المسرح التجريبي والمستقل: ثورة الفضاءات البديلة وتحولات الخشبة العربية…

8

​لم يكن ظهور المسرح التجريبي المستقل في مصر والعالم العربي مجرد رغبة عابرة في التجديد الفني، بل كان بمثابة “بيان تمرد” صاغه المبدعون ضد القوالب الكلاسيكية الجاهزة والهياكل المؤسسية الجامدة. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، انطلقت رحلة البحث عن “الفضاء الثالث”؛ ذلك المساحة التي تقع خارج حدود المسارح الرسمية الفارهة، لتعيد تعريف العلاقة الأزلية بين الممثل والجمهور بلغة بصرية تتجاوز سحر النص المكتوب إلى سحر الحالة الإبداعية الحية.
​مخاض السبعينات: بذور التمرد الأول
​شهدت السبعينات في مصر تحولاً جذرياً في الوعي المسرحي؛ فبينما كان المسرح القومي يواصل تقديم روائعه بأسلوبه الأكاديمي الرصين، بدأت تظهر جماعات مسرحية شابة ترفض “علبة الإيطالي” التقليدية. برزت حينها “جماعة المسرح البديل” التي نادت بكسر الحائط الرابع، وتزامنت معها تجارب رائدة في مسرح الثقافة الجماهيرية قادها مبدعون مثل صالح سعد وعباس أحمد، حيث نزل المسرح إلى القرى والساحات العامة. وفي أروقة الجامعات، بدأت تتشكل ملامح جيل جديد -أمثال لينين الرملي ومحمد صبحي في بداياتهما- آمن بأن المسرح يمكن أن يولد في قاعة ضيقة أو فناء مدرسي بقدر ما يولد على خشبة مجهزة.
​الانفجار التجريبي وعصر الاستقلال
​مع حلول الثمانينات والتسعينات، تحول هذا الحراك إلى تيار جارف. وقد شكل تأسيس “مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي” عام 1988 نقطة تحول مفصلية، إذ فتح نوافذ سحرية أطل منها المسرحيون العرب على تجارب عالمية رائدة مثل تجارب “غروتوفسكي” و”أوجوستو بوال”. في هذه الأجواء، ولدت “فرقة الورشة” عام 1987 بقيادة المخرج حسن الجريتلي، لتصبح حجر الزاوية في المسرح المستقل المصري، حيث أعادت صياغة التراث الشعبي من سيرة هلالية وخيال ظل برؤية حداثية مدهشة.
​وعلى الضفة الأخرى، تحول “مسرح الهناجر للفنون” برئاسة الدكتورة هدى وصفي إلى معمل حقيقي للأفكار الجريئة، ومنه انطلق مخرجون شكلوا وجدان المسرح المعاصر مثل خالد جلال وناصر عبد المنعم. في حين اختارت فرق أخرى مثل “فرقة الحركة” بقيادة خالد الصاوي وخالد صالح أن تكون صوتاً سياسياً واجتماعياً حاداً، معتمدة على التمويل الذاتي والفكر المتمرد الذي يقتات على قضايا الشارع والمدينة.
​الامتداد العربي: من قرطاج إلى بيروت
​لم يكن هذا الزخم التجريبي معزولاً، بل امتد ليشمل العواصم العربية التي كانت تغلي بالرغبة في التغيير. في تونس، تألقت تجربة “المسرح الجديد” مع الفاضل الجعايبي وجليلة بكار، حيث قدما لغة جسدية وسينوغرافية أحدثت صدمة إيجابية في الوعي العربي. وفي لبنان، برزت تجارب روجيه عساف وجواد الأسدي في “مسرح دوار الشمس”، حيث امتزج التجريب بأسئلة الهوية والحروب. أما في المغرب، فقد ذهب عبد الكريم برشيد نحو “المسرح الاحتفالي” مستلهماً طقوس الحلقة الشعبية ليخلق مسرحاً عربياً خالصاً يتحرر من سطوة الموديل الغربي.
​فلسفة الاختلاف والجماليات الجديدة ..
​إن ما يميز المسرح التجريبي المستقل هو فلسفته القائمة على “اقتصاديات الندرة” وتحويلها إلى “ثراء إبداعي”. فبينما يعتمد المسرح الرسمي على الميزانيات الضخمة والفرق الكبيرة والنصوص الكلاسيكية، يرتكز المسرح المستقل على فرق صغيرة مرنة، ونصوص “عرضية” تولد من رحم الارتجال، وفضاءات مهملة كالجراجات والبيوت القديمة التي تتحول بلمسة فنية إلى مسارح نابضة بالحياة.
​وفي الألفية الجديدة، تطور هذا المسار ليدمج الوسائط المتعددة من فيديو آرت وسينما داخل العرض، مع التركيز المكثف على “مسرح الجسد” وتذويب المسافة بين المؤدي والمشاهد، ليصبح الجمهور شريكاً فاعلاً في الحدث المسرحي وليس مجرد متلقٍ سلبي.
​إن المسرح التجريبي المستقل يظل هو الرئة التي يتنفس منها الإبداع العربي؛ فهو ليس مجرد شكل فني، بل هو حالة من الحرية المستمرة، تثبت يوماً بعد يوم أن المسرح الحقيقي يسكن حيثما وجد الممثل الشغوف والجمهور الباحث عن الحقيقة، بعيداً عن الرقابة والنمطية وبيروقراطية المؤسسات.
فريق مقام ..

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *