

في تاريخ السينما التسجيلية العربية أسماء كثيرة صنعت أفلامًا جيدة، وأسماء أقل تركت أثرًا يتجاوز أفلامها نفسها إلى الطريقة التي ننظر بها إلى الواقع. تنتمي تهاني راشد إلى الفئة الثانية.
ليس لأنها صاحبة مشروع ضخم من حيث الكم، ولا لأنها انشغلت بالقضايا الكبرى أكثر من غيرها، بل لأنها

امتلكت منذ بداياتها حسًا نادرًا بموقع الكاميرا نفسها: أين تقف؟ وإلى من تنظر؟ ومن الذي يملك حق الكلام داخل الصورة؟
هذه أسئلة تبدو اليوم مألوفة لكثرة ما تكررت، لكنها لم تكن كذلك حين بدأت راشد عملها السينمائي في كندا خلال سبعينيات القرن الماضي، في بيئة كانت تشهد تحولات عميقة في الفيلم الوثائقي، وانتقاله من مجرد وسيلة للتسجيل والتوثيق إلى أداة للتأمل والاقتراب وإعادة النظر في العلاقات بين المصور والمُصوَّر.
منذ ذلك الوقت بدا واضحًا أن اهتمامها لا يتجه نحو الأحداث بوصفها أحداثًا، بل نحو البشر الذين يعيشون داخلها. ولهذا يصعب التعامل مع أفلامها باعتبارها وثائق سياسية أو اجتماعية فحسب. السياسة حاضرة، بالطبع. المجتمع حاضر كذلك. لكن ما يبقى في الذاكرة بعد انتهاء المشاهدة ليس القضية، بل الوجوه.
في أفلام كثيرة تتراجع الشخصيات أمام الفكرة. أما عند تهاني راشد فتحدث الحركة المعاكسة؛ تتراجع الفكرة قليلًا لتفسح المجال للشخصيات.
ربما لهذا السبب تبدو أفلامها أقل عرضة للشيخوخة من كثير من الأفلام التسجيلية التي ارتبطت بظروفها التاريخية المباشرة. فالقضايا تتبدل، والوقائع تصبح جزءًا من الماضي، لكن البشر يحتفظون بقدرتهم على مخاطبة من يأتي بعدهم.
هذا واضح منذ أعمالها الكندية المبكرة التي انشغلت بالمهاجرين والعاملين والفئات التي قلما وجدت مكانًا لها في الصورة السائدة عن المجتمع. لم تكن راشد تبحث عن الاستثناءات المدهشة أو الشخصيات الخارقة. كانت تميل إلى العادي، إلى ما يبدو مألوفًا لدرجة أنه يكاد يصبح غير مرئي.
وهنا تظهر إحدى السمات الأساسية في تجربتها: إعادة الاعتبار لما اعتادت الثقافة البصرية تجاهله.
ليس المقصود بالتجاهل هنا الغياب التام، بل الحضور المشروط. كثير من الفئات تظهر في الإعلام والسينما محاطة بتعريفات جاهزة؛ الفقير، المهاجر، المرأة، العامل، المهمش. ما تفعله تهاني راشد هو تفكيك هذه العناوين الكبيرة وإعادتها إلى أفراد من لحم ودم، لكل منهم طريقته الخاصة في النظر إلى العالم.
لهذا تبدو النقلة التي حققها فيلم “أربع نساء من مصر” مهمة في مسيرتها وفي تاريخ الوثائقي العربي معًا.
فعند الحديث عن الفيلم يشار عادة إلى الاختلافات الفكرية والسياسية بين بطلاته: أمينة رشيد، صافيناز كاظم، شاهندة مقلد، ووداد متري. غير أن أهمية الفيلم لا تكمن في جمع شخصيات تمثل اتجاهات متنوعة، بل في الطريقة التي يتعامل بها مع تلك الاختلافات.
في معظم الأعمال المشابهة يصبح الخلاف مادة درامية جاهزة. ينجذب المخرج إلى نقاط الاشتباك ويضعها في المقدمة. أما هنا فثمة اهتمام آخر. الخلاف موجود، لكنه ليس محور الصورة الوحيد. هناك الصداقة أيضًا. وهناك الذاكرة. وهناك ذلك التاريخ الشخصي الذي لا يظهر في الكتب ولا في الخطب السياسية.
شيئًا فشيئًا يتسع الفيلم ليصبح أكثر من حوار بين أربع نساء. إنه تأمل في جيل كامل، وفي التحولات التي مرت بها مصر خلال عقود طويلة، وفي الأثمان التي دفعتها النساء وهن يحاولن شق طريقهن داخل المجال العام.
واللافت أن راشد لا تتعامل مع بطلاتها بوصفهن شاهدات على التاريخ فقط، بل بوصفهن جزءًا من نسيجه. التاريخ هنا ليس خلفية للأحداث، بل مادة حية تتحرك في الكلام والذكريات والملامح.
في هذا المستوى تحديدًا تبتعد سينماها عن كثير من الأفلام التسجيلية العربية التي ظلت أسيرة التعليق المباشر أو الخطاب التفسيري. فبدلًا من أن تخبر المشاهد بما ينبغي أن يفكر فيه، تترك الشخصيات تكشف طبقاتها بنفسها.
ولعل هذه الثقة في الشخصية هي ما يمنح أفلامها قدرًا كبيرًا من الحيوية.
في “البنات دول” تصل تهاني راشد إلى أحد أكثر اختياراتها حساسية من حيث الموضوع، وإلى أحد أصعب اختبارات السينما التسجيلية نفسها: كيف يمكن الاقتراب من فتيات الشارع دون تحويل وجودهن إلى مادة استهلاكية للبكاء أو الصدمة؟ الفيلم لا يكتفي بتسجيل الواقع كما هو، بل يختبر طريقة النظر إليه، وكأن السؤال الحقيقي لا يتعلق بما نراه على الشاشة بقدر ما يتعلق بكيف نراه أصلًا. منذ اللحظات الأولى يتضح أن الكاميرا لا تتحرك بوصفها عينًا مراقِبة من الخارج، بل بوصفها حضورًا ثقيلًا لكنه غير متعجل، حضورًا يتعلم أن يتراجع خطوة كلما اقترب أكثر من حياة هؤلاء الفتيات. لا يوجد صوت تعليقي يشرح أو يفسر أو يوجه الانفعال، بل هناك اعتماد شبه كامل على الزمن الداخلي للمشهد، على المحادثات التي تبدو أحيانًا مشتتة لكنها تحمل في طياتها طبقات من التجربة اليومية: الضحك المفاجئ الذي يقطع جملة قاسية، المزاح الذي يمر فوق حكاية عنف، أو الصمت الذي يهبط فجأة في منتصف حديث عادي. هذا التداخل بين المتناقضات هو ما يشكل الإيقاع الحقيقي للفيلم، إيقاع لا يبحث عن بناء درامي تقليدي بقدر ما يترك الحياة وهي تتشكل أمام العدسة من دون تهذيب. ما يميز الفيلم أيضًا هو رفضه تحويل الشخصيات إلى نماذج تفسيرية؛ لا “ضحية” مكتملة ولا “قصة مأساة” جاهزة، بل فتيات يتحركن داخل واقع هش ومعقد، يتفاوضن معه يوميًا بطرق مختلفة: أحيانًا بالسخرية، أحيانًا بالعنف، وأحيانًا بقدر لافت من الحنان العابر. حتى المدينة التي تدور فيها الأحداث لا تظهر كخلفية محايدة، بل كقوة ضاغطة وغير مرئية في آن واحد، تُنتج شروط الحياة وتعيد توزيعها باستمرار دون أن تُرى مباشرة. هنا تحديدًا تشتغل راشد على منطقة دقيقة في السينما التسجيلية: المسافة بين الاقتراب والتورط، بين الرؤية والمشاركة، وهي مسافة غالبًا ما يقع فيها الفيلم الوثائقي إما في الإفراط في التعاطف أو في البرود التوثيقي، بينما يحاول الفيلم أن يقف في المنتصف المتوتر بينهما. ومع أن موضوعه يبدو شديد القسوة، إلا أن اللافت أن الفيلم لا يفقد حسه بالحياة اليومية الصغيرة: لحظات اللعب، تبادل الطعام، الخلافات العابرة التي لا تدوم، والروتين الذي يصنع شكلًا من الاستمرارية داخل واقع يبدو من الخارج متقطعًا ومفككًا. بهذا المعنى، لا يقدم “البنات دول” خطابًا عن الهشاشة بقدر ما يكشف عن آليات العيش داخلها، عن قدرة هذه الفتيات على خلق أشكال مؤقتة من الاستقرار وسط عالم لا يمنحهن أي ضمانات ثابتة. ومن هنا تتقدم أهمية الفيلم ليس فقط بوصفه عملًا يتناول فئة مهمشة، بل بوصفه تجربة في إعادة تعريف ما يمكن للكاميرا أن تراه دون أن تلتهمه.
كذلك يصعب الحديث عن “البنات دول” دون التوقف عند موقع المدينة داخل أعمال تهاني راشد. القاهرة عندها ليست مجرد مسرح للأحداث. المدينة تؤدي دورًا أكثر تعقيدًا من ذلك.
في هذا الفيلم تظهر القاهرة من مستوى النظر الذي نادرًا ما تمنحه لها السينما. ليست القاهرة السياحية، ولا القاهرة التي تُرى من النوافذ العالية أو الشوارع الواسعة، بل مدينة الأرصفة والزوايا المنسية والأماكن التي تمر بها الأغلبية دون أن تتوقف عندها.
هذا الاهتمام بالمكان سيجد تعبيرًا أكثر مباشرة في فيلم “جيران”.
هنا يتحول حي جاردن سيتي إلى مدخل لقراءة تحولات اجتماعية وثقافية وسياسية أوسع. لكن الفيلم لا يقدم تلك التحولات في صورة أطروحة جاهزة. المدينة نفسها هي التي تتكلم.
المباني القديمة.
السكان.
القصص المتراكمة.
التغيرات البطيئة التي لا يلاحظها أحد إلا بعد سنوات.
في “جيران” تبدو راشد منشغلة بالسؤال الذي شغل كثيرًا من السينمائيين والروائيين: ماذا يحدث للأماكن حين يتغير الناس؟ وماذا يحدث للناس حين تتغير الأماكن؟
لا تأتي الإجابة مباشرة.
وهو ما يمنح الفيلم جزءًا من قيمته.
إنه يفضل الملاحظة على الاستنتاج، والتأمل على الحكم السريع.
هذا الميل إلى التأمل يظهر أيضًا في “نفس طويل”، الذي تناول السنوات التالية لثورة يناير. كان يمكن للفيلم أن يتحول بسهولة إلى وثيقة سياسية مرتبطة بلحظة بعينها، لكنه يختار الاقتراب من أثر تلك اللحظة في الناس أكثر من انشغاله بتسجيل الوقائع نفسها.
مرة أخرى نجد السؤال القديم يعود بأشكال جديدة: كيف يعيش الأفراد التحولات الكبرى؟ وكيف تتسرب الأحداث العامة إلى تفاصيل الحياة اليومية؟
هذه الأسئلة هي التي تمنح أعمال تهاني راشد تماسكها الداخلي رغم اختلاف موضوعاتها.
فالمسألة لا تتعلق بالنساء فقط، ولا بالمدينة فقط، ولا بالهامش الاجتماعي فقط.
المسألة تتعلق بنظرة كاملة إلى السينما.
نظرة ترى أن الواقع أكثر ثراءً من أن يُختزل في شعار، وأن الشخصية أكثر تعقيدًا من أن تتحول إلى نموذج، وأن الفيلم الوثائقي ليس تقريرًا مصورًا بل بناء فني له لغته الخاصة وإيقاعه الخاص وطرقه الخاصة في إنتاج المعرفة.
لهذا لا يمكن قراءة تجربة تهاني راشد من خلال أفلام منفصلة. ثمة خيط يمر بينها جميعًا. خيط يتجلى أحيانًا في اختيار الشخصيات، وأحيانًا في طريقة التصوير، وأحيانًا في البناء السردي، لكنه حاضر باستمرار.
إنه الإيمان بأن الكاميرا تستطيع أن تكون أداة اقتراب لا أداة هيمنة.
ولهذا السبب تحتل مكانة خاصة داخل تاريخ الوثائقي العربي المعاصر.
ففي وقت انشغل فيه كثير من الأفلام بتأكيد الأفكار، انشغلت هي ببناء المساحة التي تسمح للأفكار بأن تظهر من تلقاء نفسها. وفي وقت طغت فيه اللغة التفسيرية المباشرة على أجزاء واسعة من السينما التسجيلية، راهنت على التفاصيل الصغيرة، وعلى الحوار، وعلى الزمن، وعلى قدرة الصورة على قول ما تعجز عنه الشعارات.
من هنا تأتي أهمية تجربتها.
لا بوصفها مخرجة تناولت موضوعات مختلفة فحسب، بل بوصفها واحدة من الأصوات التي وسعت حدود الفيلم التسجيلي العربي، ودفعت به نحو منطقة أكثر رحابة وتعقيدًا وإنسانية.
وحين يُعاد النظر اليوم في أعمالها، لا تبدو قيمتها مرتبطة بموضوعاتها وحدها، بل بالطريقة التي أعادت بها تعريف العلاقة بين الكاميرا والعالم.
فريق مقام ..


لا تعليق