


في عالم صار فيه قتـل النساء أمرًا اعتياديًا .. هل تكفي عقوبة الإعدام وحدها لوضع حد؟
قتــلتها حتى لا تكون لغيري .. عقيدة القاتل .. التي تترجمها الصحف والقنوات عادة .. إلى من الحب ما قتل .. ولكن .. هل تنطوي فعلًا على مشاعر حب .. أم مشاعر حقد؟
كانت لحظة فارقة .. تلك التي انقضَّ فيها محمد عادل .. على الطالبة نيّرة أشرف .. أمام الحرم الجامعي .. لينتزع منها حياتها .. بسبع عشرة طعنة .. سددها بشكل عشوائي .. في نواحٍ متفرّقة من جسدها .. انتقامًا منها .. لأنها منعت نفسها عنه .. اعتقادًا منه بأنه أرسلها إلى عالم آخر .. لن يستطيع أحد الوصول إليها فيه .. عالم سوف يجمع فيما بينهما من جديد .. حيث إنه يتطلّع للقائها عن قريب..
هل كان لعاقل أن يتصوّر .. وقوع نسخة متكررة من الجريمة نفسها .. في غضون شهرين أو أقل؟
لم تختلف حالة إسلام فتحي .. عن حالة محمد عادل تقريبًا .. بل كانت أكثر وضوحًا ولفتًا للأنظار.. مثلما بدت عليه .. سمات الهوس المرضي .. بشكل أكثر فجاجة .. ذلك الشاب الذي وضع وشمًا على ذراعه .. يحمل اسم حبيبته .. وآخر على صدره .. بعبارة سلمى حبيبتي .. وقد جاء في تصريح له أنه قال: كتبت اسمها بالنار على جسمي!
“أقسم بالسبع سماوات .. هزلزل عرش الله نفسه .. من بشاعة نهايتك .. ويومها هقول لكل العالم.. الآن فلتقوموا بالإعدام”
جزء من النص .. الذي قام إسلام بتدوينه ومشاركته .. في قصة Story حسابه عبر إنستجرام .. كان ذلك قبل تنفيذه للجريمة .. بحوالي نصف ساعة تقريبًا .. ثم عاد ليشارك قصة أخرى .. بعد ارتكاب جريمته مباشرة .. وهو يحمل سكينًا… ملطّخًا بدماء الضحية .. في إشارة أو علامة على توكيد فعلته .. أو ما كان يتوعّدها به..
وكان قد صرّح أثناء التحقيق معه .. أنه قام بتهديد سلمى من قبل .. وقال لها نصًا .. إنها لو لم تستجب له .. سوف يفعل بها .. ما فعله محمد عادل بنيّرة .. وجاء في تصريحاته أيضًا .. أنه قام بشراء السكين .. والإعداد لجريمته مسبقًا.. وكأنه يخطو .. وفقًا لخطة عادل بتفصيلها .. وكأن عادل قد وضع نموذجًا .. جاهزًا للتنفيذ .. صار أبًا روحيًا بشكل ما .. لأصحاب السلوك المرضي في العلاقات .. الذين لا يتقبّلون الرفض .. يعانون من نقص في الشعور بالهوية والذات .. فلا يجدون تعريفًا لذواتهم .. إلا من خلال .. اختلاق صورة وهمية عن حبيبات .. لم يردن منهم مشاعر حب .. قد يكون الرد على رفضها .. القتل..
أما عن أحمد فتحي .. قاتل أماني الجزّار .. والذي ارتكب جريمته .. في الثالث من سبتمبر من العام نفسه .. أي بعد مرور أقل من ثلاثة أشهر .. على وقوع الجريمة الأولى.. وأقل من شهر .. على وقوع الثانية .. لم ينتظر هذا حكمًا بالإعدام .. فقد أطلق النار على نفسه .. مستخدمًا سلاح الجريمة ذاته .. معلنًا بذلك .. تنفيذ حكم القصاص لحبيبته..
من جريمة إلى أخرى .. تُجرَّد الضحية من هويتها .. ليتم تعريفها بـ فتاة كذا .. من فتاة المنصورة .. لفتاة الشرقية .. لفتاة المنوفية .. ولم يتوقّف العدّاد بعد .. فبينما يعتقد الكثيرون أن عقوبة الإعدام .. ستكون رادعًا .. وأنها سوف تجعل من الجاني عبرة .. يتفاجأ الجميع .. مع مرور الوقت .. وتكرار السيناريو نفسه مرارًا .. أن الضحية هي من صارت عبرة .. حتى باتت العبارة على طريقة نيّرة أشرف.. أشبه بكليشيه ضمن أي تقرير صحفي .. عن سقوط ضحية جديدة..
حين تصبح أسماء الضحايا .. جزءًا من قاموس الجرائم .. وحين تصبح طريقة القتل نفسها .. مرجعًا يتكرر في الأخبار .. وحين يُختزل القاتل أحيانًا .. في صورة العاشق الذي لم يحتمل الفراق .. فنحن لا نتعامل فقط مع جريمة قتل .. نحن أمام بيئة ثقافية .. يمكن أن تعيد .. إنتاج شروط الجريمة باستمرار..
يأتي الإعدام كرد فعل ضد القاتل .. بعد أن تتحوّل المرأة إلى جثة .. لكنه لا يمنع التهديد الذي يسبق الجريمة .. ولا يوقف الملاحقة .. ولا يعالج ثقافة .. اعتبار الرفض إهانة.. ولا يغيّر التصوّر .. الذي يجعل المرأة .. جزءًا من ملكية الرجل العاطفية .. ولا يمنع شخصًا مهووسًا من النظر إلى قتلها .. باعتباره فعلًا بطوليًا .. أو انتقامًا .. أو قصاصًا..
ألم يأن الأوان للاعتراف .. بأننا أمام أزمة مجتمعية .. وثقافية .. وليست مجرّد أزمة عقوبة .. أو قانون؟
إبراهيم همام


لا تعليق