الحمزاوي الصغير .. عندما يصبح العطر طريقًا …

6

في قلب حي الحسين، حيث تتداخل الأزقة كخيوط سجادة قديمة، يبدأ الطريق دون إعلان. لا لافتة واضحة، ولا ما يوحي بأنك على وشك الدخول إلى مكان مختلف. فقط خطوة واحدة كفيلة بأن تغيّر الإيقاع كله.
بين جدران القاهرة القديمة، وتحديداً في قلب منطقة الحسين، يوجد زقاق لا يقاس بالأمتار، بل بالروائح والذكريات.. هو شارع “الحمزاوي الصغير”.
لو أردنا وصف هذا الشارع لصفحة “رائحة الشوارع”، فلن نتحدث عن تاريخ الحجر، بل عن “روح المكان” التي تتسلل إلى صدرك بمجرد أن تخطو أول خطوة هناك.
تمشي ببطء. ليس لأن المكان ضيق، بل لأن شيئًا ما في الهواء يجبرك على التمهّل. كأن الشارع يضع يده برفق على كتفك ويقول: “على مهلك”.
عتبة من البخور والسكينة
بمجرد أن تترك ضجيج “المشهد الحسيني” خلف ظهرك وتدخل إلى الحمزاوي، تشعر وكأن أحدهم وضع على أذنيك “سماعات عازلة للصوت” وبدل ملامح العالم بفلتر قديم دافئ. هنا، الهواء ليس مجرد أكسجين، إنه خليط كثيف من بخور “العدني” والمستكة، ورائحة خشب الصندل التي تجعلك تتنفس ببطء، وكأنك تخشى أن تضيع منك ذرة واحدة من هذا العبير.
أول ما يلفت الانتباه ليس ما تراه، بل ما تشمه. رائحة مركّبة، لا يمكن الإمساك بطرفها .. قرفة، حبهان، ينسون، قرنفل… لاڤندر وورد جوري مجفف وشيء أعمق، يصعب تسميته. شيء يشبه بيوتًا قديمة لم تعد إليها، لكنها ما زالت تسكنك.
لوحة الألوان المبهجة ..
المحلات هنا ليست مجرد دكاكين، بل هي مخازن للألوان. أجولة الخيش المصطفة على الجانبين تعرض بضاعة تبدو وكأنها خرجت من قصص “ألف ليلة وليلة” ..
الكركم الأصفر الذي يلمع كذهب الفقراء.
الكركديه الأسواني بلونه العنابي الملكي.
البخور الملون، والأعشاب التي لا يعرف سرها إلا “العطار” العجوز الذي يجلس خلف ميزانه النحاسي بكل وقار.
تتوقف قليلًا. تنحني عيناك نحو البرطمانات الزجاجية المصطفة كأنها جنود هادئة. ألوانها تتدرّج من الأخضر الباهت إلى البني الداكن، وبينهما أصفر يشبه ضوء العصر، وأحمر خفيف كخجل قديم. لا شيء صارخ، لا شيء يحاول لفت الانتباه، ومع ذلك كل شيء يُرى.
الوقت هنا يمشي على مهله
هذا الشارع لا يعترف بالسرعة؛ هنا الوقت يمر “على مهله”. ترى الزبائن يقفون ليتحدثوا مع العطار عن “وصفة” لراحة البال، أو عشبة لتهدئة السعال، أو بخور لطرد “العين”. الحكاوي هنا جزء من البيعة، والابتسامة تسبق كلمة “بكام؟”.
تمر بجانب دكان صغير، تسمع جملة عابرة، ضحكة خفيفة، صوت ملعقة معدنية تلامس زجاجًا… أشياء بسيطة، لكنها تخلق إحساسًا بأنك لست غريب، حتى لو كنت هنا لأول مرة.
سيمفونية الصمت والهمس ..
رغم ضيق الشارع، إلا أنك لا تشعرين فيه بالاختناق. هناك حالة من “التآلف” العجيب تسمع صوت اصطدام الملعقة المعدنية ببرطمانات الزجاج، وحفيف أكياس الورق، وهمسات العابرين الذين يسيرون بتمهل كأنهم في حضرة مقام.
الجدران المتآكلة بفعل الزمن ليست قبيحة، بل هي تجاعيد جميلة على وجه رجل عجوز حكيم. الخشب القديم لأبواب المحلات يحكي عن أجيال مرت من هنا، تركت أثر عطرها ومضت.
في لحظة ما، بين العصر والمغرب يتسلل الضوء بين المباني الضيقة ويسقط على الزجاج. لا يلمع بقوة، بل يهدأ فوق الأشياء، كأنه يعرف أنه في مكان لا يحب الاستعراض.
الشارع والجسد ..
الحمزاوي ليس مجرد سوق. هو مساحة صغيرة تهتم بما لا يُرى. صداع خفيف، أرق، تعب متراكم، قلق بلا سبب واضح… هنا تجد هذه الأشياء مكانًا يُصغى إليه.
ليس غريبًا أن تقف امرأة تسأل عن خلطة لشعرها، أو رجل يبحث عن عشبة تهدّئ صدره. التفاصيل الصغيرة تجد هنا من ينتبه لها.
لماذا “الحمزاوي” اليوم؟
لأنه يذكرنا بما نسيناه في زحمة المولات والمحلات الحديثة. هناك، نحن “مستهلكون”، أما في الحمزاوي، فنحن “بشر”. العطار يعرف زبونه بالاسم، والشارع يحتضنك برائحته قبل أن تصل إليه.
تشعر وأنتِ تخرج منه أنك لم تشتري شيئًا مهمًا… ومع ذلك أخذت معك شيئًا لا يُوضع في كيس.
إذا أردت أن تصالح نفسك، اذهب إلى هناك في ساعة عصاري. لا تذهب لتشتري شيئاً بعينه، بل اذهب لتتوه. اترك أنفك يقودك، ودع عينيك تتشبّع بالألوان، وستكتشف أن “رائحة الشارع” هي في الحقيقة رائحة بيوتنا القديمة، ورائحة جداتنا، ورائحة الطيبة التي لم ترحل عن القاهرة مهما تغيّر الزمن.
في النهاية، ستدرك أن شارع الحمزاوي الصغير لا يطلب منك أن تنبهر، ولا يحاول أن يشرح نفسه. هو فقط يتركك تمشي، تشمي، تلاحظ، وربما تتذكر شيئًا لم تكن تعرف أنك تحمله.
شارع الحمزاوي الصغير.. ليس مجرد ممر للعطارة، بل هو “قطرة عطر” مركزة في زجاجة القاهرة الكبيرة.
مقام ..

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *