
في روايته البديعة “سأهبك غزالة”، لا يكتب مالك حداد رواية بقدر ما يكتب شرط استحالتها الوجودي والموضوعي. النص هنا لا ينشغل بما يُروى، ولا يتورط في حيل الحبكة التقليدية التي تُطعم القارئ فضولاً عابراً، بل ينشغل بكيفية تعذّر الرواية في ظل تمزق الهوية. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة العمل لا كحكاية عن صياد يطارد غزالة في شعاب الصحراء، بل كنصٍّ يتشكّل من فجوة عميقة: فجوة شاسعة بين “الرغبة في القول” الجامحة، وبين “عجز اللغة” الموروثة عن الاستعمار عن احتواء هذا القول. إنها صرخة الكاتب الذي وجد نفسه يغني بلسان غيره، فقرر أن يحوّل هذا التلعثم إلى أرقى أشكال الفن.
رواية تراقب انكسارها
النواة البنيوية للعمل تقوم على تقنية .. “الميتاسرد” (Metafiction)، حيث نجد كاتباً داخل النص يسعى يائساً لكتابة رواية. هذه التقنية هنا لا تُستخدم كزخرفة حداثية أو ترف تجريبي، بل هي وسيلة تقنية لتقويض الثقة في فعل السرد نفسه. فبدل أن يتقدّم النص نحو “يقين” أو اكتمال سردي، يظل في حالة تشكّل دائم، حالة قلق لا تنتهي، حيث يراقب الكاتب قلمَه وهو يتعثر في وصف المعنى.
إن السرد في “سأهبك غزالة” لا يُنتج حدثاً بقدر ما يكشف، بمرارة، عن عجزه العضوي عن إنتاج هذا الحدث. الكتابة هنا تُعرض كفعل واعٍ بنفسه، فعل متردد، متقطع، ومصاب برهاب البياض. النص يكتب نفسه، وفي ذات الجملة يشكّك في جدوى وجوده، ليتحول العمل في النهاية من “وعاء للحكاية” إلى “مختبر حي” لاختبار حدود الكتابة وجدواها حين تكون الأداة (اللغة) هي الخصم الأول للكاتب.
الصحراء كفضاء ذهني ومتاهة وجودية..
الصحراء في هذا العمل ليست مجرد جغرافيا، وليست خلفية سياحية لوقائع الأحداث، بل هي حالة ذهنية وفلسفية بامتياز. إنها الامتداد الذي بلا حدود، والذي يقابله في المقابل “ضياع المعنى” وتشتت المركز. الصحراء عند حداد هي الفراغ البصري المطلق الذي يعكس الفراغ الدلالي في نفس المثقف المشتت.
هذا التوازي الدرامي يجعل الفضاء الخارجي (الرمل، الأفق، الريح) مرآة دقيقة للداخل الممزق: فكلما اتسعت الصحراء في النص، ازداد انكشاف الفراغ الداخلي للكاتب وعرائه أمام حقيقته. الصحراء هنا لا تمنح اليقين للمسافر، بل تسرق منه بوصلته، تماماً كما تفعل اللغة الفرنسية مع حداد؛ تمنحه الأفق لكنها تحرمه من الوصول إلى “البيت”.
الغزالة: المركز الغائب والرمز المنفلت ..
يعمل الرمز المركزي في الرواية—الغزالة—بطريقة سالبة ومحيّرة. فهي لا تُعرّف في النص بما هي عليه من ملامح أو صفات، بل تُعرف بما “تفلته” وما “تغيب عنه”. الغزالة لا تُرى بوضوح، ولا تُمسك باليد، ولا تُروى قصتها كاملة؛ إنها وجود قائم بالأساس على “الغياب”. وكل محاولة من الكاتب لتثبيتها في معنى محدد—سواء كحبيبة، أو كرمز للوطن الجزائر، أو كاستعارة للغة المفقودة—تنقلب فوراً إلى دليل جديد على استحالة هذا التثبيت.
هذا ما يمنح الرمز كثافته الشاعرية العالية: ليس لأنه “متعدد المعاني” كما في الرموز الكلاسيكية، بل لأنه “يرفض أن يستقر في أي معنى”. إنها الغزالة التي تغريك بالمطاردة، لكنها حين تقترب منها، تكتشف أنها لم تكن سوى سراب في ذهن الصياد، أو لعل الصياد هو الذي ضلّ طريق نفسه.
جمالية النقص والومضة ..
يتسم أسلوب مالك حداد باقتصاد لغوي حاد يقترب من التقشف. الجمل قصيرة، محذوفة الزوائد، مكثفة إلى درجة الانفجار، حيث تحل الصور الذهنية القوية محل الشرح المستفيض، وتأتي الانتقالات المفاجئة لتقطع تسلسل الربط التقليدي. هذا ليس مجرد اختيار جمالي محض، بل هو انعكاس وفِي لعلاقة مأزومة مع الأداة التعبيرية.
النص يبدو وكأنه يكتب تحت ضغط هائل: ضغط “أن يقول أقل” مما يريد حقيقة، أو “أكثر مما يستطيع” التعبير عنه بلغة المنفى. هذه الجمالية—جمالية النقص—هي التي تمنح الرواية هويتها، حيث تصبح الفراغات بين الكلمات أهم من الكلمات نفسها، ويصبح الصمت المتربص في نهاية كل جملة هو البطل الحقيقي الذي يقود السرد.
التوتر اللغوي: الكتابة في “المنفى”
لا يمكن فصل هذه الرواية عن مأساة مالك حداد الشخصية: كاتب ينتمي وجدانياً وثقافياً وتاريخياً إلى الأرض العربية، لكنه يكتب بلغة “الآخر” المستعمر. هذا يولد طبقة جيولوجية من الاغتراب داخل النص. اللغة هنا وسيلة تعبير تقنية، لكنها ترفض أن تكون “بيتاً” يسكنه المبدع بسلام.
الجملة عند حداد قد تحمل المعنى بدقة، لكنها تفشل في حمل “الانتماء”. النص ينجح فنيًا في بلوغ آفاق العالمية، لكنه يظل قلقاً هوياتيًا، وهذا التوتر لا يُذكر في المقال كمعلومة تاريخية، بل هو سارٍ في بنية النص نفسها؛ في التقطيع، في التردد، وفي الإحساس الدائم بأن هناك “نواة صلبة” من التجربة الإنسانية تظل غير قابلة للترجمة، وغير قابلة للقول، حتى بأرقى لغات العالم.
الكاتب بوصفه حالة ذهنية ..
الشخصية المركزية في “سأهبك غزالة” ليست “شخصية” بالمعنى الروائي الكلاسيكي الذي ينمو ويتطور عبر الأحداث، بل هي “حالة ذهنية” مستمرة. نحن أمام وعي مضطرب، مسكون برغبة مستحيلة في الإمساك بالمعنى، ومدرك في الوقت ذاته لاستحالة ذلك.
لا نتابع في الرواية تطوراً نفسياً أو تحولاً في المصائر، بقدر ما نعيش “ثبات الأزمة” وتعمقها. الشخصية لا تتغير مع مرور الصفحات، بل تغوص أكثر في مأزقها الوجودي. البطل هنا هو “الوعي المنقسم”، الذي يقف على الحافة، يحاول أن يهب “الغزالة” (الإبداع) للقارئ، لكنه يسقط في فخ تأمله الخاص لذاته وهي تتلاشى.
الإيقاع السردي: ومضات بدل التدفق ..
يتحرك الإيقاع في الرواية بشكل متقطع، أقرب إلى اللقطات السينمائية القصيرة التي تُعرض في غرفة مظلمة، أو المقاطع الشعرية التي تبدو منفصلة ظاهرياً لكنها تتوحد في الوجع. السرد لا يتدفق كالنهر، بل ينبض كالبرق؛ تداعيات ذهنية حرة لا تخضع لتسلسل زمن منطقي أو صارم.
هذا الإيقاع يجعل تجربة القراءة “غير مريحة” بالمعنى الإيجابي؛ فهو إزعاج مقصود يهدف إلى هزّ طمأنينة القارئ. النص لا يريد أن يُستهلك بسهولة كوجبة سريعة، بل يريد أن يُختبر كأزمة، أن يشعر القارئ بذات العطش الذي يشعر به الكاتب في صحرائه، وبذات التمزق الذي تفرضه لغة لا تطاوع صاحبها.
القاريء من متلقٍ إلى شريك في التعثّر ..
القارئ في هذا العمل لا يُقاد من يده عبر الدروب الممهدة، بل يُترك وحيداً في مواجهة النص. عليه أن يملأ الفراغات الشاسعة التي تركها حداد، وأن يربط المقاطع المبعثرة، ويواجه غياب “اليقين” السردي، يتحول لشريك في إنتاج المعنى، يشارك الكاتب في تعثره، وفي بحثه، وفي فقدانه النهائي للمعنى أيضاً. إنها رحلة مشتركة نحو الصمت، حيث يصبح “الفهم” هو القدرة على استشعار ما لم يقله الكاتب.
بين النص والسيرة: الطريق الحتمي نحو الصمت ..
حين نضع الرواية في سياق مسار مالك حداد الإبداعي، يظهر اتساق لافت ومأساوي. نص يتحدث عن استحالة الإمساك باللغة، وكاتب يشعر بانفصال جذري عن أداته التعبيرية، ينتهي حتماً بقرار “الصمت الإبداعي”.
توقف حداد عن الكتابة بعد استقلال الجزائر لم يكن قطيعة معروية أو استسلاماً، بل كان “الامتداد المنطقي” لهذه الرواية. كأن “سأهبك غزالة” كانت هي التمهيد الطويل والجنائزي لقرار الاعتزال. الصمت هنا لم يكن فراغاً، بل كان “النص الأخير” الذي كتبه حداد بوفائه المطلق لهويته، ليظل النص المكتوب شاهداً على المعاناة التي سبقت هذا الهدوء العظيم.
حدود التأويل واكتمال النقص ..
رغم كل هذا الثراء، يبقى من الضروري وضع حد نقدي واضح؛ فالرواية لا تقدّم نظام رموز مغلقاً يمكن فكّ شفراته بالكامل وإغلاق الملف. أي قراءة تدّعي الإحاطة الكاملة بمرامي مالك حداد هي قراءة تفقد “دقة النص” وسحره الغامض.
الأدق هو اعتبارها “نصاً مفتوحاً” بامتياز؛ يتيح قراءات متعددة بتعدد القراء، يرفض الحسم في دلالة الغزالة أو مصير الكاتب، ويحتفظ بجزء كبير من معناه “خارج منطقة التفسير”. “سأهبك غزالة” عمل ينجح بشكل باهر لأنه “لا يكتمل”، وقيمته الحقيقية لا تكمن في ما يقدّمه من إجابات، بل في ما يعجز بصدق عن تقديمه—وفي وعيه الشجاع بهذا العجز. هنا تتحول الكتابة من وسيلة للامتلاك والسيطرة، إلى “اعتراف نبيل بالفقد”، لتظل الغزالة وعداً مستحيلاً، يمنح الرواية توترها الجمالي الفريد وخلودها في ذاكرة الأدب.
مقام ..


لا تعليق