
لم تكن فريدة فهمي مجرد “راقصة” بالمعنى الكلاسيكي، بل كانت مشروعاً حداثياً أعاد صياغة مفهوم الحركة في الفضاء العام. في وقت كان الرقص الشرقي يعتمد على “التمركز حول الخصر” ويميل للإغواء الثابت، جاءت فريدة لتنقل الرقص إلى “ديناميكية المسرح الشامل”، حيث الجسد كله يتحرك ككتلة هندسية متناغمة مع الفراغ.
الجسد كأداة “أنثروبولوجية”
تميزت فريدة فهمي بوعي حاد تجاه ما تفعله. لم تكن تقلد الفلاحات أو بنات البلد بعشوائية، بل كانت تقوم بما يشبه “التفكيك وإعادة التركيب”. درست حركة المرأة في الحقل، وطريقة حملها لـ “الزلعة”، وكيفية مشيها على ضفاف النيل، ثم أعادت صياغة هذه الحركات بأسلوب “مودرن” يجمع بين خفة الباليه وقوة الجذور الأرضية.
هذا الوعي توّجته لاحقاً بدراستها للماجستير في جامعة UCLA بكاليفورنيا، حيث لم تذهب لتتعلم الرقص، بل ذهبت لـ “تأصيل” الرقص المصري كعلم إنساني (Ethnology). فريدة كانت تدرك أن الرقص هو “نص” غير مكتوب، وأن جسدها هو القلم الذي يدون هذا التاريخ.
التحرر الحركي: كسر القيد المكاني..
قبل فريدة فهمي، كان الرقص الشعبي حبيس “الحلقة” (الدائرة الضيقة). فريدة ومحمود رضا نقلا الرقص إلى “الخطوط المتوازية والمتقاطعة”.
السيولة الحركية: في استعراضات مثل الشمعدان والحجالة والملاية اللف وغيرها، تلاحظ أن فريدة لا ترقص “ليراها” الجمهور فقط، بل تتحرك لتملأ المسرح. لديها قدرة مذهلة على استخدام أطرافها (اليدين والقدمين) لخلق دوائر وهمية في الهواء، مما يعطي إحساساً بالاتساع والحرية.
الدراما الصامتة: فريدة كانت “ممثلة إيماء” (Mime) من الطراز الأول. تعبيرات وجهها لم تكن “مكياجاً” للعرض، بل كانت جزءاً عضويًا من الحركة. تستطيع بمجرد نظرة أو “إمالة رأس” أن تنقل سخرية بنت البلد، أو دلال السكندرية، أو شموخ الصعيدية.
سينما “الجمال الصافي”: بعيداً عن الكليشيهات
في فيلمي “إجازة نصف السنة” و**”غرام في الكرنك”**، قدمت فريدة فهمي “الفيفاسيتي” (الحيوية) بمعناها الأوروبي لكن بروح مصرية.
كانت تظهر في الكادر كعنصر مشع؛ ملابسها التي صممتها والدتها لم تكن لمجرد الزينة، بل كانت “أزياء درامية” تتحرك مع الجسد وتمنحه مدى بصرياً أكبر (Visual Extension). الطريقة التي كانت تطير بها تنورتها في “رقصة الكرنك” كانت مدروسة فيزيائياً لتعطي شعوراً بالطيران والتحرر من الجاذبية.
فريدة وفلسفة “الأداء الشامل”
ما جعل فريدة فهمي “أيقونة” ثقافية هو أنها لم تحصر نفسها في نمط واحد. هي المثقفة التي تقرأ، والباحثة التي تحلل، والفنانة التي تتدرب لساعات طويلة لتصل إلى “الكمال الحركي”.
علاقتها بالإيقاع: لم تكن فريدة “تتبع” الطبلة، بل كانت “تحاورها”. كان هناك نوع من “الكونتربوان” (Counterpoint) بين دقات الإيقاع وحركات قدميها، مما خلق تجربة بصرية وسمعية معقدة تتجاوز الرقص السطحي.
الإرث: لماذا لا تزال “الرقم الصعب”؟
اعتزال فريدة في الثمانينيات كان قراراً “جمالياً” بامتياز. أرادت أن تظل صورتها الذهنية مرتبطة بـ “الذروة”. تركت وراءها مدرسة في “الأداء الحركي” تقوم على:
عصرنة التراث: دون تشويهه.
ذكاء المسرح: كيف تحول الحركة البسيطة إلى مشهد ملحمي.
شخصية المؤدي: التي تفرض حضورها الطاغي بمجرد ظهورها على الخشبة.
فريدة فهمي فنانة أثبتت أن الرقص هو “فلسفة الجسد في حالة فرح”. هي التي حولت الفلكلور من “متحف للذكريات” إلى “كائن حي” يتنفس على المسرح.
فريق مقام ..


لا تعليق