![]()
يحتاج مجال النشر إلى قدرٍ عالٍ من الثقافة والاطلاع، فالمسألة ليست تجارة كتب بقدر ما هي وسيلة نبيلة لاكتشاف الكتابات الجيدة والمواهب الجادة لنشرها. ومع الأسف، فإن أفضل الروايات وأشهرها وأعلاها مبيعًا قوبلت مخطوطاتها بالرفض في الكثير من دور النشر؛ لمجرد أن الكاتب غير متحقق بدرجة كافية، أو أن الناشر لا يملك بُعد نظر.من بين تلك المخطوطات مخطوطة رواية “الكثيب” للكاتب الأمريكي فرانك هربرت، وهي رواية ملحمية تعتبر أول رواية خيال علمي تهتم بموضوع البيئة، كتبها خلال ستة أعوام، ويُذكر أنه كتب جزءًا منها تحت تأثير مادة مهلوسة تسمى “السيلوسيبين” يتم استخراجها من نوع معين من الفطريات. رفضتها 19 دار نشر، ثم وافقت دار نشر صغيرة في فيلادلفيا تسمى “تشيلتون” على طبعها، وصدرت عام 1965. تعتبر الرواية الآن من كلاسيكيات الأدب العالمي، ومن أكثر روايات الخيال العلمي مبيعًا في العالم، حيث حازت على جائزة “نيبولا” عام 1965، وجائزة “هوجو” عام 1966، كما تحولت إلى فيلم سينمائي عام 1984 من إخراج ديفيد لينش.
مخطوطة أخرى رُفضت من قِبل دور النشر 14 مرة، وهي الخاصة برواية “الشفق” للكاتبة الأمريكية ستيفاني ماير، والتي تدور حول علاقة عاطفية نشأت بين فتاة ومصاص دماء. عانت الكاتبة في نشر عالمها الخيالي المميز، إلا أن الرواية صدرت في النهاية بين عامي 2005 و2008 وحققت شهرة عالمية كبيرة، وتُرجمت إلى 37 لغة، كما فازت بالعديد من الجوائز الأدبية وتحولت إلى سلسلة أفلام سينمائية. بيع من الرواية أكثر من 29 مليون نسخة في عام 2008 وحده، وأُطلق على الكاتبة لقب “كاتبة العام” في الولايات المتحدة، وأصبحت ضمن قائمة أكثر 100 شخصية بارزة في تصنيف مجلة فوربس عام 2009، وكانت في المرتبة 49 في قائمة مجلة “تايم” لأكثر الشخصيات تأثيرًا في عام 2008.
استطاع الكاتب والفيلسوف الأمريكي روبرت بيرسيج أن يحتمل رفض 121 دار نشر بمخطوطة روايته “زن وفن صيانة الدراجات النارية”، والتي تتناول رحلة سائق دراجة نارية وابنه في أمريكا الشمالية؛ وهو عمل يجمع بين السيرة الذاتية والخيال، ويمزج بين صيانة الدراجات البخارية وأسئلة حول القيم والمعاني. تم نشر الرواية فيما بعد عام 1974، وحققت أعلى المبيعات، وحصل بيرسيج على عدد من الجوائز، وانضم لموسوعة جينيس للأرقام القياسية كصاحب أكثر عمل روائي تم رفضه من قبل دور النشر.
تعرضت رواية “النورس جوناثان ليفينجستون” للرفض ما يقرب من 18 مرة، كتبها الروائي والفيلسوف الأمريكي ريتشارد باخ، والذي كان يعمل طيارًا في سلاح الجو الأمريكي. تدور الرواية عن نورس يهوى الطيران، ليس من أجل الطعام بل من أجل المتعة؛ وهو كتاب قصير لا يتجاوز 10,000 كلمة، يحتوي على صور للنورس أثناء الطيران. نُشر في النهاية عام 1973، وحقق نجاحًا مذهلًا، وحاز على إعجاب الصغار والكبار، وبيع منه أكثر من مليون نسخة في عام 1972 وحده، كما حظي باهتمام إعلامي كبير في أوائل سبعينيات القرن الماضي، وإلى الآن تُقدّر مبيعاته على مستوى العالم بأكثر من 30 مليون نسخة.
كانت آن فرانك مراهقة يهودية ألمانية، عاشت في مدينة أمسـتردام الهولندية، وقاست مرارة الاضطهاد النازي بعد الاحتلال الألماني لهولندا أثناء الحرب العالمية الثانية، فاضطرت أن تختبئ مع أسرتها في إحدى الغرف السرية داخل مبنى كان يعمل به والدها. توفيت مع عائلتها بعد أن تم ترحيلها إلى معسكر “بيرغن بيلسن” في ألمانيا، ولم ينجُ سوى والدها “أوتو”، الذي أصر على نشر مذكراتها التي لم تقبلها 15 دار نشر، حتى تمكن في النهاية من نشرها في هولندا عام 1950. تشمل المذكرات حياة الاختباء التي قضتها داخل الغرفة السرية، وصدرت بعنوان “مذكرات فتاة صغيرة”، ولاقت نجاحًا واسعًا، وبيع منها أكثر من 27 مليون نسخة، وأصبحت مصدرًا لعدد من المسرحيات، وتُرجمت إلى 70 لغة.
عندما اطلعت دار نشر “فاسكيل” على مخطوطة رواية “البحث عن الزمن المفقود”، صرحت بأنه بعد قراءة 712 صفحة لم يفهموا شيئًا منها! كذلك دار نشر “جاليمار” ودار نشر “أولندورف” التي ذكرت أنها لم تستطع أن تفهم كيف لرجل نبيل أن يستخدم 30 صفحة لوصف تقلبه في الفراش قبل أن ينام! تحتوي الرواية على جمل تمتد إلى عشرات الأسطر وتأملات عديدة، وهي رائعة لكنها طويلة ومرهقة. في النهاية وافق الناشر برنار جراسيه على نشر المجلد الأول، وطلب من “بروست” أن يتحمل تكاليف النشر والإعلان. فاز المجلد الثاني بجائزة جونكور عام 1919، وأصبحت الرواية من أهم الأعمال الأدبية العالمية.
“بعدما قال تحالف الأغبياء: لا!”ربما يلجأ الكاتب إلى الانتحار نتيجة اليأس الذي يعانيه، وهذا ما حدث مع الكاتب الأمريكي جون كنيدي تول؛ حيث حاول مرارًا البحث عن دار نشر كي تقبل روايته “تحالف الأغبياء” التي تعد الآن من روائع الأدب الأمريكي وتتناول مشكلات المجتمع. بعد 8 سنوات من المحاولات، استنشق تول أول أكسيد الكربون داخل سيارته وتوفي عام 1969، وأكملت والدته مسيرة البحث حتى تمكنت عام 1980 من نشرها لدى جامعة ولاية لويزيانا، وحصلت الرواية (بعد رحيل كاتبها) على جائزة بوليتزر عام 1981.
إبتهال الشايب
“بعدما قال تحالف الأغبياء: لا!”





لا تعليق