النجاة وسط خراب قديم: أنقاض الهامش وهمس الأبواب المواربة …

22

 

​نبش في ذاكرة الحريق ..

 

في رواية كل الأبواب مواربة للروائي المصري سمير فوزي، لا يلج القارئ إلى الحكاية من بابها، بل من شقٍّ معتم يتسرّب منه ضوء باهت ووقع أقدام مرتجفة في ممرات قسم شرطة محترق. منذ السطر الأول، لا يبدو العالم الروائي وكأنه يُروى، بل كأنه يُنبش بمخالب الروح؛ فكل صفحة هي يدٌ تغوص في طبقات جيولوجية من الذاكرة الاجتماعية المهملة. إنها رحلة في القمامة التي تُواريها المدينة خلف واجهاتها النظيفة، وفي حيوات البشر الذين يقيمون على تخوم الضوء؛ أولئك الذين لا تراهم المدينة إلا بوصفهم فائضاً بشرياً، بينما يحملون في داخلهم أكثر وجوهها صدقاً وعرياً.

 

فالمدينة في هذه الرواية لا تبدو مدينة عادية بقدر ما تبدو جسداً هائلاً يخفي تعفنه الداخلي تحت طبقات من الطلاء الاجتماعي والديني والسياسي. وكلما تعمق السرد، بدا كأن الكاتب لا يزيح الستار عن شخصياته فقط، بل عن البنية الخفية لمجتمع كامل يعيش على الإنكار؛ إنكار الفقر، والرغبة، والهشاشة، والعنف، وحتى الهزيمة نفسها. ولهذا لا تبدو “المواربة” مجرد توصيف للأبواب، بل حالة وجودية كاملة؛ الجميع هنا يعيش نصف حياة، ونصف حقيقة، ونصف اعتراف. لا أحد يفتح روحه بالكامل، ولا أحد يملك شجاعة الإغلاق النهائي، وكأن البشر في هذا العالم يخشون الحقيقة بقدر خشيتهم من الفضيحة.

الرواية تتخذ من جثة “جمعة ياجوري” الملقاة في دورة مياه قسم مهجور بوابة واسعة لفحص بنية مجتمع كامل؛ مجتمع يعيش فوق طبقات كثيفة من الكتمان، والتواطؤ، والرغبة، والعجز، والادعاء. هنا يصبح القسم المحترق أكثر من مكان، والجثة أكثر من حدث، والقمامة أكثر من مخلفات يومية؛ تتحول الأشياء جميعها إلى مرايا تكشف ما تحاول الشخصيات ستره عن الآخرين، وعن أنفسها أيضاً عقب زلزال ثورة يناير. حتى الجثة نفسها لا تبدو مركز الحكاية بقدر ما تبدو الشرارة التي أضاءت فجأة العتمة الكثيفة داخل الجميع، فأظهرت تصدعاتهم القديمة، وأكاذيبهم الصغيرة، وحيواتهم التي تقوم على الخوف المستمر من الانكشاف.

ومن هنا تنبع قوة الرواية؛ فهي لا تقدم “قضية” أو “رسالة” بالمعنى التقليدي، بل تبني عالماً كاملاً من الشروخ النفسية والطبقية والروحية. عالم يبدو مألوفاً إلى حد الفزع، لأن القارئ يدرك سريعاً أن هذه الشخصيات ليست استثناءات اجتماعية بقدر ما هي النسخة العارية مما يحاول المجتمع إخفاءه عن نفسه. وكأن سمير فوزي لا يكتب عن الهامش وحده، بل عن المركز أيضاً، لكن بعد نزع قناعه.

 

 

​أمكنة تتعفن مثل البشر..

تتجلى فرادة الرواية في قدرتها المدهشة على صناعة جغرافيا روائية حية، نابضة، ومأهولة بالمعنى. الأمكنة هنا لا تُستخدم كخلفية للأحداث، بل تتحرك داخل السرد بوصفها كائنات لها ذاكرة ورائحة ونفس ثقيل. إنها أمكنة تحتفظ بأثر من مرّوا بها، كما لو أن الجدران نفسها تلتقط الخوف والرغبة والعنف وتخزنها في شقوقها.

 

“شارع الخلفاء” ليس مجرد شارع شعبي، بل شريان كامل تتدفق داخله طبقات المجتمع المصري؛ الباعة، المخبرون، النساء المراقبات من خلف النوافذ، الزبالون، والعابرون الذين يحمل كل منهم حكاية ناقصة أو سراً صغيراً. الشارع يبدو كأنه يراقب الجميع، يعرف أسرارهم، ويحتفظ بها في طبقات الغبار العالقة على الجدران وفي الأرصفة المبللة ببقايا المطر والعرق. حتى الضوضاء في الرواية ليست مجرد خلفية صوتية، بل جزء من الإيقاع النفسي للعالم؛ صراخ الباعة، نباح الكلاب، ارتطام الخطوات، همسات النساء، كلها تشكل موسيقى خافتة لمدينة تتآكل ببطء.

أما “قسم الشرطة المحترق”، فهو القلب الحقيقي للرواية؛ جثة معمارية لدولة فقدت هيبتها ولم تفقد قدرتها على بث الرعب. المكان الذي كان يوماً رمزاً للسلطة والقهر يتحول في يد “حمزة” إلى مأوى، وإلى مخزن للقمامة، وسرير لعلاقة سرية مع “نعيمة”، ثم إلى مسرح لجثة الشيخ جمعة. هكذا يصبح القسم فضاءً تتجاور فيه السلطة والهامش، الرغبة والخوف، الحب والجريمة، وكأن الرواية تقول إن المجتمع كله لم يغادر هذا الحريق بعد، بل ما يزال يعيش داخله.

والأمكنة في الرواية لا تبدو محايدة أبداً؛ فهي تحمل آثار القهر القديم حتى بعد خرابها. قسم الشرطة ليس مجرد مبنى محترق، بل أرشيف للعنف؛ جدران امتصت الصراخ، وغرف احتجزت أجساداً مرتجفة، وممرات شهدت الإذلال والخوف. وحتى بعد احتراقه، لا يفقد المكان سلطته النفسية، بل يتحول إلى شبح سلطة يواصل إخافة الجميع. الشخصيات تدخل القسم كما لو كانت تدخل إلى ذاكرة جماعية للعنف المصري، ولهذا يبدو المكان حاضراً في الرواية ككائن حي يراقبهم جميعاً بصمت ثقيل.

 

بل إن القاهرة نفسها تبدو في خلفية الرواية مدينة سُفلى، مدينة تتنفس من مجاريها الخلفية. ليست القاهرة السياحية أو اللامعة، بل المدينة التي تفرز يومياً فائضها البشري إلى الهوامش، ثم تتظاهر بأنها لا تراه. وكأن حمزة، وهو يفرز القمامة، يعيد بطريقة ما فرز المدينة نفسها؛ ما يصلح للبقاء، وما يجب دفنه بعيداً عن العيون.

 

 

 

​يناير: المنبع والمنجم والخراب الجميل ..

تطل ثورة الخامس والعشرين من يناير في الرواية كمنبع خصب للحكايا، لكنها تظهر بوجهها الذي تلا الانفجار؛ وجه الارتباك والانكشاف والضياع الأخلاقي. الكاتب لا يكتب الثورة بوصفها ملحمة بطولية، بل بوصفها زلزالاً حرّك الرواسب القديمة في القاع الاجتماعي، فأخرج إلى السطح كل ما كان مختبئاً من رغبات وأحقاد وأوهام وخوف.

فالثورة في الرواية ليست حدثاً سياسياً فقط، بل لحظة كشف نفسي جماعي. فجأة سقط الغطاء عن الجميع: الشيخ، والمخبر، والزبال، والعاشقة، والانتهازي، والخائف. لم تعد الشخصيات قادرة على الاختباء داخل أدوارها القديمة، وكأن يناير لم يفتح أبواب الأقسام وحدها، بل فتح أيضاً الأبواب المغلقة داخل البشر أنفسهم.

 

هي التي منحت “حمزة” الجرأة ليسكن القسم المحترق، وهي التي جعلت “الشيخ جمعة” يركب الموجة ويدعي القداسة ويحرض على نهب الأقسام باعتبارها “غنائم حرب مع دولة كافرة”. لكنها أيضاً اللحظة التي تهاوت فيها المعايير القديمة؛ لم يعد أحد يعرف أين يقف بالضبط، ولا من هو البطل ومن هو الجلاد. الجميع بدا كأنه يتحرك داخل منطقة رمادية كثيفة، حيث تختلط الحرية بالفوضى، والرغبة بالانتقام، والحلم بالخراب.

 

الثورة هنا هي لحظة “المواربة” الكبرى؛ اللحظة التي انفتحت فيها الأبواب فخرج منها كل مستور. الكاتب يربط بين ضياع “كاميرا أنتكا” التي صورت مظاهرات كفاية وأحداث المحلة، وبين لحظة سرقة الذاكرة الوطنية. مسح ذاكرة الكاميرا على يد جمعة لا يبدو مجرد فعل فردي، بل رمز لمحاولة محو الذاكرة الجمعية نفسها؛ كأن الرواية تقول إن أخطر ما يمكن قتله بعد الثورة ليس الناس، بل الحقيقة.

 

كما تبدو يناير في الرواية لحظة إغواء هائلة؛ الجميع أراد أن يقتنص شيئاً من الحريق: سلطة، أو جسداً، أو مالاً، أو بطولة زائفة. ولهذا لا يتعامل الكاتب مع الثورة بعين رومانسية، بل بعين ترى كيف يمكن للحلم الجماعي نفسه أن يتحول إلى مساحة ضخمة للفوضى والتشوه وإعادة إنتاج العنف بأشكال جديدة.

 

الثورة في هذا العالم لا تترك خلفها أنقاض المباني فقط، بل أنقاض النفوس أيضاً. حتى اللغة تبدو بعد الحريق أكثر توتراً وارتباكاً، وكأن النار لم تلتهم القسم وحده، بل التهمت أيضاً اليقين الأخلاقي الذي كانت الشخصيات تتخفى داخله.

 

الزمن: نول يحيك الماضي بالحاضر ..

الزمن في هذه الرواية لا يتحرك في خط مستقيم، بل يتشظى ويتداخل مثل ذاكرة معطوبة. الحاضر، رغم كثافته الدرامية، لا يستطيع أن يبقى حاضراً خالصاً؛ فالماضي يتسلل باستمرار عبر الشروخ النفسية للشخصيات كشبح لا يهدأ.

كل شخصية تحمل زمنها الخاص كجرح مفتوح. حمزة يعيش حاضراً ملوثاً بماضٍ طويل من النبذ، لكنه في الوقت نفسه يبدو أكثر تصالحاً مع ذاته من بقية الشخصيات، ربما لأنه الوحيد الذي لم يحاول تزييف تاريخه أو الهروب منه. إنه يعرف مكانه جيداً داخل العالم، ولذلك يبدو أقل خوفاً من الحقيقة.

أما نعيمة، فتعيش داخل زمن مزدوج؛ امرأة في الحاضر، وطفلة ما تزال أسيرة مشهد “الأم والجسد والرغبة الأولى”. ماضيها لا يُستعاد كتذكر عابر، بل كقوة حية تعيد تشكيل رغباتها الراهنة، وكأن الجسد نفسه يحمل ذاكرة لا يمكن محوها. لهذا تبدو علاقتها بحمزة مشبعة بما هو أبعد من الرغبة الجسدية؛ إنها محاولة يائسة للهرب من برودة حياة كاملة.

والشيخ جمعة يعيش بدوره داخل زمن متجمد؛ رجل يقتات على بطولة قديمة وحكايات حرب أكتوبر، حتى يكاد الماضي يتحول لديه إلى قناع يعوض هشاشته الراهنة. إنه لا يعيش الحاضر بقدر ما يكرره بوصفه صدى باهتاً لمجد متخيل. وكلما تشبث بصورة “البطل”، بدا أكثر انكساراً من الداخل.

هذا التداخل الزمني يمنح العمل عمقاً استثنائياً، ويجعل القارئ يدرك أن الأبواب “المواربة” ليست أبواب البيوت فقط، بل أبواب الزمن ذاته؛ تلك الأبواب التي لا تنغلق أبداً على الذكريات والخطايا والهزائم القديمة.

بل إن الزمن في الرواية يبدو أحياناً كأنه مستنقع راكد أكثر منه نهراً متدفقاً؛ الشخصيات لا تتقدم فعلياً، بل تدور داخل دوائرها النفسية المغلقة. الجميع يعيش أسير “لحظته المؤسسة”

النبذ الأول، الرغبة الأولى، الهزيمة الأولى، أو الكذبة الأولى التي بنى فوقها حياته.

ولهذا تصبح الذاكرة في الرواية شكلاً من أشكال العقاب. الشخصيات لا تتذكر لأنها تريد الفهم، بل لأنها عاجزة عن النسيان. الماضي ليس خلفية بعيدة، بل عضو حي ينمو داخل أجسادهم ويعيد تشكيل حاضرهم باستمرار.

 

 

​الشخصيات: بشر يتآكلون من الداخل

أعظم ما يميز شخصيات الرواية أنها ليست نماذج جاهزة أو أدوات لتحريك الحدث، بل كائنات مأزومة، مكسورة، ومفتوحة على تناقضاتها الإنسانية. لا أحد هنا نقي تماماً، ولا أحد شرير بصورة كاملة؛ الجميع يحمل داخله مزيجاً من الرغبة والخوف والحنان والعنف والانكسار.

​جمعة الياجوري: القداسة بوصفها قناعاً

جمعة الياجوري هو الشخصية الأكثر تعقيداً وإيلاماً في الرواية؛ رجل أدرك مبكراً أن المجتمع يعشق الأقنعة، فصنع لنفسه قناع “البطل الشيخ”. ادعى أسر عساف ياجوري، وارتدى بطولة لم يعشها، ثم احتمى بالدين والمنبر والتيار المتأسلم ليمنح كذبته شرعية جماعية.

لكنه مع الوقت يبتلع القناع نفسه حتى يفقد القدرة على رؤية وجهه الحقيقي. ولهذا يبدو موته داخل مرحاض القسم المحترق لحظة تعرية قاسية؛ نهاية رجل عاش حياته متخفياً خلف خطاب الطهارة والبطولة، لينتهي في أكثر الأمكنة عرياً وابتذالاً.

والرواية لا تدينه وحده، بل تدين أيضاً المجتمع الذي يحتاج دائماً إلى “بطل مزيف” يختبئ خلفه.

​حمزة: حكيم القاع

حمزة ليس مجرد زبال، بل شاهد سفلي على العالم. يعيش وسط مخلفات البشر، ولذلك يعرف حقيقتهم أكثر مما يعرفون أنفسهم. القمامة بالنسبة له ليست نفايات، بل بقايا حيوات؛ أدلة سرية على هشاشة الناس وخوفهم وأكاذيبهم.

ورغم خشونته الظاهرة، يمتلك حساسية إنسانية نادرة. علاقته بكلبه، وخوفه من الفضيحة، وارتباكه العاطفي مع نعيمة، كلها تكشف عن روح تحاول النجاة داخل عالم فقد معناه الأخلاقي. إنه يبدو أحياناً أكثر إنسانية من الشخصيات “المحترمة” التي تدعي الطهارة.

​نعيمة وغناوي وكريمة: الجسد كقدر اجتماعي

نساء الرواية لا يظهرن كظلال باهتة للرجال، بل ككائنات تحمل تاريخاً معقداً من القهر والرغبة والخذلان.

نعيمة تبدو كأنها تعيش داخل منفى جسدي دائم؛ جسد لا يمنحها الخلاص بقدر ما يورطها أكثر في الشعور بالذنب والجوع العاطفي. رغبتها ليست نزوة عابرة، بل محاولة لاستعادة إحساسها بالحياة.

أما غناوي، فتجسد الصلابة الشعبية التي تتخفى خلف التعب اليومي، بينما تبدو كريمة واحدة من أكثر شخصيات الرواية مأساوية؛ امرأة أغواها حلم “الولد الذكر”، فانتهى بها الأمر إلى طفل مشوه وحياة مشوهة معه.

​شهد: الجسد الذي احترق صامتاً

شهد، الابنة الخرساء البكماء التي أحرقت نفسها، تبدو واحدة من أكثر صور الرواية قسوة وشاعرية. إنها ليست مجرد شخصية ثانوية، بل استعارة حية لوطن فقد صوته، ولجمال هش لم يجد من يحميه من الحريق.

احتراقها يبدو وكأنه الذروة الرمزية لكل ما يحدث في الرواية؛ الجسد الصامت الذي التهمته النار لأنه لم يجد لغة يصرخ بها.

 

 

 

بلاغة الحواس المجهدة …

 

 

لغة الرواية من أبرز عناصر قوتها الفنية؛ فهي لا تكتفي بأن تكون أداة للسرد، بل تتحول إلى نسيج عضوي يلتصق بعالم الرواية التصاقاً كاملاً. سمير فوزي يكتب بلغة تمتلك خشونة الشارع، لكنها في الوقت نفسه مشبعة بحساسية شعرية خافتة، كأن الجمل خرجت من قلب العتمة نفسها. ليست لغة متأنقة أو متباهية ببلاغتها، بل لغة تعرف جيداً طبيعة العالم الذي تنتمي إليه؛ عالم مترب، رطب، ومشحون بروائح العرق والقمامة والمطر والقلق.

الجمل تبدو أحياناً قصيرة ومتوترة كأنها أنفاس متقطعة لشخص يركض في ممر معتم، ثم تعود فتتمدد ببطء لتغوص في التدفقات النفسية للشخصيات، مانحة القارئ إحساساً بأنه لا يقرأ الأحداث فقط، بل يعيشها حسياً وعصبياً. ولهذا تصبح اللغة هنا امتداداً للحالة النفسية، لا مجرد وسيلة لنقلها.

الكاتب ينجح في تحويل الحسي إلى لغة؛ الرائحة، البلل، الحرارة، الظلام، خشونة الجدران، صوت الأقدام، ارتعاشة اليد، كلها تتحول إلى مكونات أساسية في بناء الجملة السردية. القارئ لا يرى المكان فقط، بل يكاد يلمسه ويشمه. حتى القذارة نفسها لا تُقدَّم بوصفها “تفصيلاً واقعياً”، بل كجزء من المناخ الوجودي للرواية؛ كأن العفن يتسلل إلى اللغة ذاتها.

نجح الكاتب على منح كل شخصية قاموسها الخاص ونبرتها الداخلية المختلفة. فلغة حمزة مثلاً تبدو حادة وخشنة ومشبعة بمفردات الهامش، لكنها تحمل أحياناً حكمة فطرية صادمة. أما لغة إبراهيم المخبر، فتأتي مثقلة بإحساس دائم بالتهديد والسيطرة، كأن الكلمات نفسها تحاول فرض الهيمنة. في المقابل، تحمل لغة نعيمة توتراً حسياً واضحاً؛ لغة تتحرك بين الكبت والرغبة والخوف، بينما يبدو خطاب الشيخ جمعة متورماً ومتعالياً ومشبّعاً بالنبرة الخطابية التي تخفي هشاشته الداخلية.

هذا التعدد اللغوي لا يبدو استعراضاً تقنياً، بل ضرورة فنية؛ فالرواية قائمة أساساً على فكرة تشظي الحقيقة، ولذلك لا يمكن أن تتحدث الشخصيات جميعاً بالصوت نفسه. كل شخصية تمتلك إيقاعها النفسي، وطريقتها الخاصة في رؤية العالم، وحتى صمتها المختلف.

 

كما يمتلك سمير فوزي قدرة لافتة على بناء المشهد السردي بطريقة سينمائية؛ فهو لا يكتفي بوصف الحدث، بل يلتقط التفاصيل الصغيرة التي تمنح المشهد كثافته الإنسانية: يد ترتجف فوق سيجارة، قطرات ماء تنزل من جدار محترق، ظل يتحرك في ممر ضيق، نفس متقطع في لحظة خوف، أو نظرة عابرة تكشف أكثر مما تقوله الحوارات الطويلة. ولهذا يشعر القارئ أحياناً أنه لا يقرأ رواية فقط، بل يشاهد فيلماً سينمائيا.

حتى الحوار يأتي محملاً بحيوية خاصة؛ بعيداً عن التصنع الأدبي أو الجمل المصقولة بشكل مبالغ فيه. الشخصيات تتحدث كما لو أنها تُسمَع بالفعل داخل حارة شعبية أو في مقهى أو داخل قسم مهجور. وهذا ما يمنح الرواية صدقها السمعي والبصري؛ فالعالم هنا لا يبدو “مكتوباً”، بل معيشاً.

واللافت أيضاً أن الكاتب يعرف متى يصمت. فثمة لحظات يترك فيها الفراغات والسكوت والتلميحات تقوم بالدور الأكبر، وكأن ما لا يُقال في الرواية أكثر رعباً مما يُقال. لهذا تبدو اللغة أحياناً مثل باب موارب هي الأخرى؛ لا تكشف كل شيء دفعة واحدة، بل تترك القارئ يتلمس العتمة بنفسه.

​تعدد الأصوات وانهيار اليقين …

تعتمد الرواية على “تعدد الأصوات” بوصفه بنية جوهرية لا مجرد حيلة فنية. أربعة عشر صوتاً تتجاور وتتقاطع وتتعارض، بحيث تتحول الرواية إلى فسيفساء من الاعترافات الناقصة والذكريات المرتبكة والحقائق المشوهة. لا توجد حقيقة واحدة صلبة يمكن الإمساك بها؛ كل شخصية تروي العالم من زاويتها الخاصة، وتعيد تشكيله وفق خوفها أو رغبتها أو وهمها الشخصي.

ولهذا لا يبدو السرد في الرواية خطاً مستقيماً، بل شبكة من المرايا المتكسرة؛ كل مرآة تعكس جزءاً من الحقيقة، لكنها في الوقت نفسه تخفي أجزاء أخرى. القارئ لا يحصل على اليقين الكامل أبداً، بل يظل عالقاً داخل منطقة رمادية كثيفة، تشبه تماماً الحالة الأخلاقية للشخصيات.

هذه التقنية لا تمنح الرواية فقط ثراءً سردياً، بل تكشف أيضاً عن رؤية فلسفية عميقة؛ فالحقيقة في هذا العالم ليست شيئاً ثابتاً، بل بناء هش تصنعه السلطة والذاكرة والرغبة والخوف. الجميع يكذب بطريقة ما، حتى حين يظن أنه يقول الحقيقة. الجميع يعيد كتابة حياته بما يسمح له بالبقاء النفسي.

ولهذا تبدو الاعترافات في الرواية ناقصة دائماً؛ الشخصيات لا تكشف نفسها بالكامل، بل تمنح القارئ أجزاء مبتورة من ذواتها، كأن كل شخصية تخشى أن ترى وجهها الحقيقي كاملاً. حتى التدفقات الداخلية لا تأتي بوصفها اعترافاً صافياً، بل باعتبارها ساحة صراع بين ما تريد الشخصية قوله وما تخشى الاعتراف به.

واحدة من أكثر طبقات الرواية عمقاً هي علاقتها بالعفن؛ ليس العفن المادي فقط، بل الأخلاقي والنفسي والاجتماعي. كل شيء هنا يبدو متآكلاً من الداخل: العلاقات، الخطابات الدينية، البطولة، السلطة، وحتى الحب.

القمامة تتجاور مع الرغبة، والدين مع الكذب، والسلطة مع العجز، والحنان مع العنف. وكأن الرواية تكشف أن المجتمع لا ينهار فجأة، بل يتعفن ببطء من الداخل، بينما يواصل التظاهر بأنه بخير.

حتى الشخصيات التي تبدو “صالحة” نسبياً تحمل داخلها قدراً من التواطؤ أو الضعف أو الخوف. لا أحد بريء، لأن الجميع يعيش داخل بنية مشوهة تضطره إلى الكذب أو الصمت أو المشاركة في الخراب بطريقة ما.

ومع ذلك، لا تتحول الرواية إلى عمل عدمي بارد. فعلى الرغم من هذا السواد الكثيف، ثمة حنان خافت يمر بين السطور؛ حنان تجاه الشخصيات رغم سقوطها، وتجاه هشاشتها الإنسانية، وتجاه محاولاتها المرتبكة للبحث عن معنى أو دفء أو نجاة.

حمزة وهو يعتني بكلبه، نعيمة وهي تبحث عن لحظة حياة داخل زواج ميت، إبراهيم في ضعفه الخفي، وحتى الشيخ جمعة في خوفه الداخلي من انكشاف زيفه؛ جميعهم يبدون ككائنات تتخبط داخل خراب أكبر منها.

ولعل هذا ما يمنح الرواية قوتها الحقيقية؛ فهي لا تدين شخصياتها من برج أخلاقي مرتفع، بل تنظر إليهم بوصفهم ضحايا وجلادين في الوقت نفسه، بشراً أنهكتهم الحياة حتى صاروا يحملون خرابهم داخل أجسادهم.

 

 

محاولة النجاة …

لا تبدو كل الأبواب مواربة رواية عن جثة مجهولة في قسم محترق بقدر ما تبدو رواية عن مجتمع كامل يعيش بأبواب نصف مغلقة؛ أبواب تخفي خلفها الخيانة، والرغبة، والعنف، والوحدة، والخوف من الفضيحة، والرغبة المستميتة في النجاة.

إنها رواية عن البشر حين يفقدون يقينهم القديم، ويجدون أنفسهم عالقين داخل عالم لم يعد واضح الحدود أخلاقياً أو إنسانياً. الجميع هنا يحاول النجاة بطريقته الخاصة؛ بالكذب، أو بالصمت، أو بالرغبة، أو بالسلطة، أو بالاختباء داخل قناع ديني أو بطولي أو عاطفي.

لكن الرواية تطرح سؤالاً أكثر قسوة :

هل النجاة ممكنة فعلاً داخل عالم متآكل إلى هذا الحد؟ أم أن الشخصيات لا تفعل سوى تأجيل سقوطها الأخير؟

سمير فوزي لا يمنح قارئه إجابات جاهزة، بل يتركه داخل هذه المنطقة المواربة نفسها؛ المنطقة التي تختلط فيها الحقيقة بالوهم، والرحمة بالقسوة، والحب بالخوف، والإنسان بخرابه الداخلي.

ولهذا تبقى الرواية بعد انتهائها مثل رائحة عالقة في الذاكرة؛ لأنها لا تتحدث عن شخصيات بعيدة عنا، بل عن هشاشتنا نحن، وعن الخراب الصامت الذي نحمله داخلنا ونخفيه خلف وجوه مرتبة وأبواب موصدة نصف إغلاق.

إنها رواية تذكّرنا بأن النجاة ليست لحظة نهائية، بل محاولة يومية شاقة؛ محاولة لأن يظل الإنسان إنساناً، حتى وهو يعيش وسط عالم يتآكل ببطء، مدينة لا ترحم الضعفاء، وذاكرة لا تكف عن الاشتعال.

 

 

مقام ..

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *