غزالة فلسطين الأبية …

9

​في ركننا هذا، نحتفي بالبنات اللواتي جعلن من أجسادهن جسوراً للحرية، ومن أصواتهن منارات لا تنطفئ. واليوم، نفتح قلوبنا لغزالة الناصرة التي لم تكتفِ بالغناء للأرض، بل صارت هي الأرض بشموخها وصبرها؛ إنها الراحلة الباقية ريم بنا.
​في مدينة الناصرة، ولدت ريم بنا في 8 ديسمبر 1966، لتجد نفسها في بيتٍ مسكونٍ بالقصائد والتمرد الجميل. كان بيتها هو “المقام” الأول الذي تشكلت فيه ذائقتها؛ حيث ترعرعت في كنف والدتها، الشاعرة والمناضلة زهيرة صباغ.
​لم تكن زهيرة أم وحسب، بل كانت “المرآة” التي رأت فيها ريم معنى أن تكون المرأة صوتاً للحق. من قصائد والدتها، تعلمت ريم أن الكلمة أمانة، وأن الفن ليس ترفاً، بل هو “فعل وجود”. هذا الترابط الوجداني بين الأم وابنتها جعل من ريم “امتداداً إبداعياً” لجيل من النساء الفلسطينيات اللواتي لم يكسرهن الحصار، فصارت ريم تغني ما تكتبه زهيرة، لتلتحم الأمومة بالوطن في حنجرة واحدة.
​ من الناصرة إلى كواليس “موسكو” ..
​لم تكن ريم هاوية تسعى للشهرة، بل كانت صوت مدرب يعي ما يفعله، سافرت في الثمانينيات إلى الاتحاد السوفيتي لتدرس التأليف الموسيقي والغناء في المعهد العالي للموسيقى بـ “موسكو” (Gnessin State Musical College). تخرجت عام 1991 مسلحةً بوعي أكاديمي مكنها من التعامل مع التراث الفلسطيني ليس كفلكلور جامد، بل كـ “مادة حية” قابلة للتجديد.
​في موسكو، صقلت ريم رؤيتها الموسيقية، وهناك التقت بزوجها السابق الموسيقي الأوكراني ليونيد أليكسيانكو، الذي شاركها رحلة التوزيع الموسيقي لألبوماتها الأولى، ليخلقا معاً مزيجاً فريداً بين الروح الشرقية الحزينة والإيقاعات العالمية.
​الغناء والتلحين: “التهاليل” والوجع
​تميزت ريم بقدرة مذهلة على التلحين؛ حيث كانت تمنح الكلمة “جسداً” موسيقياً يليق بها. من أبرز محطاتها:
​إحياء الذاكرة: في ألبومات مثل “جفرا” (1985) و”دموعك يا أمي” (1986)، أعادت ريم الروح للتهاليل الفلسطينية القديمة، تلك التي كانت الجدات يغنينها للأطفال، فأنقذت ذاكرة شعب كامل من المحو.
​مرايا الروح (2005): نقطة تحول عالمية؛ حيث تعاونت مع موسيقيين من النرويج، لتمزج صوتها الملائكي بإيقاعات حديثة، مما جعل الأغنية الفلسطينية “عتبة” يعبر منها العالم نحو وجعنا.
​التلحين للشعراء: لحنت لكبار الشعراء مثل محمود درويش وتوفيق زياد، وبالطبع لوالدتها زهيرة صباغ. كانت ألحان ريم تتسم بـ “البساطة العميقة” التي لا تشغل المستمع عن المعنى، بل تأخذ بيده نحو جوهر القصيدة.
​ وعي الجسد في مواجهة المحو ..
​في “بلد البنات”، نتأمل ريم كـ “أنثى واعية” أعادت تعريف مفهوم الجمال والأنوثة في سياق النضال:
​أناقة الهوية: حولت ريم “الثوب المطرز” والوشاح إلى “بيان ثقافي”. لم يكن زياً فولكلورياً، بل كان تأكيداً على “المقام” الفلسطيني في كل مسارح العالم.
​ عندما داهمها السرطان للمرة الأولى عام 2009، ثم عاد بشراسة عام 2015، لم تختبئ ريم. ظهرت برأس حليق، متزينة بأقراطها الكبيرة وابتسامتها العريضة، لتعلن أن “الأنوثة” لا تسكن في خصلات الشعر، بل في إرادة الحياة. حطمت التابوهات الاجتماعية حول المرض، وجعلت من جسدها المتعب “لوحة صمود”.
​فقدان الوتر: في عام 2016، عندما توقف وترها الصوتي الأيسر عن العمل، لم تنهزم. بدأت تجربة موسيقية تعتمد على الإلقاء والشعر، مؤكدة أن “الصوت” فكرة لا تموت بموت الأوتار.
​ الغزالة التي لم تضل طريقها
​رحلت ريم في 24 مارس 2018 بمدينة الناصرة، وتركت وصيتها الأخيرة في ألبوم “صوت المقاومة”. لم ترحل ريم، بل انتقلت من ضيق الجسد إلى رحابة الخلود.
​ريم بنا هي “الغزالة” التي علمتنا أن الأنثى يمكن أن تكون رقيقة كدندنة أم، وصلبة كصخر الجليل. في “بلد البنات”، تبقى ريم هي “الأساس” الذي يذكرنا بأن الفن هو الدفاع الأخير عن الوجود، وأننا حتى حين يغدر بنا الجسد، يمكننا أن نترك “مقاماً” يغني عنه الأبد.
فريق مقام …

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *