خطوبة طويلة الأمد .. رحلة البحث عن الأمل في ركام الحرب …

5

في عام 2004، عاد المخرج الفرنسي جان بيير جونيه ليقدّم عملًا يختلف جذريًا – في نبرته – عن عالمه الساحر في Amélie، لكنه يحتفظ بنفس الحس البصري الذي يحوّل الواقع إلى ما يشبه الحلم. فيلم Un long dimanche de fiançailles، المقتبس عن رواية الكاتب سيباستيان جابريسو الصادرة عام 1991، لا يُشاهد بوصفه حكاية حب في زمن الحرب فحسب، بل يُعاش كرحلة بطيئة داخل فكرة الأمل نفسها .. كيف يتكوّن، كيف يُختبر، وكيف ينجو رغم كل ما يُفترض أنه ينهيه.
منذ اللقطة الأولى، يضعنا الفيلم في تماس مباشر مع الحرب العالمية الأولى، لا بوصفها حدثًا تاريخيًا بعيدًا، بل كجرح مفتوح في الوعي الإنساني. الخنادق، الوحل، البرد، الجنود الذين يتحولون إلى أرقام في تقارير عسكرية جافة… كل ذلك يُبنى بعناية ليُصبح الخلفية التي ستنبثق منها قصة شديدة الخصوصية. هنا، لا تكون الحرب موضوعًا قائمًا بذاته بقدر ما هي «الضجيج» الذي يحاول الحب أن يسمع نفسه من خلاله.
القصة .. البحث كفعل مقاومة
في قلب هذا العالم، تقف “ماتيلد”، التي تؤديها أودري تاتو، ليس كشخصية رومانسية تقليدية، بل ككائن يقاوم الفقد بالمعرفة. بعد أن تُبلغ رسميًا بموت خطيبها “مانيش” – أحد خمسة جنود حُكم عليهم بالإعدام غير المباشر بإرسالهم إلى ما عُرف بـ “No Man’s Land” كعقاب عسكري – ترفض ماتيلد الامتثال للرواية الرسمية. هذا الرفض ليس عنادًا عاطفيًا فحسب، بل هو موقف وجودي: رفض أن يكون الواقع هو فقط ما تقرره السلطة أو الوثائق.
وهنا، يتحول الفيلم تدريجيًا إلى ما يشبه التحقيق البوليسي. ماتيلد لا تبكي طويلًا؛ بل تبحث. تجمع الشهادات، تلاحق الخيوط، تعيد تركيب الأحداث كما لو كانت تؤلف سردًا مضادًا لذاكرة الحرب. كل شخصية تقابلها تضيف طبقة جديدة من الالتباس، وكل رواية جزئية تفتح بابًا على احتمالات أخرى، حتى يصبح السؤال: هل نحن أمام قصة حب… أم أمام تفكيك منهجي لفكرة “الحقيقة” ذاتها؟
الصورة .. حين تصبح اللقطة ذاكرة لونية …
ما يميز سينما جونيه هنا ليس فقط جمال الصورة، بل وظيفتها العاطفية. يستخدم لوحة لونية مزدوجة.. ألوان دافئة مائلة إلى الذهبي والبني في مشاهد الريف الفرنسي – خصوصًا في بريتاني – حيث الطفولة والذكريات والوعود الأولى، مقابل ألوان باردة، رمادية وزرقاء، في مشاهد الجبهة، حيث يتآكل الزمن وتفقد الأشياء معناها.
لكن الأهم من هذا التباين هو أن الصورة لا تكتفي بالوصف، بل تُعيد تشكيل الإحساس بالزمن. المشاهد ليست متتابعة بقدر ما هي طبقات من الذاكرة، تتداخل فيها الحكايات، وتُروى أحيانًا من زوايا متعددة، في بناء بصري يقترب من السرد الروائي أكثر من البناء السينمائي التقليدي. كل كادر يبدو كما لو أنه مرسوم بعناية، ليس ليُبهر العين فقط، بل ليُقنعنا أن الجمال يمكن أن يوجد حتى في أكثر السياقات قسوة.
ماتيلد .. الجسد الهش والإرادة الصلبة …
ما تمنحه أودري تاتو للشخصية يتجاوز الأداء التمثيلي إلى ما يشبه “الحضور الأخلاقي”. ماتيلد، التي تعيش بإعاقة ناتجة عن إصابتها بشلل الأطفال، لا تُقدَّم كضحية، بل كوعي يقظ. عرجها الجسدي يقابله ثبات داخلي نادر، وكأن الفيلم يلمّح إلى أن الهشاشة الجسدية قد تكون أحيانًا غطاءً لقوة غير مرئية.
ومن أكثر ما يميز هذه الشخصية هو علاقتها الغريبة بالقدر. “ألعابها الصغيرة” – مثل العدّ، أو ربط مصير حبيبها بإشارات عشوائية – ليست سذاجة، بل آلية نفسية دقيقة لإبقاء الأمل حيًا. إنها لا تؤمن بالخرافة بقدر ما تستخدمها كأداة، كجسر هش بين ما تعرفه وما تتمنى أن يكون صحيحًا. هنا، يتحول الإيمان إلى فعل يومي، لا إلى يقين مطلق.
الحب والحرب .. مفارقة لا تُحل …
الفيلم لا يحاول التوفيق السهل بين الحب والحرب، بل يضعهما في مواجهة مستمرة. الحرب، بكل ما فيها من عبث وقسوة وقرارات بيروقراطية قاتلة، تُظهر هشاشة الإنسان. لكن الحب، في المقابل، لا يُقدَّم كقوة سحرية تنقذ الجميع، بل كإصرار عنيد على المعنى.
السؤال الذي يتردد، دون أن يُطرح مباشرة، هو: هل يمكن للحب أن يعيد بناء ما دمرته الحرب؟
والإجابة التي يقترحها الفيلم ليست نعم أو لا، بل شيء أكثر تعقيدًا: ربما لا يستطيع الحب أن يرمم العالم، لكنه قادر على أن يمنح فردًا واحدًا سببًا للاستمرار في مواجهته.
السياق الفني والجوائز …
عُرض الفيلم عام 2004 بميزانية تُعد من الأضخم في السينما الفرنسية آنذاك، وقد شارك في بطولته عدد لافت من الممثلين، من بينهم ماريون كوتيار في دور لافت نالت عنه جائزة سيزار لأفضل ممثلة مساعدة.
كما رُشح الفيلم لعدة جوائز دولية، بينها ترشيحان لجوائز الأوسكار (في فئتي التصوير الفني والتصوير السينمائي)، وحصد خمس جوائز من جوائز سيزار، ما يؤكد مكانته كعمل يجمع بين النجاح النقدي والتقدير المؤسسي.
الأمل كفعل شاق …
“خطوبة طويلة الأمد” ليس فيلمًا عن انتظار الحبيب بقدر ما هو تأمل طويل في معنى الانتظار نفسه. الانتظار هنا ليس سكونًا، بل حركة داخلية معقدة، بحث، شك، إعادة تركيب للعالم.
يخرج المشاهد من الفيلم وهو يدرك أن الأمل ليس شعورًا بسيطًا أو ساذجًا، بل هو قرار يومي، شاق، يتطلب شجاعة مستمرة.
وأن الحب، في أكثر صوره صدقًا، قد لا ينقذنا من الألم… لكنه يمنح هذا الألم معنى يمكن احتماله.
مقام ..

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *