




في المسافة الممتدة بين “قنديل أم هاشم” (1968) و”للحب قصة أخيرة” (1986)، لا تتحرك السينما المصرية بين حكايتين بقدر ما تعبر بين تصورين كاملين للعالم؛ تصور يثق في إمكانية الترميم من الداخل، وآخر يحدق في التصدع دون أن يملك شجاعة أو حتى وهم الإصلاح. هنا لا يكون الانتقال زمنياً فقط، بل بنيوياً، يمس طريقة بناء الشخصية، ونبرة الأداء، واختيار المكان، وحتى طبيعة الضوء الذي يغمر الكادر.
السيدة زينب.. كثافة الامتلاء وسطوة “الزيت”
في “قنديل أم هاشم”، يتشكل العالم من نسيج حي؛ فحي السيدة زينب ليس مجرد خلفية، بل كيان نابض له إيقاعه الخاص وطقوسه التي تتجاوز الأفراد. الأزقة الضيقة، الوجوه المتكررة، والمحلات المتلاصقة، كلها عناصر لا تعمل كديكور، بل كجزء من بنية الاعتقاد نفسها. الكاميرا عند كمال عطية لا تراقب المكان من الخارج، بل تنتمي إليه، تتحرك داخله بحميمية، كأنها تعرف مسبقاً أين تقف ومتى تترك الشخصية تذوب في محيطها. لا توجد قطيعة بين الإنسان والمكان، بل امتداد؛ وهذا ما يجعل الصراع أكثر تعقيداً، لأن البطل لا يواجه فكرة مجردة، بل يواجه عالماً كاملاً متماسكاً.
داخل هذا الاحتواء المعماري، تبرز صياغة الشخصيات النسائية كأعمدة لهذا العالم. “الأم” (أمينة رزق) بملامحها التي تحمل قداسة الحزن المصري، جسدت “الحاضنة الكبرى” للموروث؛ فهي ليست امرأة جاهلة، بل حارسة المعبد الروحي، ووضعها للزيت في عيني فاطمة هو “فعل حب مقدس” يتجاوز منطق الطب. وبجوارها تأتي “نعيمة” (ماجدة الخطيب)، فتاة الليل المنبوذة التي تجد في رحاب السيدة مأواها؛ نعيمة هي “المرآة” التي عكست للبطل حقيقة الناس، وأن الإيمان احتياج بشري للستر والسكينة قبل أن يكون نصوصاً علمية. أما “فاطمة” (سميرة أحمد)، فهي الأرض التي يتصارع عليها العلم والخرافة؛ رمز للإنسان المستسلم لقدره، والجسد الذي دفع ثمن احتراق زيت القنديل ليُضيء بصيرة البطل في النهاية. حضورها جعل الصراع ملموساً، يخرجه من مستوى الأفكار إلى مستوى الألم الإنساني المباشر.
إسماعيل، كما أداه شكري سرحان، ليس بطلاً تقليدياً، بل شخصية تتشكل عبر الاحتكاك والصدمة. في أدائه تتجاور الحدة مع الهشاشة؛ نظرة متعالية سرعان ما تتشقق، وصوت واثق يتردد حين يصطدم بصلابة الإيمان الشعبي. سرحان لا يلعب الدور بوصفه طبيباً عاد ليصحح أخطاء الآخرين، بل كإنسان يكتشف أنه هو نفسه في حاجة إلى إعادة تعريف علاقته بالحقيقة. هذا ما يجعل تحوله في النهاية مقنعاً، ليس كتنازل، بل كفهم أعمق لروح الجماعة وقدرة على “الترجمة” بين العلم والوجدان.
الوراق.. فضاءات الفراغ وصمت القدر
بعد ما يقرب من عقدين، يأتي “للحب قصة أخيرة” ليقلب المعادلة. هنا لا نجد حياً متماسكاً، بل فضاءات برزخية في حي الوراق؛ حيث يحيط النيل بالمكان كحصار لا كحياة، والصمت يغلف مأساة البيوت المتداعية. الكاميرا عند رأفت الميهي لم تعد منتمية، بل أصبحت “مراقبة” تلتقط المشهد من مسافة، تترك فراغات بين الشخصيات تعكس ما بداخلها من اغتراب. اختيار الوراق كشف عن فراغ مختلف، فراغ لا تملؤه الطقوس بقدر ما يملؤه الانتظار تحت ضوء نهار بارد يكشف شحوب الوجوه وتآكل الأجساد.
في هذا الفضاء، تبرز شخصية “الدكتور” (عبد العزيز مخيون) كتجسيد للعلم المهزوم؛ مخيون أدى الشخصية بنبرة خافتة تكاد تخلو من الحياة، هو الضمير العلمي الذي يدرك حقيقة الموت ويقف عاجزاً، يراقب الخرافة وهي تلتهم البيت ولا يملك سوى الحزن المكتوم. وبجواره يقف “رفعت” (يحيى الفخراني)، المثقف الذي تحول علمه إلى “لعنة”؛ يرى الموت قادماً، ويرى زوجته “سلوى” (معالي زايد) تذوب في الدجل والقرابين لإنقاذه، فيسخر بلسانه ويتمزق بقلبه. سلوى هنا هي “إسماعيل” ولكن في طريق مسدود؛ تحاول الإصلاح بالوهم لأن الحقيقة قاسية، هي “القلب” الذي يرفض حتمية الفناء دفاعاً عن الحب.
الكتابة هنا تميل إلى التأمل، إلى إبطاء الإيقاع، وإلى ترك مساحات للصمت، وكأن الحوار نفسه فقد ثقته في قدرته على التعبير. الإخراج بدوره يتخلى عن الزخرفة البصرية لصالح بساطة أقرب إلى الجفاف؛ لقطات أطول، حركة أقل، واعتماد أكبر على الزمن كعنصر درامي، حيث يصبح الانتظار نفسه جزءاً من الحكاية. المكان هنا لا يحتضن الشخصيات، بل يتركها تواجه نفسها، وهذا ما يمنح الفيلم نبرته الوجودية الثقيلة.
بين الفيلمين، تتغير علاقة الممثل بالصورة؛ في الأول، الأداء جزء من نسيج حي، يتغذى من الحركة والضجيج والاشتباك، وفي الثاني، الأداء أقرب إلى العزلة والحوار الداخلي المنفصل عن محيطه. في السيدة زينب، كان القنديل رمزاً يمكن “تطهيره” وإعادة ملئه بالوعي، وكان “الفعل” ممكناً. أما في الوراق، فقد صار المرض في “القلب”، ولم يعد العلم وحده كافياً، ولم تعد الخرافة منقذة.
هكذا تظل المقارنة مواجهة بين إيمان بأن الفن يمكن أن يكون أداة تغيير (إسماعيل الذي اقترب من الناس ليغيرهم)، وبين وعي بأنه قد لا يكون أكثر من مرآة تعكس ما لا يمكن تغييره (رفعت الذي ابتعد لأنه أدرك عبثية المحاولة). بين من تعلم أن تحطيم القنديل ليس حلاً، ومن أدرك أن التحديق في الموت هو الحقيقة الوحيدة، تقف السينما في منطقة ملتبسة، تحاول أن تفهم، دون أن تملك دائماً رفاهية الفعل.
فريق مقام ..


لا تعليق