


في المسرح التقليدي، ظل “النص” هو السلطة المطلقة، والممثل هو “الناطق الرسمي” باسم المؤلف، حيث تنحصر مهمته في إيصال الكلمة المشحونة بالعاطفة عبر الحبال الصوتية. لكن مع بزوغ فجر التجريب في السبعينات والثمانينات، حدثت الانعطافة الكبرى؛ سُحبت السجادة من تحت أقدام “البلاغة اللفظية” لصالح “بلاغة الجسد”، ليتحول الأخير من أداة تنفيذية إلى “نص موازٍ” يشغل الفراغ ويصيغ المعنى، معلناً عصر “الممثل الشامل”.
الجذور الفلسفية: من “النطق” إلى “الأداء الحسي”
بدأت هذه الرحلة بتأثر المسرحيين العرب بنظريات عالمية قلبت موازين الخشبة. استلهم المخرجون العرب مفاهيم “المسرح الأنثروبولوجي” لـ أوجينيو باربا، وتجارب يرزي غروتوفسكي في “المسرح الفقير” الذي يتخلى عن كل شيء ليبقى الممثل وجسده فقط في مواجهة الجمهور.
في مصر والشام وتونس، سأم المبدعون الشباب من “الخطابة” المسرحية التي تشبه الإلقاء الإذاعي، وبحثوا عن “فيزياء الجسد”. لم يعد السؤال: “ماذا يقول الممثل؟” بل “كيف يتنفس؟ كيف يصارع الجاذبية؟ وكيف يعبر بتشنج عضلة أو نظرة عين عن مأساة تعجز عنها عشرات الصفحات من الحوار؟”.
وليد عوني: ثورة “الرقص المسرحي الحديث” (1993)
تمثل سنة 1993 محطة مفصلية في تاريخ المسرح المصري، حين أسس الفنان اللبناني المصري وليد عوني “فرقة الرقص المسرحي الحديث” التابعة لدار الأوبرا. قدم عوني عروضاً ملحمية مثل “تحت الأرض” و”فيلة” و”إيكاروس”، حيث تلاشت الحدود تماماً بين التمثيل والرقص والتشكيل.
في عرض “إيقاع الأجيال”، لم يكن الجسد يتحرك للمتعة البصرية، بل كان “بطلاً تراجيدياً” يجسد صراع الإنسان مع الزمن والسلطة. عوني لم يقدم رقصاً بالمعنى التقليدي، بل قدم “سينوغرافيا بشرية” حيث الممثل هو الديكور، وهو الإضاءة، وهو النص. فتح هذا الباب أمام جيل مثل مناضل عنتر وسالي أحمد لإعادة قراءة كلاسيكيات الأدب (مثل روايات نجيب محفوظ) عبر لغة الحركة فقط.
الجسد كأداة للمقاومة: تجارب تونس والشام
في تونس، كانت تجربة الفاضل الجعايبي وجليلة بكار في “المسرح الجديد” (ثم “فاميليا”) تركز على الجسد “المستباح” أو “المقموع”. في عروض مثل “كوميديا” و”خمسون”، تحول جسد الممثل إلى ساحة معركة سياسية؛ فالحركة العنيفة أو السكون القاتل كانا أبلغ رد على الصمت المفروض اجتماعياً.
أما في سوريا، فقد اشتغل المخرج نضال سيجري وباسم ياخور في عرض “دبلومات” (أواخر التسعينات) على طاقة الجسد الهائلة للسخرية من الواقع السياسي، بينما ذهب أسامة غنم في تجاربه المعاصرة نحو “الجسد اليومي” المنهك، محولاً التفاصيل الفيزيائية البسيطة إلى دراما بصرية معقدة.
4. الممثل “الشامان” وجماليات “المسرح الطقسي”
في المسرح التجريبي، عاد الممثل لميكانيكا الجسد البدائية، فيما يشبه طقوس “الزار” أو الرقصات الصوفية، وهو ما ظهر بوضوح في تجارب فرقة الورشة بقيادة حسن الجريتلي. الممثل لدى “الورشة” ليس مؤدياً لنص، بل هو “حكواتي” يستخدم جسده كله لتمثيل أدوار متعددة في آن واحد، مستلهماً تقنيات “الأراجوز” وخيال الظل، حيث تصبح مرونة الجسد هي وسيلة الانتقال بين الأزمنة والأمكنة.
التحليل الفني: لماذا انتصر الجسد؟
كسر حاجز اللغة: اللغة المنطوقة (الفصحى أو العامية) قد تخلق حاجزاً بين العرض وجمهور من ثقافة أخرى، لكن “لغة الجسد” هي لغة كونية تُفهم في القاهرة كما تُفهم في طوكيو.
السينوغرافيا البشرية: تحول الممثل إلى “قطعة ديكور” حية؛ ففي عروض المخرج محمد أبو السعود، كان الممثلون يشكلون بأجسادهم قطع أثاث أو جدران موحشة، مما منح العرض التجريبي ثراءً بصرياً بميزانيات “فقيرة”.
تحرير المتفرج: عندما يصمت الكلام، يضطر المتفرج لتشغيل خياله وتأويل الحركات بناءً على مخزونه النفسي، مما يحوله من “متلقٍ سلبي” إلى “شريك في صياغة المعنى”.
الخاتمة: الخشبة كفضاء جسدي خالص
إن دراماتورجيا الجسد في المسرح التجريبي المستقل ليست “استعراضاً”، بل هي استعادة لهيبة الممثل في الفراغ. لقد أثبت المبدعون من السبعينات وحتى اليوم، من صالح سعد وصولاً إلى تجارب الشباب في مركز الإبداع الفني، أن المسرح يبدأ حين ينتهي الكلام، وأن الجسد المدرب بوعي هو النص الأبقى والأكثر صدقاً.
فريق مقام ..


لا تعليق