يا بمبة كشر يا لوز مقشر ! ..

2

في القاهرة القديمة، حين كانت المدينة لا تزال تتنفس على ضوء المشاعل لا الكهرباء، وحين كان الليل يُقاس بصوت العوالم لا بعقارب الساعات، خرجت امرأة اسمها بمبة كشر من قلب القرن التاسع عشر لتربك العلاقة كلها بين الفن والشارع والسلطة.
لم تكن أجمل راقصات عصرها بالمعنى التقليدي، ولم تكن الأكثر غنجاً أو خفة. كان هناك دائماً من ينافسها في الرشاقة أو الطرب أو الشباب. لكن أحداً لم يمتلك تلك “الهيبة الغامضة” التي كانت تسبقها أينما ظهرت؛ ذلك الإحساس بأن امرأة لا تدخل المكان بقدر ما تغيّر درجة الهواء فيه.
كانت القاهرة تعرف وصول بمبة قبل أن تراها.
الحنطور أولاً. ثم المشاعلية. ثم القبضايات الذين يفتحون الطريق. ثم الرائحة الثقيلة للعطور الشرقية والحرير والعرق والليل. ثم تلك الجلبة الشعبية التي تشبه الهتاف:
“يا بمبة كشر يا لوز مقشر”.
كأن المدينة كلها كانت تتسلى بفكرة أن امرأة تستطيع أن تتحرك بهذا القدر من السطوة دون أن تكون أميرة أو زوجة باشا أو ابنة قصر.
وهذا تحديداً ما جعل بمبة ظاهرة مربكة.
فهي جاءت من منطقة ملتبسة اجتماعياً؛ لا تنتمي تماماً إلى الهامش، ولا تستقر داخل الطبقة الأرستقراطية التي خرجت منها. كانت ابنة بيت يعرف الثراء والقراءة والوجاهة، وفي الوقت نفسه امرأة ستصبح الاسم الأكثر لمعاناً في عالم العوالم والموالد والسهرات.
ثمة شيء مملوكي بقي فيها.
ليس في الدم وحده، بل في طريقة النظر، وفي ذلك الكبرياء البارد الذي لا يشبه المرح الشعبي المعتاد عند راقصات زمانها.
حتى رقصها لم يكن “لعوباً” بالمعنى الشائع.
كانت تتحرك ببطء محسوب، كأنها لا ترقص لإمتاع الجمهور فقط، بل لاختباره أيضاً.
الجسد عند بمبة لم يكن خفيفاً أو مندفعاً أو متكسراً. كان ممتلئاً بحضور كثيف، حضور يجعل أقل التفاتة تبدو كأنها حدث مستقل.
ولهذا لم تكن الصينية فوق رأسها مجرد حيلة استعراضية.
كانت إعلاناً عن نوع نادر من السيطرة.
الراقصات الأخريات كنّ يقدمن الحركة. أما بمبة فكانت تقدم “الثبات داخل الحركة”.
الخصر يشتعل بالإيقاع، بينما الرأس ساكن كأنه خارج العرض كله.
كأن جسدها مقسوم إلى امرأتين: امرأة تهتز، وأخرى تراقب من علٍ ببرود عثماني قديم.
وحين نقرأ الحكايات القديمة عن الكؤوس المليئة بالذهب فوق الصينية، يصعب أحياناً التفريق بين الحقيقة والأسطورة. لكن المهم ليس دقة التفاصيل بقدر ما تكشفه تلك الروايات عن صورة بمبة داخل المخيلة الشعبية.
لقد أراد الناس أن يصدقوا أن هذه المرأة لا ترقص إلا والذهب فوق رأسها.
وحدها هذه الفكرة تكفي.
كان عصرها عصر المقارنات الحادة.
شفيقة القبطية مثلاً بدت أقرب إلى اللهب: خفة، لمعان، رشاقة جارحة، شيء يشبه الشرارة التي تقفز ثم تختفي.
أما بمبة فبدت كأنها مصنوعة من مادة أبطأ وأثقل وأكثر رسوخاً.
إذا كانت شفيقة تشبه رقصةً، فإن بمبة كانت تشبه موكباً.
ولهذا ارتبط اسمها دائماً بفكرة “الدخول”.
دخولها إلى الأفراح. إلى السرادقات. إلى الشوارع. إلى الذاكرة.
حتى بيتها لم يكن مجرد بيت راقصة.
كان مكاناً تعبر خلاله القاهرة نفسها: مطربون، ملحنون، سياسيون، أعيان، سكارى، مريدون، نساء فضوليات، رجال يبحثون عن المتعة أو النفوذ أو مجرد الحكاية.
في زمن الاحتلال البريطاني، حين صار كل تجمع بشري مثيراً للريبة، تحولت حفلات الزار التي تقيمها إلى مساحة تختلط فيها الموسيقى بالنميمة بالسياسة دون فواصل واضحة.
كانت تعرف كيف تجعل الفن ستارة شفافة لما هو أبعد من الفن.
ولعل هذا ما يفسر تلك الواقعة الشهيرة حين فرشت شارع الموسكي بالسجاد احتفالاً بعودة سعد زغلول.
المشهد نفسه يبدو اليوم أقرب إلى لقطة سينمائية:
شارع كامل مفروش بالأقمشة الفاخرة، الجماهير، الصخب، والمرأة التي تدفع ثروة كاملة كي يتحول الطريق إلى احتفال.
كأنها لم تكن تستقبل زعيماً سياسياً فقط، بل تستعرض أيضاً قدرتها على تحويل المدينة إلى مسرح مؤقت.
وقد امتلكت بمبة، على عكس كثيرات من جيلها، حدساً مبكراً تجاه الصورة.
فهمت بسرعة أن الرقص يختفي بمجرد انتهاء الموسيقى، وأن الجسد مهما بلغ سحره سيتحول لاحقاً إلى ذكرى مرتبكة في أفواه الناس.
لهذا اقتربت من السينما الصامتة في سنواتها الأخيرة.
ظهورها في أفلام مثل ليلى وبنت النيل لم يكن مجرد محاولة متأخرة للحضور، بل رغبة في ترك أثر مرئي قبل أن يبتلعها الزمن مثلما ابتلع عشرات الراقصات اللواتي لم يبقَ منهن سوى أسماء باهتة.
كانت تدرك — بغريزة حادة — أن الكاميرا ليست اختراعاً للتسلية، بل مصيدة للوقت.
وحين ننظر إلى صورها اليوم، يبدو وجهها بعيداً تماماً عن الصورة النمطية للراقصة الشرقية كما استقرت لاحقاً في السينما.
لا ذلك الجمال الناعم الذي عرفته الأربعينيات، ولا الإغراء الأوروبي الملمع، ولا الأنوثة الخفيفة التي ستأتي مع الكباريهات الحديثة.
في ملامحها شيء صلد. شيء يخص نساء القرن التاسع عشر.
نساء يشبهن الأبواب الخشبية الثقيلة، والستائر السميكة، والبيوت التي تُضاء بالفوانيس.
حتى ابتسامتها نادرة.
كأنها كانت تعرف أن الغموض أكثر بقاءً من البهجة.
ثم فجأة تقريباً، ينطفئ كل شيء.
المرأة التي جعلت القاهرة تفسح لها الطريق، والتي عاشت وسط الذهب والضوء والطبول، بدأت تنسحب ببطء من المشهد.
لا سقوط درامياً، ولا فضيحة كبرى، ولا نهاية ميلودرامية تصلح للحكايات.
فقط نوع من الابتعاد الهادئ.
كأن الجسد الذي قضى عمره كله تحت العيون قرر أخيراً أن يختفي منها.
وربما لهذا تبدو بمبة كشر، حتى اليوم، عصية على التصنيف الكامل.
هي ليست مجرد راقصة شعبية، ولا مجرد سيدة مجتمع، ولا مجرد أسطورة فولكلورية من زمن الطرب القديم.
إنها واحدة من تلك الشخصيات التي يصعب الإمساك بها لأن نصفها يعيش في التاريخ، والنصف الآخر يعيش في الخيال الشعبي.
مقام …

عرض أقل

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *