وكالة الغوري .. رقصة الصعود إلى السماء …

8

​على بُعد خطوات من شارع المعز، وفي قلب حي “الغورية” الذي يفوح برائحة التوابل والأقمشة، تفتح وكالة السلطان الغوري ذراعيها. هنا، الصمت له صوت، والحجر له ذاكرة، والمكان يتحول من سوقٍ قديم للتجار إلى ساحةٍ تتحرر فيها الأرواح من أثقال الجسد.
​مِعمار العتبة: حراشف الحجر وهيبة المملوك
​بُنيت هذه الوكالة في عهد السلطان قانصوه الغوري عام 1504م. عمارتها هي ذروة الفن المملوكي؛ واجهة حجرية ضخمة تتزين بالزخارف المحفورة بدقة، ومدخل شاهق يُشعرك بضآلة الإنسان أمام عظمة الفن.
بمجرد عبور “العتبة”، تجد نفسك في صحن مكشوف تحيط به أربعة طوابق من الغرف ذات المشربيات الخشبية الرقيقة. هذا التصميم يسمح لضوء القمر أن يسقط مباشرة على الساحة، وكأن السماء شريكة في العرض، بينما تتردد أصداء الموسيقى بين جدران “المشاهرة” الحجرية لتخلق صدى لا تجده في أحدث دور الأوبرا.
​روح العتبة: “التنورة” حين تصبح صلاة…
​الروح النابضة هنا هي فرقة التنورة التراثية. في وكالة الغوري، لا تشاهد رقصاً، بل تشهد طقساً صوفياً يحاكي حركة الكون. الكسرات المتعددة في تنورات الراقصين الملونة تمثل تعاقب الفصول، ودورانهم حول أنفسهم هو دوران الكواكب حول الشمس، وبسط أيديهم هو اتصال بين الأرض والسماء.
الموسيقى هنا تعتمد على الآلات الشعبية المصرية (المزمار، الربابة، والطبلة)، لكنها في هذا الفضاء المعماري تكتسب جلالاً يأخذك إلى حالة من “الوجد” تغيب فيها عن العالم الخارجي.
​حارس العتبة: روح السلطان ودولة الفن…
​رغم أن “حارس” المكان التاريخي هو السلطان الغوري الذي أرادها مكاناً للتجارة، إلا أن حارسها الثقافي اليوم هو “صندوق التنمية الثقافية” الذي أدرك أن الحجر يموت بلا فن. هؤلاء المبدعون الذين أعادوا إحياء الوكالة حولوها من “أثر صامت” إلى “مركز إبداع حي”، ليكون الفن هو الحارس الذي يمنع المبنى من الانهيار في ذاكرة النسيان.
​ صدى العتبة: صراع الحداثة مع العراقة
​صدى وكالة الغوري يصل إلى السائح الذي لا يفهم العربية، وإلى ابن الحارة الذي تربى على صوت المؤذن. هي العتبة التي تثبت أن الفنون الشعبية المصرية يمكنها أن تسكن أرقى القصور والأماكن الأثرية دون أن تفقد شعبيتها، وأن العمارة الإسلامية هي “المسرح الأجمل” الذي يمكنه استيعاب أحلام الفنانين المعاصرين.
وأخيرا إذا كان “مَكان” هو همس الأرواح في الغرف المغلقة، فإن “وكالة الغوري” هو صرخة الوجد في الساحات المفتوحة. هي العتبة التي لا تخرج منها كما دخلت.. بل تخرج أخف وزناً، وكأنك كنت تطير…
فريق مقام …

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *