
في الأدب، نبحث عن الشخصية التي تمنح النص خلوده، وفي الواقع، بحثنا طويلاً عن صوت يمنح “الحقيقة” وجهها الإنساني، فوجدناه في شيرين أبو عاقلة.
لم تكن شيرين مجرد عابرة في ملكوت الصحافة، بل كانت “صانعة حكايا” بامتياز؛ تعيد بناء تفاصيل القدس وجنين في مخيلة المشاهد، وتُرمّم ما هدمه النسيان بكلمات من فصحى رصينة لا تشوبها شائبة. في هذا المقال، لا نؤرخ لغيابها، بل نُحلل “بقاءها” في الذاكرة والوجدان، وكيف تحولت من ناقلة للخبر إلى عتبة شامخة من عتبات الحكاية الفلسطينية التي لا تنتهي. ونفخر أن تكون أول شخصية نحتفي بها في بلد البنات ..
خلف الخوذة والسترة الواقية، وبنبرة صوتية لم تخطئها أذن عربية على مدار ربع قرن، لم تكن شيرين أبو عاقلة مجرد صحفية تنقل أخبار الصراع؛ بل كانت هي “النص” و”الصورة” و”الذاكرة”. في ذكرى رحيلها، أو في مقام استحضارها، لا نقرأ مجرد سيرة مهنية، بل نحلل حالة إعلامية وإنسانية استثنائية صاغت وجدان جيل كامل تجاه القضية الفلسطينية.
عتبة التكوين.. من التصميم إلى رحاب الكلمة
ولدت شيرين في القدس عام 1971، المدينة التي منحتها هدوءها الصامد وصلابتها الهادئة. تنقلت في رحلتها الأكاديمية بين دراسة الهندسة والصحافة، لتستقر أخيراً في رحاب “الكلمة والصورة” بعد تخرجها من جامعة اليرموك عام 1991.
هذا الشغف الأول بتفاصيل البناء لم يذهب سدى؛ فقد انعكس في تقاريرها اللاحقة من خلال دقة الوصف، والاهتمام بـ “المكان” كبطل موازٍ للإنسان، وهو ما ظهر جلياً في تغطياتها التاريخية، بدءاً من انتفاضة الأقصى عام 2000 وصولاً إلى معارك حي الشيخ جراح والقدس.
فرادة الصوت.. حين تصبح الفصحى لغة للميدان
تُعد شيرين مدرسة في “الاقتصاد اللغوي”. تميز أسلوبها بخصائص نقدية تستحق الوقوف عندها:
أنسنة الخبر: كانت شيرين تبتعد عن اللغة الخشبية الجافة؛ فالمنازل المهدمة في تقاريرها ليست أحجاراً، بل “قصص وأحلام مبتورة”.
الثبات الصوتي: في ذروة القصف والاجتياحات، كانت نبرتها تحتفظ بوقار رصين، مما منح تقاريرها صبغة “الوثيقة التاريخية”.
بصمة الحضور: جملة “شيرين أبو عاقلة.. الجزيرة.. فلسطين المحتلة” لم تكن مجرد خاتمة لتقرير، بل كانت إعلاناً يومياً عن الوجود والتمسك بالأرض.
11 مايو 2022.. “الفجر الحزين” والتوثيق الجنائي
في صباح ذلك الأربعاء، أمام مدخل مخيم جنين، لم يغتل الرصاص جسد شيرين فحسب، بل حاول اغتيال “العدسة” التي توثق الحقيقة. ورغم محاولات التضليل، جاءت التحقيقات الجنائية لتثبت من خلال تحليل زوايا التصوير وتسجيلات الصوت أن الرصاصة التي أصابتها غدراً كانت بقرار قناص يعرف تماماً أين يوجه فوهة بندقيته، في بقعة مكشوفة لا تترك مجالاً للصدفة.
مشهد الختام.. النعش الذي لم يسقط
تحول مشهد جنازة شيرين في 13 مايو 2022 إلى لوحة واقعية تفيض بالدلالات. ترنح النعش في القدس تحت هراوات جنود الاحتلال، لكنه لم يسقط. هذا المشهد البصري المكثف لخص تاريخ الصراع بأسره: “جسد أعزل يحمله الحب، وقوة عسكرية تخشى حتى الموتى”.
لقد انتقلت شيرين في رحيلها من “صانعة أفلام وثائقية” إلى “موضوع” لهذه الأفلام، حيث تبارى المخرجون في استعادة أرشيفها، ليس كضحية، بل كشاهدة استطاعت بمهنيتها العالية أن تفرض رواية الحق على منصات العالم.
نحن لا نقرأ شيرين كضحية للحرب، بل كشاهدة على العصر. إن أسلوبها في “أنسنة المكان” هو ما جعل من حجر القدس كائناً حياً يتكلم العربية. هذا هو الدرس الجمالي الذي تركته لنا شيرين: أن الحقيقة لا تحتاج إلى صراخ، بل إلى لغة رصينة وعين ترى الإنسان وسط الركام.
فريق مقام ..


لا تعليق