في هذا الركن، نفتش عن البنات اللواتي لم يكتفِّ عزمهن بالسير على الطرق الممهدة، بل قررن أن يطرقن أبواباً اعتقد الجميع أنها مغلقة أمامهن. اليوم، نحكي عن لطفية النادي، البنت التي لم يرضِ طموحها بأن يظل مقيدًا بالأرض، ففرد جناحيها وعلت السماء، لتثبت أن الحرية ليست كلمةً مكتوبة، بل قوة حقيقية في قلب من يملك الجرأة ليحلم ويطير.
البيت والحلم .. مواجهة صامتة
وُلدت لطفية في القاهرة عام 1907، في زمن كانت فيه للبنات حدود واضحة: البيت، المدرسة، ثم الزواج. كان والدها رجلاً محبًا لعائلته، لكنه يرى العالم بمنطق عصره، ويطمح لحياة هادئة ومستقرة لابنته. لكن لطفية حملت في قلبها صوتًا آخر، يشتعل كلما رأت طائرة تعبر السماء. لم تكن تريد مجرد المشاهدة، بل أن تكون هي من يقود الطائرة ويختار وجهتها.
مطار ألماظة .. خطوات نحو الحلم …
بدأت لطفية رحلتها خلف الحلم بخطوات صغيرة. عملت سكرتيرة ومشغلة هواتف في مطار ألماظة، لا للعمل نفسه، بل لتقترب من الطائرات وتجمع من راتبها البسيط ثمن دروس الطيران التي كانت باهظة جدًا في ذلك الوقت.
كانت كل يوم تصل المطار وكأنها ذاهبة لعمل عادي، لكن في قلبها كانت تخزن كل معلومة عن المحركات والرياح، وتستمع لكل كلمة تُقال في التدريب. كانت كل لحظة قرب الطائرة بمثابة درس في الحرية، وكل دوار في المحرك يمثل خطوة أقرب إلى السماء.
لحظة التحليق .. القاهرة تحت الأقدام …
في 27 سبتمبر 1933، جلست لطفية بمفردها في كابينة الطائرة. لم تكن تلك لحظة نجاح شخصي فقط، بل ميلاد رمز لامرأة مصرية جديدة. حين ارتفعت فوق القاهرة ورأت مآذنها وبيوتها والنيل يصغر تحت عينيها، شعرت أن كل القيود ومخاوف والدها وكل الكلمات المحبطة ذابت في الهواء.
بهذا التحليق، أصبحت أول امرأة مصرية، وأول امرأة عربية وأفريقية، تحصل على رخصة طيران رسمية، وواحدة من أوائل النساء عالميًا اللواتي طرن منفردات. كانت لحظة تتوج سنوات من الإصرار والصبر والتحدي.
سند البنات .. دعم ومساندة
لم تمر شجاعة لطفية دون أن يلاحظها أحد. تلقت الدعم من رائدة العمل النسائي هدى شعراوي، التي رأت فيها صورة المستقبل لكل بنت مصرية. واحتفت بها كبطلة قومية، وهو ما أعطاها القوة لتواجه رفض والدها، الذي لم يستسلم إلا حين رأى العالم كله يحترم شجاعة ابنته، بل وركب معها الطائرة ليشهد بعينيه حرية الطيران كما تراها هي.
سنوات الغربة والحنين ..
عاشت لطفية سنوات في سويسرا، بعيدًا عن مطار ألماظة الذي شهد انطلاقتها. رغم أنها لم تمارس الطيران كمهنة طوال حياتها، لم تفارقها روح الطيار أبدًا. كانت تحكي عن ذكرياتها في السماء بحنين، وكأن جزءًا من روحها بقي معلقًا بين السحب. رحلت عن عالمنا في 2002 عن عمر يناهز 95 عامًا، تاركة وراءها إرثًا من الشجاعة والحرية لكل بنت تخشى أن تحلم.
قصة لطفية النادي تثبت أن العوائق ليست في نقص الإمكانيات، بل في الخوف من المحاولة. هي البنت التي لم تمتلك المال الكافي، ولم تنل الموافقة بسهولة، لكنها امتلكت الإرادة التي جعلت المستحيل ممكنًا. لطفية تذكرنا دائمًا أننا خلقنا لنرتفع، وأن السماء لم تكن يومًا حكراً على أحد، بل هي ملك لكل من يملك الجرأة ليفرد جناحيه ويطير.
مقام ..


لا تعليق