



في “المرسم”، لا نتأمل الأشكال فحسب، بل نبحث عن “المنطق” الكامن وراء الكتلة. واليوم، نفتح دفاتر واحدة من أصعب وأجمل التجارب التشكيلية العربية؛ تجربة الرائدة اللبنانية سلوى روضة شقير. المرأة التي لم تنحت الصخر، بل نحتت “الأفكار” وجعلتها مرئية، وشيدت عمارة فنية تسبق عصرها بعقود.تُعد سلوى روضة شقير (1916 – 2017) حالة استثنائية في تاريخ الفن المعاصر. لم تكن مجرد فنانة تشكيلية، بل كانت “عالمة بصريات” شيدت مدرسة تقوم على وحدة الجوهر؛ حيث تلتقي صرامة الرياضيات بليونة الروح الصوفية، وتتحول الكتلة الصماء إلى كيان حي يتنفس.
عتبة التكوين: الرحلة من بيروت إلى باريس
ولدت سلوى في بيروت عام 1916، وبدأ شغفها الفني يتبلور في وقت مبكر. في عام 1942، بدأت دراستها الفنية الجادة تحت إشراف الفنانين مصطفى فروخ وعمر الأنسي، لكن روحها المتمردة كانت تبحث عما هو أبعد من المحاكاة والواقعية.
جاءت المحطة الفاصلة عام 1948، حين سافرت إلى باريس لتقضي فيها ثلاث سنوات غيّرت مجرى حياتها. التحقت بمرسم الفنان فرناند ليجيه، وانخرطت في قلب حركة “التجريد” العالمية. هناك، لم تكن سلوى مجرد تلميذة، بل كانت عيناً فاحصة؛ حيث شاركت عام 1950 في معارض “صالون الواقعيات الجديدة” (Salon des Réalités Nouvelles)، لتبدأ في صياغة لغتها الخاصة التي لا تشبه أحداً.
ابتكار “النحت التركيبي”
في مرسم سلوى، لم يكن الحجر أو النحاس أو الخشب مجرد خامات؛ كانت تتعامل مع المادة ككيان يحمل طاقة كامنة. في فترة الستينيات، ابتكرت ما نُطلق عليه “النحت التركيبي” أو “المنحوتات التجميعية”، وتحديداً في مجموعتها الشهيرة “قصائد” (Poems).
تميزت هذه الأعمال بخصائص معمارية دقيقة
الوحدة والتعدد: تتألف المنحوتة من قطع منفصلة تتداخل وتتشابك كأحجار البناء، أو كأبيات القصيدة العربية؛ حيث يمكن لكل قطعة أن تستقل بذاتها، لكنها في الجماعة تشكل بنية جمالية متكاملة.
النمو العضوي: تأثرت سلوى بعمق بالهندسة الإسلامية، ليس من باب “الزخرفة”، بل من باب “النمو اللانهائي”. أعمالها تبدو وكأنها ذرات تتكاثر، تعبر عن فلسفة تقول إن الجزء يحمل صفات الكل.
فلسفة الفراغ: حين يتحدث “اللاشيء”
في أعمال سلوى، الفراغ ليس “عدماً”، بل هو جزء أصيل من التكوين. في سلسلتها الشهيرة “خيط” (Thread) التي بدأت العمل عليها في السبعينيات، استخدمت النايلون والنحاس لتخلق توازناً مذهلاً بين الثقل والخفة. كانت تنحت “الفراغ” كما تنحت “المادة”؛ فالثقوب والمساحات المفتوحة داخل منحوتاتها هي التي تمنح العمل أنفاسه، وهي التي تسمح للضوء بأن يصبح جزءاً من العمل الفني.
الانصاف المتأخر: من العزلة إلى “تيت مودرن”
ظلت سلوى تعمل في مرسمها ببيروت لسبعة عقود، صامدة في وجه الحروب والنسيان، بعيداً عن ضجيج “السوق الفني”. كانت ترسم وتنحت لنفسها، وللمعنى الذي تؤمن به. ولم ينتبه العالم لضخامة هذه التجربة إلا متأخراً؛ حين استضاف متحف “تيت مودرن” في لندن عام 2013 معرضاً استعادياً شاملاً لها وهي في السابعة والتسعين من عمرها.
كان هذا المعرض اعترافاً عالمياً بأن سلوى روضة شقير هي رائدة “التجريد العربي” التي استطاعت أن تدمج بين الروحانية الإسلامية والحداثة الغربية في بوتقة واحدة.
مختبر الصنعة: الدرس الذي تركته سلوى
تعلمنا سلوى في “المرسم” أن الفن هو “هندسة الروح”. وأن الفنان الحقيقي هو من يمتلك الشجاعة لتبسيط العالم إلى خطوطه الأولى. أعمالها تظل شواهد على أن التجريد ليس هروباً من الواقع، بل هو غوص في جوهره الأعمق؛ حيث تتحول المعادلة الرياضية إلى “مقام” موسيقي يُرى بالعين.
سلوى روضة شقير لم تترك لنا تماثيل، بل تركت لنا “منطقاً بصرياً”. هي المرأة التي علمتنا أن الحجر يمكن أن يغني، وأن الفراغ يمكن أن يفيض بالمعنى، وأن المقام الفني الرفيع يُبنى بالصبر، والدقة، والإيمان المطلق بأن الفن هو الوجه الجميل للعلم.
فريق مقام…


لا تعليق