في مجموعتها القصصية ( مألوف) الصادرة عن دار النسيم ٢٠١٩م تأخذنا الكاتبة ابتهال الشايب إلى عوالم سرية غير مألوفة مستندة على رهان التجريب الذي طغى على جميع قصص المجموعة، إذ تتحول عبره من النموذج إلى التفكيك، ومن النمطية إلى التداعي، ومن الخطية إلى التشظي، ومن السرد المباشر إلى سطوة المنولوج لتخلق عالمها السردي المتفرد الذي ينأي بنفسه عن التقليدية والمباشرة والالتزام.
وسطوة التجريب في هذه المجموعة لا تتوقف عند عنصر سردي دون غيره بل نجد فيه الشخصيات تحمل أبعادا جديدة وسمات مغايرة إذ تظل تابعة لهواجسها وأفكارها المتناقضة، في أساليب رسمها وتوظيفها وكذلك بنيتها الداخلية والخارجية… وتظهر الزمكانية أكثر تحررا ومرونة إذ لا يمكن الإمساك بخط زمنى محدد على طول القصة الواحدة بل تتعدد الأزمنة لا في اعتمادها على الاسترجاع والاستباق والآنية كما هو المعهود بل إن الزمن يتغير فجأة في الحدث الواحد وفي اللقطة السردية الواحدة في عالم أشبه بالفانتازيا ولكن ليست على مستوى المضمون والحكاية بل على مستوى العناصر الفنية في حد ذاتها،،، والمكان هنا لا يشير في أغلب القصص إلى مكان طبيعي بل هو مكان في عقل الشخصيات،، ترسم حدوده الأفكار، وتشكله المخيلة ولكنك تشعر بأن مخيلة الشخصيات هي التي شكلت هذا المكان لا مخيلة الكاتبة… كما أن الأبعاد الوضوعية تأتي أكثر غرابة وتجريبا لأن جميع القصص لا تدعونا إلى حكايات عادية ومضامين مألوفة بل تعتمد الغرابة والإدهاش والعجائبية في عالم يختلط فيه الواقعي بالفانتازي،،، والحقيقي بالمتوهم ولذلك لا يمكن للمتلقي أن يقف على المعنى بشكل قاطع بل تتعد الاحتمالات التأويلية للمعني في القصة الواحدة، إذ تعمد الكاتبة إلى أنسنة الأشياء في جميع القصص والنظر إلى العالم نظرة فلسفية،، باحثة عن ماهيته وكينونته بشكل غير مباشر.
ويربط بين قصص المجموعة رابط البحث عن الحرية… العودة إلى الماهية…. المعاناة…. العالم كما نحياه ونعيشه…. كل ذلك يأتي بشكل ترميزي يميل إلى الغموض كثيرا وكأن الكاتبة تحاول محاكاة العالم من خلال ( تيار الوعي) حيث الذات هي منبع الكتابة،، والتداعي الحر خصيصتها الأسلوبية. فعندما تتحول الرؤية إلى (رؤيا) يصبح الكاتب متوحدا مع الأشياء،،، مع العالم في ضجيجه،،، فيرصد منه ما يلتقي ونفسه ( المأزومة) التي تصطدم بالواقع على حقيقته فنجد رمزية الغرفة الجلدية أو الحائط الجلدي في قصة (عفوية) ما هو إلا إشارة لتلك الذات المأزومة ومعاناتها… وما الفراشات إلا تلك الأحلام التي تراود هذه الذات لتحول بينها وبين ما تجده من واقعها. وإن كان مصير هذه الفراشات – في بعض الأحيان- الموت لأنها تحمل من البراءة والصدق ما يجعلها ضعيفة أمام سطوة العالم وقهره، تقول فيها (فجأة تنمو أربعة حوائط جلدية من حولي، أعيش في غرفة من الجلد أقشعر من إحاطتها أي في بادئ الأمر، لكن تمتلكني الطمأنينة حين أرى الفراشات ….ص١٨) ولكن هذه الفراشات تنكسو وتموت وتتلاشى وكأن الأحلام التي تعيشها الكاتبة كلما اقتربت من التحقق كلما وجدت ما تجده تلك الفراشات من مصير مؤسف ومحزن.
أما قصة (لا شعوري) فهناك تبحث الأشياء عن جدليتها داخل الحياة وعن أنسنتها وقابليتها للتفكير… تبدأ في الثرثرة بالإشارة إلى نفسها ووصف معاناتها ثم ما تلبث أن تتجه للآخرين لتعبر عنهم وتبوح عن أسرارهم (تكونت بعض الشقوق على جسدي، ارتدتني الحوائط منذ زمن، بدأ النمل يغزوها،تلتصق الأحجار بالأرضية فتصير خشنة….ص٢٧) وشخصيات القصة هم المقعد والأظافر وورق الحائط والماكينة وأرضية المنزل وكأن كل شيء داخل هذه الحياة – حتى وإن كان جمادا – يعيش حياته الخاصة،،، يشعر ويرى ويعبث ويحزن ويراقب العالم من حوله في صمت.
وفي قصة (متكلم)تحاول الكاتبة أن تعود إلى الوراء، إلى الماهيات على حقيقتها الأولى بصفائها وطهرها حيث لا أفكار تقيد الذات،،، ولا مرجعيات تسلب هويتها،،، ولا أعراف تتحكم في كينونتها…. فقط هي البدايات… حيث يظهر العالم بصورته الأفلاطونية… وحيث البساطة والنقاء والنظرة الصادقة.
والقصة من خلال رمزية (الزيل) -الذي يتكرر باستمرار موحيا إلي الأفكار والعادات التي تقيد الذات الأنسانية- تبحث بعمق داخل هذه الذات وتعكس توتراتها الداخلية التي تجعلها تنعت نفسها بالفشل تارة والغباء تارة والخوف تارة أخرى،،، ولكن بالرغم من ذلك فهى تؤمن بالبدايات، ب ( الصفحة البيضاء) بالتفكير المجرد لتتخلص من كل ذلك.
إبتهال الشايب: في قصتها (مألوف) تصبح الحقيقة أقوى من أي شيء كما تذكر الكاتبة في عنوان ( يد ٦) من القصة،،، ولعل هذه الجملة هي النقطة المركزية التي يمكن أن نبدأ من خلالها في مكاشفة المضمون الذي أتى مغمورا تحت ركام من العلامات الترميزية متمثلة في ( كلب، ذبابة، نهيق… وغيرها) إذ يبدو أن جميع الأشياء والمخلوقات قد ملت حياتها،،، وراحت تبحث عن طريقة مقنعة للخلاص والنهاية،،، ولعل الموت كان أحد هذه الطرق لأن الحقيقة أصبحت تفرض حضورها، والعالم أصبح – في حقيقته- مملا ورتيبا وجامدا،،، ومن ثم تذكر الكاتبة في عنوان (يد٧) من قصتها قائلة ( لماذا يتركون الأشياء هكذا جامدة؟؟؟ متى ستتحرك وتتكلم….ص٥٤) ولكنها لا تملك بعد كل هذه الأسئلة المبعثرة إلا أن تترك العالم في جدليته وضجيجه وتنظر إلى الحقيقة حتى وإن كانت تبدو في ظاهرها مؤلمة.
أما في قصة (سوداء) تجمع الكاتبة شتات العالم بواسطة ( أنفها) التي تظهر كمحدد إدراكي يمكن من خلاله الوعي بذلك العالم،،، وكأن الأنف هنا تحولت إلى ذات مدركة واعية تتفاعل مع الموجودات والموجودات تتفاعل معها… بل يمكنها الحزن والغضب والثورة والإعياء… هي جزء من كل لكن الكاتبة تجعل هذا الجزء واعيا ومدركا…. وتتكرر نفس التيمة في قصتها الأخيرة (إحمرار) التي تجعل فيها ( الجلد) غير قادر على الإحساس والشعوره لتفقده حقيقته العضوية إشارة منها إلى من لا يمتلكون قيمة الحس.
يمكننا في النهاية الوقوف عند مظاهر التجريب داخل هذه المجموعة القصصية من خلال:
١- تيار الوعي سمة رئيسة لطريقة الحكي.
٢- أساليب السرد تتنوع بين التشظي والتفكيك وعدم السير في طريق منتظم.
٣- طغيان الترميز بشكل يؤدي إلى الغموض في جميع القصص.
٤- يتم تقديم الشخصية من خلال التركيز على البعد السيكولوجي.
٥- تداخل الواقعي مع الفانتازي.
٦- الزمن غير منتظم حتى داخل الحدث الواحد.
٦- المنولوج أبرز الأساليب المعتمدة في رسم الشخصية.
٨- تقسيم القصة إلى عناوين فرعية متعددة.
٨- اعتماد لغة الحياة اليومية بشكل كبير.
٩- تعمية المضامين.
١٠- لا توجد أماكن واقعية على طول المجموعة، والمكان قد يأتي بطلا، ويشترك في تشكيل الشخصيات.
١١- الجسد ليس موضوعيا في المجموعة بل ذاتا مدركة وواعية/ يمثل بطلا في بعض القصص.
١٢- لا توجد نهاية للقصة بل تنتهي عند لحظة سردية ما.
دكتور/ منتصر نبيه محمد
أستاذ الأدب العربي المساعد- جامعة المنيا.




لا تعليق