نعيمة عاكف.. انسكابُ الضوء في جَسدِ الحِكاية …

7

ثمة أرواحٌ لا تولد لتمشي على الأرض، بل لتعبر فوقها كخيط برقٍ، تترك خلفها دهشةً لا يمحوها الزمن.
نعيمة عاكف (1929 – 1966) لم تكن مجرد فنانة استعراضية حاصرتها الأضواء، بل كانت “تجلياً” فريداً لجسدٍ قرر أن يتحول إلى قصيدة مكتوبة بالحركة، وصوتٍ يتردد صداه في وجدان الفن المصري كأنبل ما يكون الانكسار والانتصار في آنٍ واحد.
من مهد المخاطرة: طفولةٌ نُسجت من حبال السيرك
في مدينة طنطا، وفي 7 أكتوبر 1929، ولدت نعيمة لترث المخاطرة قبل الفن.
في “سيرك أولاد عاكف”، حيث كان الهواء هو المسكن الوحيد، تعلمت أن الجسد ليس كتلة صماء، بل طاقة قابلة للتحليق.
هذه الفطرة الأكروباتية منحت رقصها خفة تشبه انعدام الوزن. لم تكن ترقص بأطرافها، بل كانت تنزلق في الفراغ كأنها جزء منه.
في عينيها، نظرة لا تستقر على ملموس، تشخص دوماً نحو “الأعلى”؛ ربما حنين لأسلاك السيرك العالية، أو تطلع لروح لم يجد الكادر السينمائي ما يستوعب شساعة أحلامها.
1949 .. العام الذي فتح فيه “الكادر” ذراعيه ..
بعد سنوات من التنقل بين المسارح في شارع عماد الدين، وتحديداً في ملهى “الكيت كات”، جاء اللقاء الفاصل بالمخرج حسين فوزي.
في 1949 قدمها للسينما في فيلم “عيش وملح”، لتبدأ رحلة فنية وزوجية أثمرت عن 15 فيلماً شكلت العصر الذهبي للفيلم الاستعراضي المصري.
من “لهاليبو” (1949) إلى “بلدي وخفة” (1950)، وصولاً إلى “فتاة السيرك” (1951)، لم تكن نعيمة مجرد بطلة، بل “الحالة” التي يلتف حولها النص.
كانت أول فنانة مصرية تكسر النمط التقليدي للراقصة لتقدم الاستعراض الشامل: تمثيل، غناء، ورقص (كلاكيت، باليه، شعبي) في مزيج عبقري لم يتكرر.
برلين 1957: حين انحنى العالم لسمراء النيل ..
في 1957، وخلال مهرجان الشباب العالمي ببرلين، مثلت مصر وسط وفود من 50 دولة.
حصدت لقب “أحسن راقصة في العالم”، متفوقة بصدق أدائها وانسيابية حركتها على مدارس رقص عالمية.
شعرها الطويل المنساب خلفها كشلال من العتمة الصافية منح حركتها ثقلًا درامياً، وحولها من فنانة فرجة إلى أيقونة وطنية عابرة للقارات.
الثوب كذاكرة ملموسة و”مجاز للحركة”
ملابسها الاستعراضية لم تكن مجرد زي، بل أقمشة موشاة بالتطريز والخيوط اللامعة تعيد صياغة انحناءات جسدها لتجعل منه أيقونة مصرية بامتياز.
في تفاصيل الزي، نلمس روح الحارة التي لم تغادرها أبداً.
حين ترفع ذراعها في وضعية القوس المكمل فوق الرأس، لا ترسم شكلاً جمالياً فحسب، بل توثق لحظة صعود إنساني، لحظة “التجلي” التي ينسى فيها المشاهد اسم الراقصة ليواجه الفن في صورته الخام.
الشعر الطويل: غواية السكون وحركية الليل
شعرها الطويل ليس مجرد زينة، بل مدى بصري يمنح حركتها ثقلاً درامياً؛
انسياب الخصلات السوداء مع كل انحناءة لجسدها يخلق إيقاعاً موازياً للموسيقى، حركة داخل الحركة، وسكوناً يلف الارتعاش.
هي لا تؤدي نمرة للمشاهدة، بل تعيش حالة من التوحد مع الذات، حيث يصبح الشعر الطويل الستار بين العلانية وخلوتها الفنية الخاصة.
صلاة الجمال المُنتهى
قيمتها تكمن في قدرتها على التنقل بين الفنون دون فقد هويتها.
من رقصة الكلاكيت الغربية، إلى الرقص التعبيري، وصولاً إلى الرقص الشرقي بعمقه الوجداني، دون أن يشعر المشاهد بأي فجوة.
هي المصب الذي تلتقي فيه كل هذه الجداول.
1966: الرحيل الهادئ والبقاء الأبدي ..
في 23 أبريل 1966، غادرت نعيمة عاكف دنيانا عن عمر 37 عامًا بعد صراع مع المرض.
رحلت بجسدها، لكنها تركت “مقاماً فنياً لا يطال النسيان”.
نعيمة عاكف ليست مجرد “راقصة”، بل ظاهرة استثنائية في تاريخ الفن المصري، تجمع بين مهارات السيرك، الباليه، الرقص الشرقي، والتمثيل الدرامي والغناء.
جسد عرف كيف يكتب تاريخه الخاص بنَبض القلب قبل حركة القدم، وصوت ظل صداه ينعكس في وجدان كل متتبع لمسيرة الفن.
فريق مقام ..

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *