ناتاشا ميلاشيفيتش.. وشوشة النور في وجوه الصغار …

4

​في عالمٍ يهرعُ نحو الصخب، وتتسارعُ فيه الخطى لدرجةِ تذويب الملامح، تبرز تجربة الفنانة الروسية ناتاشا ميلاشيفيتش (Natasha Milashevich) كدعوةٍ صريحة للاستغراق في لحظةِ سكونٍ أبدية. ولدت ناتاشا عام 1967 في مدينة “دوشانبي”، لكنّ روحها الفنية تشكّلت وصُقلت في أروقة أكاديمية ريبين للفنون بسانت بطرسبرغ، حيث تخرجت عام 1995 من مرسم الفنان الكبير “فاسيلي سوكولوف”. ومنذ ذلك الحين، نذرت ريشتها لترميم مفهوم الجمال الأكاديمي، مانحةً إياه مسحةً إنسانية تتجاوز جفاف القواعد التشكيلية.
عُزلةُ الملامح: فلسفة الاستغراق عند ناتاشا
​حين تتأملين لوحات ناتاشا، لا تجد مجرد “وجوه”، بل تجد “حالاتٍ من الوجود”. أبطالها—وغالبيتهم من الأطفال والنساء—يسكنون في منطقةٍ برزخية بين الواقع والحلم.
​النظرة السارحة: نادراً ما تمنحنا ناتاشا نظرةً مباشرة؛ فعيونُ فتياتها غالباً ما تكونُ مُسبلة أو شاردة نحو أفقٍ غير مرئي. هذا “الشرود” ليس غياباً، بل هو “استغراقٌ” داخلي مكثف، وكأن الطفلة التي تمسك بقطتها أو تداعب ضفيرتها تعيشُ في كوكبٍ خاص لا تصله ضوضاء العالم الخارجي.
​البراءة كفعلٍ ثوري: في فن ناتاشا، البراءة ليست سذاجة، بل هي “حالةُ صونٍ للذات”. هي تختارُ تصوير “البدايات”؛ تلك اللحظة التي يكتشف فيها الطفلُ ملمس القماش أو ضوء الشمس المسكوب على جدران الغرفة بصمتٍ مهيب.
​معزوفة الضوء: الانبعاثُ من الداخل ..
​تعتمد ناتاشا تكنيكاً ضوئياً يذكرنا بكبار أساتذة عصر النهضة، لكن بلمسةٍ روسية باردة وحانية في آن واحد:
​الضوءُ الحاضن: الضوء في أعمالها لا يهاجمُ الجسد، بل يحضنه. يسقطُ على وجنات الأطفال بوشوشةٍ رقيقة، فيبدو الجلدُ وكأنه شفاف، يشعُّ بنورٍ باطني لا يأتيه من الخارج.
​الظلُّ المخملي: المناطق المظلمة في اللوحة ليست موحشة، بل هي ظلالٌ ناعمة تخدمُ إبراز “كتلة” الشخصية وهيبة حضورها. تتركزُ براعتها في التدرج اللوني الذي يجعل اليد الصغيرة المشدودة على دمية أو كتاب تبدو وكأنها ستتحرك بعد لحظة لتلمس وجهك.
​ تأمل في “عالم الأسرار الصغيرة” ..
​من خلال الغوص في أعمال ناتاشا، نكتشف أنها لا ترسم براءة الوجه فحسب، بل تبني حوله عالماً حسيّاً متكاملاً يجمع بين القسوة والنعومة:
​حوار الكائنات والجماد: في لوحاتها التي تضم “أقفاص العصافير”، تظهر براعة ناتاشا في رسم التباين؛ حيث تلمع قضبان المعدن الباردة بجانب ريش النعام الأحمر أو الفرو الناعم الذي يطوق أعناق الصغيرات. هذا التضاد هو ما يمنح اللوحة “حياة”، ويجعلنا نتساءل عن تلك الرابطة السرية بين الطفلة وعصفورها السجين.
​بهجة اللون والملمس: تتحرر ناتاشا أحياناً من كلاسيكية الخلفيات لتمزج ريشتها في “مهرجان لوني” مبهر. الفساتين التي ترتديها بطلاتها ليست مجرد ملابس، بل هي “لوحات داخل اللوحة”؛ تتداخل فيها المربعات الهندسية للأحمر القاني، الأخضر الزمردي، والأصفر الذهبي، في تكوينات تذكرنا بنقوش السجاد الشرقي العتيق أو فن الخيامية، مما يمنح العمل “ثقلاً بصرياً” مذهلاً.
​الخلفيات الزخرفية: غالباً ما تضع ناتاشا شخوصها أمام جدران أو ستائر مشغولة بنقوشٍ حمراء وزخارف نباتية، مما يجعل الصبية تبدو وكأنها “أميرة صغيرة” في حكاية أسطورية منسية، تعزفُ لسرّها الخاص أو تمسك بخيوط دميتها بنبلٍ ملكي.
​ مدرسةُ “سانت بطرسبرغ”: الامتدادُ التاريخي ..
​لا يمكننا فصل ناتاشا عن تاريخها العريق؛ فهي ابنةُ شرعية لمدرسة الواقعية الكلاسيكية الروسية. في أعمالها صدىً لريشة “إيليا ريبين” في صدق التعبير، و”فالنتين سيروف” في سحر البورتريه. لكنها، وبصمتٍ بليغ، أضافت لمسةً أنثوية خاصة؛ حيث حوّلت اللوحة من “وثيقة تاريخية” إلى “قصيدة وجدانية”.
​منذ انضمامها إلى اتحاد الفنانين الروس عام 1996، جابت لوحاتها العالم من نيويورك إلى بكين، حاملةً معها ذاكرةً لا تشيخ، وجمالاً يرفضُ التنازل عن رُقيّه وبساطته الآسرة.
​ في محراب السكينة ..
​ناتاشا ميلاشيفيتش هي “رائيةُ التفاصيل المنسية”. إنها تعيدُ الاعتبار للأشياء الصغيرة التي نغفلُ عنها في زحام الأيام: ضفيرةُ شَعرٍ غير مرتبة، نظرةُ دهشةٍ أمام قطة صغيرة، أو سكونُ جسدٍ طفولي في لحظةِ تأملٍ نبيل.
​إنها في “مقامنا” هذا، ليست مجرد فنانة أكاديمية، بل هي حارسةُ الضوء الذي لا ينطفئ؛ الضوء الذي يذكرنا بأننا، ورغم كل شيء، ما زلنا نمتلكُ في دواخلنا مساحاتٍ شاسعة من الصفاء لم تُلوثها الأيام بعد، بانتظار “وشوشة نور” تعيدنا إلى أجملِ ما فينا.
فريق مقام ..

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *