حكواتي بيروت: المسرح كملاذ أخير ضد الرصاص …

2

​إذا كانت وارسو قد أعادت تعريف المسرح بعد دمار الحرب العالمية الثانية عبر العودة إلى الجسد كمصدر أول للتمثيل، فإن بيروت، بعد انفجار الحرب الأهلية اللبنانية، لم تجد نفسها أمام خيار جمالي، بل أمام سؤال وجودي حاد: هل يمكن للفن أن يعيش في مدينة تموت يومياً؟
​في تلك السنوات، لم تكن بيروت مجرد مدينة تعاني حرباً، بل كانت جغرافيا ممزقة بالمعنى الحرفي، خطوط تماس، قناصون، حواجز طائفية، ذاكرة تُعاد كتابتها بالقوة. في هذا السياق، لم يعد المسرح مؤسسة ثقافية، بل صار كائناً مهدداً بالانقراض.
​هنا يظهر روجيه عساف، ليس كمخرج فحسب، بل كمنظّر عملي لفكرة أن المسرح لا يمكن أن يكون محايداً. منذ أواخر الستينات، كان عساف قد بدأ بالفعل في مساءلة القوالب المسرحية الجاهزة، لكن الحرب دفعت هذه المساءلة إلى أقصاها:
إما أن يتغير المسرح جذرياً، أو يختفي.
​من هذا المفترق، وُلدت تجربة مسرح الحكواتي (حوالي 1977–1978)، ليس كمؤسسة تقليدية، بل كـ”خلية عمل” متنقلة، قادرة على التشكل حسب المكان والظرف. لم يكن هناك مسرح ثابت، ولا جمهور ثابت، ولا حتى نص ثابت. كل شيء كان قابلاً لإعادة التكوين.
​المسرح هنا لم يعد “عرضاً”، بل فعل حضور—أن تجتمع أجساد في مكان واحد، في زمن الخوف، كان بحد ذاته موقفاً.
​العودة إلى “الحكاء” الأول
​حين طرح عساف سؤاله: لماذا لا ننطلق من الحكواتي؟ لم يكن يبحث عن هوية ثقافية بالمعنى الخطابي، بل كان يبحث عن آلية اتصال فعّالة في مجتمع يتفكك.
​الحكواتي، كشخصية تراثية، لم يكن مجرد راوٍ، بل كان:
حافظاً للذاكرة الجمعية
مفسّراً للتاريخ
صانعاً للمعنى داخل الجماعة
​في المقاهي القديمة في بيروت ودمشق، كان الحكواتي يروي سيراً تمتد لليالٍ طويلة، يوقفها عند لحظة توتر، ويعود في الليلة التالية ليكمل. هذا “التعليق” لم يكن مجرد تقنية تشويق، بل كان تمديداً للزمن الجماعي—إبقاء الجماعة في حالة انتظار مشترك.
​ما فعله “الحكواتي” المسرحي هو نقل هذه البنية إلى الخشبة، ولكن مع تحوير جذري ..
لم يعد هناك راوٍ واحد، بل جماعة من الرواة.
ولم تعد الحكاية تراثاً ثابتاً، بل مادة خام تُجمع من الواقع.
​خلال جولاتهم في الجنوب والبقاع، كان أعضاء الفرقة يجلسون مع الناس، يسجلون، يسمعون، يعيدون السؤال. لم يكن الهدف “توثيق” الحكايات، بل تفكيكها وإعادة تركيبها داخل بنية مسرحية.
​في عرض “حكايات 1936” (1979)، الذي استعاد الثورة الفلسطينية الكبرى، لم يكن الماضي موضوعاً للحنين، بل مرآة للحاضر..
كانت الحكاية الفلسطينية تُروى داخل بيروت المشتعلة، فتتداخل الأزمنة:
1936 تصبح 1979،
والثائر يصبح المقاتل،
والاحتلال يصبح وجهاً متعدد الأسماء.
​هكذا تحوّل الحكواتي من ناقل للذاكرة إلى منتج للوعي.
​مسرح “خيمة السيرك” والفضاء المفتوح ..
​حين يُدمَّر الفضاء الرسمي، لا يبقى أمام الفن سوى أن يخترع فضاءه الخاص.
في حالة “الحكواتي”، لم يكن هذا الاختراع نظرياً، بل يومياً، عملياً، وأحياناً خطيراً.
​العرض قد يُقام:
في ساحة قرية مهددة بالقصف
في مدرسة مهجورة
في قبو يختبئ فيه السكان أثناء القصف
أو تحت خيمة تُنصب وتُفكك خلال ساعات..
​هذا التحول جعل “المكان” عنصراً درامياً بحد ذاته.
فالعرض لا يُعاد كما هو—بل يُعاد خلقه وفق:
طبيعة المكان
شكل الجمهور (أطفال، مقاتلون، عائلات)
المزاج العام (خوف، توتر، هدنة مؤقتة)
​في بعض الحالات، كان صوت القصف يتداخل مع العرض، لا كتشويش، بل كجزء من التجربة.
المسرح هنا لا يعزل نفسه عن الواقع، بل يمتصه بالكامل.
​غياب الفصل بين الخشبة والجمهور لم يكن خياراً تجريبياً، بل ضرورة.
الجمهور قريب، يلمس، يعلّق، يضحك، أو ينسحب.
وهذا القرب أنتج شكلاً من المسرح يمكن وصفه بأنه “مسرح التشارك الحي”—حيث لا توجد مسافة آمنة بين المتلقي والحدث.
​حكمة الفقر وجماليات الارتجال ..
​في سياق الحرب، يصبح الفقر شرطاً مادياً. لكن “الحكواتي” حوّل هذا الشرط إلى مبدأ جمالي واعٍ.
​كما عند جيرزي غروتوفسكي، حيث يُختزل المسرح إلى علاقة بين الممثل والمتفرج، اكتشف عساف وفرقته أن كل ما هو زائد يمكن الاستغناء عنه.
لكن الفارق الجوهري أن هذا الاختزال في بيروت لم يكن مختبرياً، بل ميدانياً.
​الممثل هنا كان مطالباً بأن يكون:
راوياً
ممثلاً
موسيقياً أحياناً
ووسيطاً بين الحكاية والجمهور
​الأغراض القليلة المستخدمة لم تكن ديكوراً، بل علامات قابلة للتحول:
قطعة قماش قد تصبح علماً، أو كفناً، أو بحراً.
عصا قد تتحول إلى بندقية، أو عصا شيخ، أو حدّ فاصل بين عالمين.
​الارتجال لم يكن إضافة، بل كان البنية الأساسية.
العرض لا يُحفظ كما هو، بل يُعاد خلقه كل مرة، وفق اللحظة.
وهذا ما جعل كل عرض حدثاً فريداً لا يمكن تكراره.
​هذا “الفقر” أنتج غنى من نوع آخر:
غنى في العلاقة،
في الحضور،
في القدرة على تحويل أقل الإمكانيات إلى أقصى دلالة.
​ حين يصبح الحكي فعلاً سياسياً ..
​في لحظة تاريخية يُعاد فيها تعريف الإنسان وفق طائفته أو موقعه الجغرافي، جاء “الحكواتي” ليعيد تعريفه كـكائن يروي ويُروى.
​الحكي هنا لم يكن فناً وحسب، بل كان:
وسيلة لمقاومة النسيان
أداة لإعادة بناء الذات
مساحة لإنتاج معنى مشترك وسط الانقسام
​حين يجلس الناس معاً ليستمعوا إلى حكاية، فهم—ولو مؤقتاً—يخرجون من تصنيفات الحرب.
وهذا الخروج، مهما كان قصيراً، هو فعل سياسي بامتياز.
​لهذا، لا يمكن فهم تجربة روجيه عساف إلا بوصفها محاولة لإعادة تأسيس “المجتمع” نفسه، لا المسرح فقط.
المسرح كان الوسيلة، لكن الهدف كان أعمق:
استعادة القدرة على الإصغاء، وعلى تخيّل حياة مشتركة.
​في هذا المعنى، لم يكن المسرح أقوى من الرصاص لأنه يواجهه مباشرة،
بل لأنه يعمل في منطقة أخرى تماماً—منطقة المعنى.
​وحين ينجح في ذلك، يصبح الصوت البشري، العاري من كل زينة،
أكثر قدرة على البقاء من أي سلاح.
فريق مقام ..

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *