تاون هاوس” حكاية الفن من الغرف الضيقة إلى فضاءات الحارة المصرية …

3

​تعد قصة “تاون هاوس” في حارة نبراوي بوسط القاهرة نموذجاً فريداً لنمو الكيانات الثقافية التي تولد صغيرة ثم تتمدد لتملأ الفراغ بالجمال. لم يأتِ المكان دفعة واحدة، بل كان أشبه بكيان حي ينمو عضوياً لاستيعاب أحلام الفنانين واتساع طموحاتهم، محولاً الزقاق الضيق إلى مجرة فنية عالمية.
​البداية .. شقة الطابق الثاني وحلم الورش المستقلة
​بدأت الحكاية في عام 1998 من داخل شقة قديمة في الطابق الثاني بأحد مباني حارة نبراوي. في ذلك الوقت، كان الهدف بسيطاً وعميقاً في آن واحد: إيجاد مساحة للفنانين الشباب بعيداً عن صرامة المؤسسات التقليدية. بدأت هذه الشقة كغرف لعرض اللوحات، لكنها سرعان ما تحولت إلى خلية نحل؛ فكانت الممرات الضيقة تشهد أولى الورش الفنية التي جمعت المبدعين لتبادل الخبرات. كانت هذه “الشقة-الجاليري” هي النواة التي اختبرت قدرة الفن على التعايش مع صخب ورش الميكانيكا في الحارة بالأسفل.
​ الطابق العلوي .. ملاذ المعرفة ومكتبة الصور
​مع زيادة الإقبال واتساع دائرة المهتمين، لم تعد الشقة الأولى كافية. انتقل الطموح إلى الطابق العلوي، حيث تم تخصيصه ليكون رئة معرفية للمكان. هناك وُلدت “مكتبة الصور” ومركز المعلومات، وأصبح هذا الدور مقصداً لكل باحث عن كتب الفن النادرة أو المجلات الثقافية العالمية. تحول هذا الجزء من المبنى إلى مساحة هادئة للقراءة والبحث، مما منح “تاون هاوس” ثقلاً فكرياً بجانب دوره الفني، وأتاح مكاناً مستديماً للندوات الفكرية والنقاشات التي صاغت وعي جيل كامل من النقاد والفنانين.
​3. “المصنع”: حين تمرد الفن على الجدران الضيقة
​أدرك القائمون على المكان أن الفن المعاصر يحتاج إلى مساحات شاسعة، فكانت الخطوة الكبرى بضم “المصنع”، وهو مساحة مخزن قديم ضخم يقع خلف المبنى الرئيسي. هذا التحول كان نقطة فارقة؛ إذ سمح “المصنع” باستضافة أعمال فنية ضخمة، وتجهيزات في الفراغ، وعروض أدائية تتطلب حرية في الحركة. لم يعد الجاليري مجرد غرف، بل صار ساحة مفتوحة للتجريب، مما جعل “تاون هاوس” الوجهة الأولى للمشروعات الفنية الكبرى في المنطقة.
​ “الجراج” .. الفن يلتقي بالشارع وجهاً لوجه
​لم يتوقف التوسع عند حدود المباني، بل امتد ليشمل “الجراج” الموجود في مواجهة المبنى الرئيسي بالحارة. كان انضمام الجراج بمثابة إعلان صريح عن كسر الحاجز بين الفن والجمهور العادي. في هذا الفراغ المفتوح على الحارة مباشرة، أقيمت معارض وعروض كانت تجذب المارّة من أهل الحي والزوار على حد سواء. هذا التدرج في استغلال المساحات كان يعكس رغبة صادقة في استيعاب كافة الطاقات الفنية الممكنة، وتوفير دعم مستدام لمشروعات تبدأ بكرة خيط وتنتهي بمعرض عالمي.
​ الحارة والجاليري.. شراكة إنسانية قبل أن تكون فنية
​ما ميز “تاون هاوس” عبر رحلته هو علاقته الفريدة بأهل المنطقة؛ فلم يكن مكاناً معزولاً، بل كان يفتح أبوابه لأطفال الحارة في ورش رسم وحكي، وكان العمال والأسطوات في الورش المجاورة جزءاً من جمهوره ومساعدين أساسيين في تنفيذ الكثير من الأعمال الفنية المعقدة. هذه العلاقة جعلت من الجاليري كياناً حياً ينمو مع الناس، وأصبح وجوده في الحارة جزءاً من يومياتها الطبيعية، حيث يمتزج عبق القهوة وصوت الراديو بمناقشات الفنانين والزوار من كل أنحاء العالم.
​ التحديات وقدرة مذهلة على البقاء
​عبر سنواته الطويلة، مر “تاون هاوس” بلحظات صعبة جداً؛ من إغلاق اضطراري إلى أزمات قانونية، وصولاً إلى تأثر أجزاء من مكانه القديم بعوامل الزمن التي أدت لهدم جزء منه عام 2016. لكن روح المكان كانت أقوى من أي أزمة؛ ففي كل مرة كان يظن البعض أن الحكاية انتهت، كان الجاليري يعيد صياغة نفسه، مستخدماً المساحات المتبقية أو مبتكراً طرقاً جديدة للتواصل مع جمهوره، ليظل الأب الروحي لكل المساحات الفنية المستقلة التي ظهرت بعده.
تظل تجربة “تاون هاوس” في وسط البلد هي الذاكرة الحية لما كانت عليه القاهرة وما يمكن أن تصبح عليه؛ فلم يكن المكان مجرد جدران صامتة، بل كان مرآةً عكست صدى الأحداث الاجتماعية والسياسية التي مرت بها البلاد طيلة عقود، محولاً تلك اللحظات الفارقة إلى معارض فنية وقصص بصرية حكت وجع الشارع وأحلامه. إنه وعاء يحوي تراثاً إنسانياً يرفض الاندثار، ويستمر في التكيف مع متطلبات العصر دون أن يفقد هيبته التاريخية أو تلك الصلة العميقة والدافئة التي ربطته بالناس وبالوطن.
فريق مقام ..

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *