عباس صلادي .. مروض الأحلام في حضرة مراكش.. قراءة في سيرة الضوء والجنون النبيل…

2

​لم يكن عباس صلادي (1950-1992) مجرد رسام مرّ بذاكرة التشكيل المغربي، بل كان “رائياً” سكن المنطقة الفاصلة بين الحلم واليقظة. في عوالمه، لا يخضع الزمن لقوانين الساعات، ولا تخضع الأجساد لقوانين الفيزياء؛ بل ينساب كل شيء في سديم من الرموز التي تمزج بين القداسة والغرابة. رحل صلادي في ريعان عطائه، تاركاً خلفه “مقاماً” بصرياً لا يدخله إلا من آمن بأن الفن هو المحاولة الأخيرة لترميم شروخ الروح.
مراكش .. الرَّحم الأول ومصدر الإلهام المسكون
​لا يمكن فهم عبقرية صلادي دون استحضار “مراكش”؛ ليس بوصفها مدينة جغرافية، بل بوصفها حالة شعورية مسكونة بالتاريخ والأسطورة. في أزقة المدينة العتيقة، وبين ظلال “جامع الفنا” وصمت الأضرحة، تشربت عينا عباس صلادي مفرداته الأولى.
​عمارة الروح .. استلهم صلادي من المعمار المراكشي أقواسه، ونوافذه، وزخارفه، لكنه أعاد صياغتها برؤية سريالية؛ فجعل الجدران تتنفس، والأعمدة تبدو كأنها سيقان لكائنات سماوية.
​ساحة الفنا في اللوحة: كانت حكايات الرواة (الحلايقية) في الساحة، بأساطيرها عن الجن والكائنات الهجينة، هي المادة الخام التي صبها صلادي في قوالب فنية راقية. مراكش عند صلادي ليست “المدينة الحمراء” فحسب، بل هي “المدينة المسحورة” التي يختبئ خلف كل جدار فيها سرٌّ قديم.
​ العائلة والنشأة .. بين القلق والدعم الدافئ
​نشأ صلادي في أسرة بسيطة بمراكش، وكانت علاقته بعائلته، وخاصة والدته، تمثل الملاذ الأخير لروح قلقة تطاردها الرؤى والهلوسات.
​الصراع مع الغيب .. عانى صلادي من اضطرابات نفسية عميقة جعلته يرى عوالماً لا يراها غيره، وكان لعائلته دورٌ محوري في احتواء هذا “الجنون المبدع”؛ فبينما كان العالم يراه غريب أطوار، كانت أسرته ترى فيه صوفياً يرسم بروح طفل.
​الفن كفعل صمود .. لم يكن الرسم بالنسبة لصلادي ترفاً، بل كان “وصفة علاجية” اقترحها عليه الأطباء في البداية لتفريغ شحنات قلقه، لكنه حول هذه الوصفة إلى صلاة يومية. كان يرسم في بيت العائلة الصغير، محاطاً بدفء الأهل الذي خفف من وطأة “الغربة الوجودية” التي كان يشعر بها تجاه العالم الخارجي.
​ تحليل إحدى لوحاته والتي يمكن عنونتها بشجرة الأرواح ..
​تعد هذه اللوحة نموذجاً مكثفاً لفلسفة صلادي البصرية، حيث يجتمع فيها الموت والحياة، الإنسان والحيوان، في تناغم غريب:
​التكوين والمنظور: يعتمد صلادي هنا على “المنظور المسطح” المستلهم من المنمنمات الإسلامية القديمة، حيث تُلغى الأبعاد الثلاثية ليصبح التركيز على “القيمة الرمزية” لكل عنصر. تتوسط اللوحة شجرة غريبة، أغصانها ليست خشبية بل هي امتدادات لوعي كوني، تحمل ثماراً تشبه الرؤوس البشرية أو الطيور.
​الكائنات الهجينة: نرى في اللوحة أجساداً نسائية رشيقة تنتهي برؤوس طيور (الطاووس أو الهدهد)، وهو استدعاء صريح لمنطق “التناسخ” أو “الاتحاد” بين الكائنات. هذه الكائنات لا تبدو مرعبة، بل تتسم بوقار مدهش وسكينة صوفية، وكأنها في حالة انتظار لحدث عظيم.
​لغة الألوان .. يسيطر اللون “الأوكر” (الترابي المراكشي) مع تداخلات ذكية للأزرق الملكي والأخضر الباهت. الألوان هنا ليست للمحاكاة، بل لخلق “جو مغناطيسي” يجذب عين المشاهد إلى قلب الحلم.
​ السمات الفنية المستفيضة ..
​تتفرد تجربة صلادي بسمات تقنية جعلته “خارج التصنيف” التقليدي ..
​الدقة المجهرية .. يتميز أسلوبه بدقة متناهية في رسم التفاصيل الصغيرة (الزخارف، ريش الطيور، نقوش الملابس)، وهي دقة توحي بصبر الرهبان. هو لا يترك شبراً واحداً في اللوحة دون أن “يؤثثه” بالمعنى.
​سيادة “الخطي” (Linearity) تعتمد لوحاته على الخطوط الواضحة والقوية التي تؤطر الأشكال، مما يمنح أعماله صبغة “أيقونية” تجعلها تبدو كأنها نصوص مقدسة مكتوبة بلغة بصرية غير مفهومة للعامة.
​الفلسفة الجمالية .. صلادي يرى أن الجسد البشري مجرد “وعاء”، لذا فهو يتلاعب بحدوده، يدمجه بالنبات أو يمسخه لطير، ليعبر عن “تحرر الروح” من قيود المادة.
​رحل عباس صلادي في ريعان شبابه، في لحظة كان العالم قد بدأ ينتبه فيها لعبقريته الفذة. لكنه لم يرحل حقاً؛ فقد ترك لنا “مفاتيح” لعالم موازٍ، عالمٍ نستطيع فيه أن نتصالح مع مخاوفنا وأحلامنا الغريبة.
​في منصتنا ، نرفع الستار عن تجربة صلادي لا بوصفه رساماً “غريب الأطوار”، بل بوصفه “عاشق الجمال المطلق” الذي استطاع أن يحول “المرض” إلى “معجزة”، و”العتمة” إلى “نور” يضيء عتمة أرواحنا. إن صلادي هو الدرس الأبقى في أن الفن الحقيقي هو ذلك الذي يولد من رحم المعاناة ليعانق الخلود.
فريق مقام ..

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *