تشريح الروح في زمن الحرب .. قراءة نقدية في رواية حجر الضحك لهدى بركات …

4

​ الحرب كمعمل لإنتاج المسوخ ..
​في المشهد الروائي العربي الذي تشكّل على إيقاع التحولات السياسية والعنف الاجتماعي، تبرز رواية “حجر الضحك” (1990) لهدى بركات بوصفها نصاً استثنائياً. لم تكن الكاتبة تسعى لتوثيق الحرب الأهلية اللبنانية كحدث تاريخي، بل سعت لتشريح “مخبري” لما يفعله العنف بالنسيج النفسي للإنسان. إنها رواية عن الهشاشة في مواجهة الصلابة، وعن الذات التي تحاول الاختباء خلف “ممسحة تنظيف” لتتقي شظايا الانفجار الخارجي.
​ جغرافيا الخوف.. بيروت من الفضاء إلى النفس
​لا تظهر بيروت في الرواية بوصفها جغرافيا واضحة المعالم، بل كحالة نفسية متوترة. المدينة هنا “مرآة للقلق”؛ الشوارع ليست مجرد مسارات، بل هي كمائن محتملة.
​انحسار العالم: يتقلص عالم البطل “خليل” ليصبح البيت هو قلعته الأخيرة. هذا الانحباس المكاني يعكس الرغبة في السيطرة على جزء صغير من الواقع بعد فقدان السيطرة على العالم الخارجي.
​أدب التفاصيل: براعة هدى بركات تكمن في تحويل الحرب إلى “تفاصيل يومية”: رائحة البارود الممتزجة برائحة القهوة، وأصوات الرصاص التي تصبح خلفية موسيقية رتيبة. هذا “التطبيع مع العنف” هو ما يجعل الرواية مرعبة في واقعيتها.
​ خليل.. بطل الهشاشة واختراق النمط الذكوري
​يعد “خليل” من أكثر الشخصيات إشكالية في الأدب العربي المعاصر. فهو “بطل مضاد” (Anti-Hero) بامتياز:
​رفض الرجولة الحربية: في زمن تُمجّد فيه البندقية، يختار خليل “الأنوثة السلوكية” (الطبخ، التنظيف، العناية بالتفاصيل الجمالية). هذا ليس ميلاً جندرياً بقدر ما هو احتجاج أخلاقي على “الذكورة” التي ارتبطت بالقتل والدمار.
​الاغتراب الوجودي: يعيش خليل حالة “براءة جريحة”. هو يراقب العالم من ثقب الباب، يحاول أن يظل نقياً، لكن الحرب لا تسمح بالحياد؛ فهي إما أن تقتلك أو تجبرك على أن تشبهها.
​ رمزية “حجر الضحك”.. قناع الموت البارد
​العنوان هنا هو المفتاح الفلسفي للنص. مستمد من أسطورة “الحجر الذي يقتل صاحبه ضحكاً”، ويشير في الرواية إلى
​التحجر العاطفي: حين يتجاوز الألم طاقة الاحتمال، تنفجر النفس بضحك هستيري بارد. هذا الضحك هو “قشرة” صلبة تحمي ما تبقى من الروح، لكنها تحولها إلى حجر.
​الانتصار الزائف: في نهاية الرواية، عندما يخرج خليل “الجديد” ضاحكاً، منخرطاً في فساد المدينة وقسوتها، فإنه يعلن انتصار الحرب عليه. لقد فقد “هشاشته” الجميلة ليصبح “رجلاً” قبيحاً كالبقية.
​ التفكيك الفني واللغوي
​اعتمدت هدى بركات استراتيجية سردية تعتمد على اللغة الحسية والمونولوج الداخلي
​اللغة كبصمة: الجمل قصيرة، مكثفة، ومشحونة برطوبة الأقبية وروائح المطبخ. اللغة هنا لا تصف، بل “تلمس” القارئ.
​التداخل السردي: يمتزج صوت السارد بوعي خليل المأزوم، مما يجعل القارئ يحبس أنفاسه مع كل قذيفة، ويشعر بالدوار مع كل نوبة ضحك تصيب البطل.
​ الحرب كإعادة صياغة للأخلاق
​تطرح الرواية تساؤلاً مريراً
هل النجاة في زمن الحرب هي سقطة أخلاقية؟
في “حجر الضحك”، النجاة تعني “التكيف”، والتكيف يعني “أن تفقد إنسانيتك”. خليل الذي كان يرتعد لموت قطة، ينتهي به الأمر ضاحكاً وسط الخراب. الرواية إدانة أخلاقية لواقع يجعل من القسوة شرطاً للبقاء، ومن الضحك كفناً للمشاعر.
​مرثية الروح التي انكسرت
​تظل “حجر الضحك” واحدة من أهم الروايات التي شرّحت الذات البشرية تحت ضغط العنف. إنها ليست قصة عن بيروت الجريحة فحسب، بل هي قصة عن كل إنسان يضطر لبيع روحه كي يشتري حياته!. لقد نجحت هدى بركات في تحويل الحرب من حدث سياسي إلى سؤال وجودي: ماذا يتبقى منا حين يضحك الألم؟.
فريق مقام ..

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *