
حين نغلق الصفحة الأخيرة من رواية «قلب مسّه الفقد» لأميمة السلاخ، لا يبقى في الذاكرة حدث بعينه بقدر ما يبقى شعور طويل وممتد، كأن القارئ خرج من حياة أشخاص عاش بينهم لبعض الوقت. وهذا ربما أول ما يلفت الانتباه في الرواية. فهي لا تبني تأثيرها على المفاجآت ولا على الانعطافات الحادة، بل على ذلك التراكم البطيء الذي يجعل الشخصيات مألوفة، ويجعل القارئ يشعر أنه يعرفها معرفة شخصية.
ثمة كتاب يضعون شخصياتهم في خدمة الفكرة. وثمة كتاب يجعلون الفكرة تنبثق من حياة الشخصيات نفسها. أميمة السلاخ تنتمي إلى الفئة الثانية. الفقد حاضر في الرواية منذ عنوانها، لكنه لا يتحول إلى شعار أو محور خطابي. لا أحد يجلس ليشرح معنى الفقد، ولا تتحول الصفحات إلى تأملات نظرية في الخسارة. كل ما هنالك أن الشخصيات تتحرك في العالم وهي تحمل آثار خساراتها القديمة، ومن خلال هذه الحركة نفهم ما الذي فعله الفقد بها.
لهذا تبدو حورية شخصية مكتوبة من الداخل.
كثير من البطلات في الرواية العربية الحديثة يُقدمن باعتبارهن ضحايا للظروف أو للمجتمع أو للعائلة. أما حورية فالأمر أكثر تعقيدًا. هي ليست ضحية بالمعنى المباشر، لكنها أيضًا ليست امرأة انتصرت على كل شيء. تعيش في منطقة وسطى شديدة الإنسانية. تحمل جراحها القديمة، وتحاول أن تكمل حياتها رغمها. تتعثر ثم تواصل السير. تقترب ثم تتراجع. تثق للحظة ثم تشك في اللحظة التالية.
وأظن أن أجمل ما في الشخصية أن الرواية لا تتعامل معها بوصفها حالة نفسية، بل بوصفها إنسانة كاملة. نعرف عملها، وعلاقاتها، وعاداتها، وتفاصيل أيامها. ولهذا يصبح ألمها جزءًا من نسيج الحياة لا عنوانًا منفصلًا عنها.
منذ الصفحات الأولى يتشكل إحساس بأن المشكلة الحقيقية في حياة حورية ليست ما فقدته فقط، بل الطريقة التي أعاد بها هذا الفقد تشكيل رؤيتها لنفسها.
هي لا تخشى الحب لأنه مؤلم.
بل لأنها لا تثق تمامًا في استمراره.
ولا تخشى القرب لأنها تكرهه.
بل لأنها تعرف جيدًا أن من يقترب يستطيع أن يرحل.
هذا الفرق الدقيق هو ما يمنح الشخصية عمقها.
الرواية لا تتحدث عن امرأة لا تريد الحب، وإنما عن امرأة تعرف ثمنه جيدًا.
ومن هنا تأتي أهمية الأم.
ليست الأم أكثر الشخصيات حضورًا على مستوى المشاهد، لكنها من أكثرها تأثيرًا في البنية العاطفية للرواية كلها. فالعلاقة الملتبسة بين حورية وأمها تتحول إلى عدسة نرى من خلالها كثيرًا من تفاصيل الشخصية.
في الأدب غالبًا ما تكون الأم مصدرًا للدفء أو مصدرًا للقسوة. أما هنا فالأمر أكثر التباسًا. ليس ثمة شرير واضح. وليس ثمة ضحية كاملة. هناك فقط تاريخ طويل من الاحتياج العاطفي غير المكتمل.
وهذه من أكثر مناطق الرواية نضجًا.
فأميمة السلاخ لا تقع في إغراء المحاكمة الأخلاقية للشخصيات. لا تدين الأم ولا تبرئها. لا تجعلها وحشًا ولا قديسة. تترك العلاقة بكل ما فيها من تعقيد وإنسانية.
ولهذا تظل الأم غائبة وحاضرة في الوقت نفسه.
كأنها الشبح الهادئ الذي يمر في أروقة الرواية كلها.
حتى عندما لا تُذكر.
في المقابل يبدو الأب مختلفًا تمامًا.
وحين يدخل المرض إلى حياته يتغير إيقاع الرواية نفسه.
مرض الأب ليس حدثًا عابرًا داخل الحبكة، بل لحظة كاشفة.
ففي الأزمات تظهر الأولويات الحقيقية للشخصيات.
وفجأة تكتشف حورية أن الحب، بكل ارتباكاته وأسئلته، يتراجع إلى الخلف حين يتعلق الأمر بالأب.
هنا تكشف الرواية طبقة أخرى من الشخصية.
طبقة المسؤولية.
والوفاء.
والعلاقة المعقدة بين الابنة ووالدها.
المرض في هذا الجزء لا يُستخدم بوصفه وسيلة لاستدرار التعاطف، بل باعتباره اختبارًا للشخصيات جميعًا.
كيف يتصرف كل منهم أمام هشاشة الحياة؟
كيف يعيد ترتيب عالمه حين يصبح الفقد احتمالًا واقعيًا لا ذكرى قديمة؟
هذه الأسئلة تظل معلقة في الخلفية طوال تلك الصفحات.
أما عزيز، فأظن أنه أكثر شخصيات الرواية إثارة للاهتمام من الناحية الفنية.
ليس لأنه الشخصية الأكثر حضورًا، بل لأنه الشخصية الأكثر ارتباطًا بفكرة الرواية نفسها.
عزيز فنان.
يرسم.
ينحت.
يصنع الأفلام.
يتعامل مع العالم من خلال الصورة.
وهذا ليس تفصيلًا مهنيًا فحسب.
إنه مفتاح لفهم الشخصية.
الفنان بطبيعته لا يكتفي بما يظهر أمامه. يحاول دائمًا الوصول إلى ما وراء السطح. إلى الطبقة المختبئة تحت الملامح والكلمات.
ولهذا يبدو عزيز طوال الوقت كأنه يحاول قراءة حورية أكثر من محادثتها.
ثمة فضول حقيقي تجاهها.
ورغبة في الاقتراب من المناطق التي تحاول إخفاءها.
وفي بعض اللحظات يشعر القارئ أن عزيز لا يمثل رجلًا بعينه بقدر ما يمثل احتمال الانكشاف نفسه.
أن يراك أحد على حقيقتك.
أن يعرف هشاشتك.
أن يلمس جروحك القديمة.
وهنا يبدأ الخوف.
لهذا لا يمكن قراءة العلاقة بين حورية وعزيز بوصفها قصة حب فقط.
إنها مواجهة طويلة مع فكرة الثقة.
كل خطوة نحو الآخر تستدعي خطوة إلى الخلف.
كل لحظة قرب تستحضر ذكرى فقد سابق.
والرواية تنجح في تصوير هذه الحركة المترددة دون مبالغة أو افتعال.
لكن المفاجأة الحقيقية هي طارق.
ففي كثير من الروايات يكون الصديق مجرد شخصية مساعدة. شخص موجود لتحريك الأحداث أو لتقديم النصائح. أما طارق فله حياة كاملة خاصة به.
نراه في عمله.
وفي صداقاته.
وفي طريقته الخاصة في النظر إلى العالم.
الأهم من ذلك أنه يحمل نوعًا مختلفًا من الحكمة.
ليس حكيمًا لأنه يتفلسف كثيرًا، بل لأنه متصالح مع الحياة أكثر من الآخرين.
في حضوره شيء من الطمأنينة.
شيء يجعل الشخصيات الأخرى أقل وحدة.
وربما لهذا يبدو واحدًا من أكثر شخصيات الرواية إنسانية.
أما زوزو فتكاد تسرق المشهد كلما ظهرت.
شخصيات مثل زوزو يصعب صنعها.
لأن الكاتب قد يقع بسهولة في الكاريكاتير أو المبالغة.
لكن أميمة السلاخ تنجح في منحها حياة حقيقية.
نضحك معها.
ونتأثر بها.
ونصدقها.
وفي اللحظة التي يبدأ القارئ في التعامل معها باعتبارها مصدرًا للمرح فقط، تكشف الرواية عن طبقات أخرى من شخصيتها.
عن الخوف.
والوحدة.
والخذلان.
والحاجة إلى الحب.
هنا يتأكد لنا أن الرواية لا تؤمن بالشخصيات أحادية البعد.
كل إنسان فيها يحمل تناقضاته الخاصة.
حتى الحيوانات نفسها لا تبدو مجرد خلفية للأحداث.
مأوى الحيوانات واحد من أكثر الأماكن دلالة في الرواية كلها.
في البداية يبدو مجرد فضاء للعمل التطوعي.
ثم يتحول تدريجيًا إلى مركز روحي للنص.
هناك شيء مؤثر في فكرة أن الأشخاص المجروحين يلتقون بالحيوانات المجروحة.
أن الذين يبحثون عن الأمان يمنحونه في الوقت نفسه لكائنات أخرى.
ولعل هذا ما يجعل المأوى أحد أجمل ابتكارات الرواية.
فهو لا يعمل على مستوى الحدث فقط.
بل على مستوى المعنى أيضًا.
بالنسبة للقاهرة فتظهر هنا بصورة مختلفة عن كثير من الروايات المعاصرة.
لا نراها كمدينة أسطورية.
ولا كمدينة جحيمية.
إنها ببساطة مدينة يعيش فيها الناس.
الكوربة.
المعادي.
وسط البلد.
صلاح سالم.
الأماكن تمر أمامنا كما تمر أمام الشخصيات.
لكن ما يميزها أن أميمة السلاخ تمتلك عينًا ترى التفاصيل العمرانية جيدًا.
وربما يعود ذلك إلى طبيعة عالم حورية نفسها.
فالأماكن في الرواية ليست ديكورًا.
إنها امتداد للحياة الداخلية للشخصيات.
حتى المعارض الفنية والمقاهي والمنازل تبدو مرسومة من الداخل أكثر مما هي موصوفة من الخارج.
في ما يتعلق باللغة، فإن أميمة السلاخ تراهن على خيار صعب.
الاقتصاد.
لا تبحث عن الجملة المبهرة.
ولا تطارد الشعرية العالية.
ولا تحاول أن تثبت للقارئ قدرتها البلاغية.
وهذا اختيار يحتاج إلى ثقة كبيرة.
لأن الكاتب حين يتخلى عن الزينة اللغوية لا يبقى أمامه سوى الصدق.
إما أن تنجح الشخصيات في حمل النص.
أو يسقط كل شيء.
وفي معظم صفحات الرواية تنجح الشخصيات فعلًا في حمله.
لهذا لا أعتقد أن القيمة الحقيقية لـ«قلب مسّه الفقد» تكمن في الحكاية وحدها.
بل في قدرتها على التقاط تلك المنطقة الرمادية التي يعيش فيها معظم البشر.
المنطقة الواقعة بين الشفاء الكامل والانكسار الكامل.
فالشخصيات هنا لا تنتصر على آلامها.
ولا تستسلم لها.
إنها تفعل شيئًا أصعب بكثير.
تتعلم العيش معها.
وربما لهذا يخرج القارئ من الرواية وهو لا يتذكر الأحداث فقط، بل يتذكر الوجوه.
يتذكر حورية وهي تتردد.
وعزيز وهو يحاول الفهم.
وطارق وهو يمد خيطًا من الألفة في أكثر اللحظات تعقيدًا.
وزوزو وهي تقاوم هشاشتها بالضحك.
ويتذكر قبل كل شيء ذلك الإحساس الذي يمر به معظمنا في مرحلة ما من حياته: أن يمضي إلى الأمام بينما يحمل داخله شيئًا لم يلتئم بعد.
مقام ..


لا تعليق