والصرامة الهندسية. لكنه، بروح الفنان العصي على القولبة، لم يحبس ريشته في تلك القواعد كقالب نهائي؛ بل ظل يحتفظ بمسافة أمان شخصية، يراقب منها القاعدة الأكاديمية ويتعلم منها، دون أن يذوب فيها أو يفقد هويته الصاعدة.
بمجرد عودته إلى سوريا، اتجه بوجهته ومقامه مباشرة نحو الإنسان العادي البسيط، متجاوزاً الموضوعات النخبوية. لم يكن ينظر إليه كقضية اجتماعية للدراسة أو كرمز أيديولوجي، بل كان يراه بوصفه وجوداً يومياً حياً، عابراً يمكن تأمله دون وسيط: بائع متجول في حارة، عامل يستريح، طفل يواجه الأيام بمفرده، أو امرأة تجلس في صمت مطبق داخل مساحة مغلقة. لم يكن لؤي يفتش عن حكاية مشوقة يرويها، بقدر ما كان يبحث عن ثقل هذا الحضور الإنساني المباشر.
أول ما يستوقفك في لوحاته ويدعوك للاستغراق هو تلك الطريقة في التعامل مع الخلفية؛ إذ تُختزل غالباً إلى مساحات في غاية البساطة، وأحياناً تترك شبه خالية تماماً. تختفي التفاصيل المعمارية المزدحمة، ويزول كل ضجيج بصري يمكن أن يربك العين. هذا الاختزال الحاد يتلقاه المشاهد كقرار واعٍ وشجاع من الفنان بإزاحة كل ما هو زائد وثانوي، لتركيز النور كله على الجسد البشري، بعيداً عن أي إحساس بنقص أو فراغ بارد.
يظهر الإنسان عنده كجسد ملموس ومحدد، له وزن حقيقي على الأرض وله وقفة متزنة يمكن للمرء الإحساس بثقلها الإنساني، متجاوزاً الفكرة المجردة. الخطوط الخارجية التي تحيط بأبطاله تأتي ممتدة، هادئة، وصريحة، بينما التفاصيل الداخلية للملامح أو الملابس تصدمك باقتصادها الشديد؛ كأنها رُسمت بقدر الحاجة الحيوية فقط، دون أدنى رغبة في التزيين أو التجميل الزائد. هذا التفاوت بين امتداد الخط الخارجي واقتصاد التفاصيل الداخلية يخلق توتراً ناعماً وخفياً داخل الشكل؛ فالجسد يبدو مستقراً للوهلة الأولى، وينسكب في نفس المشاهد شعور غامض بأن ثمة حراكاً داخلياً عاصفاً يحدث في الأعماق بصمت، مكسراً جمود السكون المصمت.
تتجلى هذه الرؤية بوضوح في لوحات الباعة والعمال؛ حيث تخلو تماماً من أي نزعة تباكٍ أو استجداء للشفقة، مثلما تخلو من التجميل الزائف. الشخصيات تقف هناك كما هي في الواقع، دون أي محاولة لتخفيف ثقل الحياة اليومية عنها أو رفعها قسراً إلى مستوى رمزي متخيل. التعب حاضر في انحناءة الظهر وارتخاء اليدين، بوصفه جزءاً طبيعياً أصيلاً من الوقفة نفسها وكبرياء أصحابها، لا كعلامة انكسار أو ضعف.
أما الفراغ المحيط بهؤلاء الأشخاص، فهو عنصر فعّال وشريك أساسي في بناء المعنى النفسي للوحة، ويتعدى كونه مجرد مساحة محايدة أو مهملة. في أعمال مثل “بائع اليانصيب”، يبدو الجسد وكأنه موضوع في مساحة تم تقليص حدودها عمداً، بحيث لا يجاوره أي شيء تقريباً. هذا الفراغ المحيط يجعل حضور الشخصية أكثر كثافة وضخامة في عين المتلقي، ويعمّق في الوقت ذاته ذلك الإحساس الحاد بالعزلة الفردية التي تطوق الجسد.
وحين ينتقل لؤي إلى موضوع الأمومة، يتغير هذا الإيقاع المشدود قليلاً؛ ليصبح الاقتراب أكثر نعومة، وتكتسي العلاقة بين الأجساد بهدوء حانٍ. الأم والطفل يُقدمان في اللوحة ككتلة واحدة متلاحمة، يذوبان في بعضهما دون حاجة إلى تفاصيل تشريحية كثيرة لإثبات تلك الرابطة؛ إذ يكفي هذا التقارب الجسدي العفوي ليحمل المعنى كله. الألوان في هذه الأعمال تحديداً تميل إلى خفوت آسر، مفسحة المجال للإحساس الحميمي الدافئ، ومسترجعة خيوط الهشاشة في الوجود الإنساني، حتى في أقصى حالات احتضانه وبحثه عن الحماية.
بعد عام 1967، ومع وطأة الهزيمة العربية، تعثرت خطى لؤي ودخل في مرحلة قاسية من الاضطراب الداخلي والتمزق النفسي العميق. معرضه الشهير “في سبيل القضية” لم يُقرأ من قبل النخبة والجمهور بالطريقة الوجدانية التي كان يتوقعها، وتلقى قدراً كبيراً من النقد الجاف؛ هذا التوتر المجتمعي والسياسي انعكس على جهازه العصبي الهش بشكل مباشر، وظهر بقسوة في موقفه من نتاجه الفني، حيث تشير الروايات والشهادات إلى أنه قام بإتلاف وتمزيق عدد من لوحاته في تلك الفترة؛ فعلٌ يعبر عن رد فعل نفسي حاد وعنيف تجاه واقع مرير لم يعد في قدرة روحه أن تحتمله، بعيداً عن فكرة القرار الفني أو البحث عن أسلوب جديد.
بعد تلك الهزة، غدت لوحات لؤي أكثر صمتاً من ذي قبل، وأكثر غرقاً في الاختزال؛ وكأن خيوط التواصل بينه وبين العالم الخارجي انقطعت، وصارت تُترجم مباشرة على مسطح اللوحة بفلسفة جديدة تعتمد كلاماً أقل، تفاصيل أكمل في غيابها، وزيادة مكثفة في التركيز على كينونة الجسد الفردي المعزول.
أما رحيله المفجع في عام 1978، فقد بقي مسيجاً بتفاصيل تراجيدية لم تُحسم رواياتها بالكامل؛ إذ ارتبط بحادث حريق مباغت في مرسمه أدى إلى إصابته بحروق قاتلة أنهت حياته، مع بقاء الاختلاف بين معاصريه حول تفاصيل ما جرى في تلك الليلة بدقة. لكن النهاية في حد ذاتها جاءت خاطفة، كأن مساراً طويلاً وممتداً من التوتر الداخلي المشحون قد انطفأ دفعة واحدة تحت الرماد.
إن ما يتبقى اليوم من تجربة لؤي كيالي ويتلألأ في فضاء الفن العربي، يتجاوز سيرته الشخصية القلقة إلى الطريقة النبيلة والمؤثرة التي أعاد بها بناء حضور الإنسان العادي داخل اللوحة. لقد قدمه لنا بوصفه حضوراً إنسانياً خالصاً يمكن رؤيته وفهمه في أبسط حالاته وأكثرها صدقاً، بعيداً عن القوالب الجاهزة والرموز المباشرة أو التعليقات الاجتماعية. وفي عالم بصري معاصر يميل يوماً بعد يوم إلى التعقيد والضجيج والازدحام، اختار لؤي كيالي بحكمته الخاصة أن يخفف كل شيء، ويحذف كل زوائد المشهد، حتى يصبح الجسد الإنساني وحده كافياً جداً ليقول كل ما يريد قوله.
فريق مقام ..









لا تعليق