​مصر والسودان عبق متحير بين العصور …

6

​لا يبدأ شارع مصر والسودان من أسفل كوبري القبة، ولا ينتهي عند حدود دير الملاك؛ إنه يبدأ من تلك اللحظة التي تقرر فيها رئتاك أن تستنشقا هواءً “مُقشرًا” من طبقات الزمن. هو ليس مجرد شريان أسمنتي، بل هو “صالون” المنطقة الذي فقد بعضاً من مذهّباته، لكنه لم يفقد أبداً جلسته الوقورة.
​ الصباح .. رائحة “العيش” والمنظفات
​في الصباح الباكر، يبدو الشارع كلوحة مائية لم تجف بعد. الرائحة الأولى التي تستقبلك هي رائحة “الخبز الساخن” المنبعثة من المخابز الأفرنجية القديمة، تلك الرائحة التي تمتزج بخجل مع عبق “الجاز” الخفيف الذي يمسح به أصحاب المحلات العريقة عتباتهم الرخامية.
​تسمع هناك صوت “الشيش الحصير” وهو يُرفع للأعلى، صريرٌ معدني يتبعه صوت ارتطام كراسي المقاهي بالرصيف. الشارع في هذا الوقت لا يتحدث، بل “يهمهم” بأصوات كبار السن الذين يمشون ببطء شديد، وكأنهم يخشون إيقاظ الذكريات النائمة تحت بلاط الأرصفة.
​شيزوفرينيا البصر: بين “المودرن” والـ “باروك”
​إذا أغمضت عينيك وفتحتها فجأة في وسط الشارع، ستجد نفسك أمام تناقض مدهش:
​الأبراج الشاهقة: التي نبتت كأشواك زجاجية تحاول أن تحجب السماء، بواجهاتها اللامعة وإعلانات “البراندات” العالمية.
​العمارات الخمسينية: تلك التي تحمل شرفات دائرية تشبه “مقصورات الأوبرا”، بحديدها المشغول (الفورفورجيه) الذي أكله الصدأ الجميل، حيث تتدلى منها “قناديل” الزرع المنزلي وصور باهتة لزعماء رحلوا.
​الشارع وظيفته اليومية هي “الوصل”؛ هو الجسر الذي يربط بين موظف يهرع لمترو الأنفاق، وبين سيدة أرستقراطية ما زالت تشتري خضارها من “الباكيتا” المجاورة لقصر القبة بحرص شديد على لغتها الفرنسية المكسرة.
​رائحة الظهيرة .. “توابل” و”جلد” وبخور
​مع اشتداد الشمس، تتغير “نوتة” الروائح. تخرج من المحلات العميقة رائحة “الجلود والمنسوجات”، فالشارع هو قبلة الأناقة الوسطى. ثم تقتحم المشهد رائحة “البخور” التي تنطلق من مداخل العمارات العتيقة، لتمتزج برائحة “التراب المبلل” أمام مغاسل السيارات الصغيرة في الحواري الجانبية.
​الأصوات هنا “طبقات”
​القاعدة: هدير المحركات المستمر وزعيق ميكروباصات “الوايلي” التي تمر كالبرق.
​الوسط: صوت “الراديو” المنبعث من الورش الصغيرة، حيث صوت أم كلثوم ينساب كخيط حرير وسط ضجيج المطارق.
​القمة: نداءات الباعة الجائلين التي تشبه الموال الحزين، وصوت أجراس الكنائس القريبة التي تذوب في هدوء آذان العصر.
​حين يتكحل الشارع بالضوء
​في المساء، يتحول شارع مصر والسودان إلى “مول” مفتوح للسائرين على أقدامهم. الأضواء النيون القوية للمحلات الحديثة تتصادم مع إضاءة أعمدة الإنارة الصفراء الخافتة، مما يخلق ظلالاً طويلة للمارة.
​الوظيفة الاجتماعية للشارع تبرز الآن؛ هو مكان لـ “الفرجة”. الشباب يتمشون بزهو، والعائلات تتوقف أمام واجهات محلات الحلويات الشهيرة التي تفوح منها رائحة “السمن البلدي والفانيليا”. الشارع في الليل يفقد رسميتُه ويصبح أكثر حنيّة، يتحول إلى حضن واسع يجمع بين ضجيج “الجمهورية” وهدوء “المملكة”.
شارع مصر والسودان بحدائق القبة ليس مجرد طريق تمر به، بل هو “نص أدبي” مكتوب بحبر العرق والبرفانات الرخيصة والغالية، وبخار الشاي بالنعناع. هو الشارع الذي إذا مشيت فيه وحيداً، لن تشعر بالوحدة، لأن الجدران هناك.. لديها دائماً ما تحكيه.
فريق مقام …

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *