

في الثاني من مارس عام 1987، أسدل الموت ستار الجسد عن عمار فرحات، لكن أثره لم ينطفئ؛ إذ بقيت لوحاته معلّقة في الذاكرة التونسية كقناديل لا تعرف الخفوت. كان قد وُلد سنة 1911 في باجة، ثم انتقل صغيرًا إلى تونس، حيث ستتشكل ملامح تجربته داخل الأحياء الشعبية، لا داخل قاعات الدرس.
لم يتلقَّ فرحات تعليمًا أكاديميًا، ولم يدخل معهدًا للفنون، لكنه امتلك ما هو أعمق: عينًا تلتقط جوهر الحياة، ويدًا تعرف طريقها إلى الصدق دون وسائط.
البدايات: من هامش العيش إلى مركز الرؤية …
نشأ عمار في ظروف قاسية؛ اليُتم والفقر لم يكونا مجرد خلفية، بل كانا مادة أولى لتكوينه الإنساني والبصري. اشتغل في مهن بسيطة، من بينها العمل في مخبزة، حيث كانت الحياة اليومية—بخشونتها وتكرارها—تتسلل إلى وعيه البصري.
في منتصف الثلاثينيات، وتحديدًا حوالي عام 1935، بدأ يتجه بجدية إلى الرسم. تُشير شهادات معاصريه إلى أنه اقتنى أدواته الأولى بشغف يكاد يكون تأسيسيًا، وكأن امتلاك “عُلبة الألوان” كان إعلان عبور من العيش إلى الرؤية.
وفي عام 1938، وهي سنة مفصلية في مسيرته، يُروى—وفق ما نقله باحثون مثل أسامة الراعي—أنه اتخذ قرارًا حاسمًا بالتفرغ للفن، في ما يشبه “قسمًا داخليًا” بالانحياز الكامل إلى الرسم، مهما كانت الكلفة.
هذه اللحظة، سواء قرأناها كواقعة أو كرمز، تظل مفتاحًا لفهم صرامته الأخلاقية لاحقًا: فالفن لديه لم يكن مهنة، بل قدرًا.
الشارع كأكاديمية: تشكّل الحسّ الفطري
لم تكن مدرسة عمار سوى الشارع. في أسواق المدينة العتيقة بتونس، وبين الأزقة الضيقة والرحبة، تعلّم كيف يرى.
لم يرسم الأشخاص بوصفهم أشكالًا، بل بوصفهم حالات:
وقار الشيوخ في الجلوس
اندفاع الأطفال في اللعب
تمايل النساء في الحركة اليومية
احتفالات الختان
مواكب الطرق الصوفية
حضور الأولياء والطقوس الشعبية
كان مشدودًا إلى تلك المنطقة التي يلتقي فيها اليومي بالمقدس، حيث لا تنفصل الحياة عن الإيمان، ولا الجسد عن الروح.
ورغم أميته الأكاديمية، كان على تماس دائم مع المثقفين في مقاهي تونس، ما أتاح له تكوين وعي ثقافي غير مدرسي، لكنه عميق وعضوي.
الظهور: من الصالون المحلي إلى أفق العالم
شهد عام 1938 أولى مشاركاته في المعارض، خاصة في ما يُعرف بـ”الصالون التونسي”، حيث بدأ اسمه يلفت الانتباه.
وفي عام 1940، أقام أول معرض فردي له، ليثبت أن تجربته ليست عفوية عابرة، بل مشروع بصري متماسك.
مع نهاية الأربعينيات، كان أحد الأسماء البارزة في تأسيس مدرسة تونس سنة 1948، وهي جماعة فنية سعت إلى صياغة هوية تشكيلية تونسية تجمع بين الحداثة والجذور المحلية.
وفي عام 1949، نال جائزة في الرسم، ما أتاح له السفر إلى باريس، حيث احتك بالتيارات الفنية العالمية. غير أن هذه الرحلة لم تُبعده عن بيئته، بل عمّقت وعيه بها، فعاد أكثر التصاقًا بهويته، لا أقل.
لاحقًا، عُرضت أعماله في محافل دولية:
السويد (1956)
ميلانو (1964)
وتُوّجت مسيرته بالحصول على الجائزة الوطنية للفنون التشكيلية عام 1983.
4. الأسلوب: الكتلة، اللون، والصدق الأخلاقي
تتميّز لوحات عمار فرحات بما يمكن تسميته “ثقل الحضور الإنساني”.
الشخصيات ليست عابرة، بل ممتلئة، متجذّرة، وكأنها جزء من الأرض.
اللون
اعتمد على:
الأوكر (لون الطين)
الأزرق التونسي
الأحمر الداكن
هذه الألوان ليست اختيارًا جماليًا فحسب، بل امتدادًا بصريًا للبيئة.
الكتلة
الأجساد عنده صلبة، واضحة، غير مهذّبة وفق المعايير الأكاديمية، لكنها صادقة إلى حد القسوة أحيانًا.
الحالة
حين يرسم مشهدًا صوفيًا أو موسيقيًا، لا ينقل الشكل فقط، بل ينقل الإيقاع الداخلي.
اللوحة لا تُرى فقط—بل تُحس.
ميثاق غير مكتوب: الفن كأخلاق
لم يكن عمار فرحات فنانًا تزيينيًا.
كان يرفض تزييف الواقع أو تجميل الألم.
يمكن تلخيص موقفه في فكرة جوهرية:
ليس دور الفنان أن يُضحك الحزين، بل أن يشاركه حزنه بصدق.
هذا الموقف الأخلاقي هو ما منح أعماله قوة نادرة:
فهي لا تُجامل، ولا تُرضي الذوق السائد، بل تُصرّ على قول الحقيقة كما هي.
بين المحلية والعالمية: هوية لا تنغلق
رغم مشاركاته الدولية، لم يتحول عمار إلى فنان “كوني” بالمعنى الذي يفقده جذوره، بل ظل وفيًا لموضوعاته:
الحي الشعبي
الطقوس
الإنسان البسيط
لكنه في الوقت نفسه، استطاع أن يقدّم هذه العناصر بلغة بصرية مفهومة عالميًا، ما جعله جسرًا بين المحلي والإنساني.
سيرة لا تُختصر
ليس من الدقة اختزال عمار فرحات في كونه “فنانًا فطريًا” فقط؛ فهذه العبارة، رغم صحتها جزئيًا، قد تُخفي عمق تجربته.
لقد كان:
شاهدًا على زمنه
ومؤرخًا بصريًا للطبقات الشعبية
وصانعًا لهوية تشكيلية تونسية
من باجة إلى تونس، ومن الأزقة إلى المعارض العالمية، ظل يحمل “فوشته” كأنها امتداد ليده، لا أداة خارجية.
لم يطلب الاعتراف بقدر ما فرض حضوره.
ولم يسعَ إلى الخلود، لكنه بلغه—ببساطة لأنه لم يكذب.
في كل زاوية من زوايا المدينة العتيقة، في كل وجهٍ مرسوم بصدق، لا يزال عمار فرحات يهمس:
الفن ليس ما نراه… بل ما لا نستطيع تجاهله.
فريق مقام ..
ألوان عمار فرحات: إنشاد الأرض … قراءة في تجربة فنان جعل من الهامش ذاكرة بصرية حيّة …


لا تعليق