دم الحبر.. غسان كنفاني الذي حوّل الهزيمة إلى فضيحة كونية …

10

لا يمكن النظر إلى غسان كنفاني (1936–1972) بوصفه مجرد اسم لامع في سجل الأدب الفلسطيني، بل بوصفه تجربة وعي كثيفة، تشكّلت في قلب العاصفة، وراكمت معناها من الاحتكاك المباشر بالخسارة والمنفى. لم يكن غسان شاهدًا على النكبة فحسب، بل كان واحدًا من أولئك الذين حوّلوا الفقد من صدمة صامتة إلى سؤال مفتوح، ومن شتات جغرافي إلى امتحان أخلاقي ومعرفي.
وُلد في عكا في ربيع عام 1936، في زمن كان يغلي بالثورات والاحتمالات، ثم وجد نفسه بعد اثني عشر عامًا يُقتلع قسرًا من يافا، متنقلًا بين صيدا ودمشق، لا بوصفه لاجئًا عابرًا، بل ككائن يتكوّن وعيه على إيقاع الانكسار. هذا الاقتلاع لم يُطفئ مخيلته، بل زادها حدّة؛ فغسان الذي عمل مدرسًا وصحفيًا، لم يكن في جوهره إلا كاتبًا يسعى إلى إنقاذ المعنى من التبديد، وإلى الإمساك بصورة فلسطين قبل أن تتحول إلى مجرد حنين منزوع الدلالة.
في أعماله الروائية، يمكن تتبع تحوّل عميق في تصور الإنسان الفلسطيني لذاته. في رجال في الشمس، كتب كنفاني واحدة من أكثر الصرخات إيلامًا في الأدب العربي الحديث، حيث بدا الخلاص الفردي وهمًا قاتلًا، وانتهت الرحلة بالموت صامتًا داخل خزان، لا باعتباره حادثة مأساوية فحسب، بل كإدانة أخلاقية للعجز والاستسلام، ليظل السؤال معلقًا في الذاكرة الجمعية: لماذا لم يدقوا الجدران؟
ثم في ما تبقى لكم، انتقل من زمن الانتظار إلى زمن المواجهة، من السكون إلى الفعل، حيث لم يعد الإنسان محكومًا بالدور السلبي، بل صار طرفًا في صراع مفتوح مع نفسه ومع العالم، وصار الزمن نفسه عنصرًا ضاغطًا لا خلفية محايدة.
أما في عائد إلى حيفا، فقد بلغ هذا المسار ذروته الفكرية، حين أعاد كنفاني تعريف الوطن خارج نوستالجيا البيت والمفتاح، وطرح سؤاله الأكثر قسوة: ما قيمة الذاكرة إذا لم تتحول إلى مسؤولية؟ لم يعد الوطن مكانًا مفقودًا فحسب، بل موقفًا أخلاقيًا، ولم تعد القضية استعادة ما كان، بل منع تكرار ما حدث.
إلى جانب الرواية، لعب غسان دورًا محوريًا كصحفي ومثقف اشتباكي، لم يرَ في الكتابة ترفًا أو زينة لغوية، بل فعل مقاومة لا يقل خطورة عن أي سلاح.
حين أسس مجلة “الهدف” في بيروت أواخر الستينيات، كان يبلور خطابًا ثقافيًا يربط بين السياسة والأدب، بين النص والواقع، رافضًا اللغة الخطابية الجوفاء، ومصرًا على وضوح الفكرة وصلابة الموقف. في نقده، التفت مبكرًا إلى أدب المقاومة داخل الأرض المحتلة، وقرأ الشعر الفلسطيني بوصفه تعبيرًا عن وعي جمعي يتشكل تحت القهر، لا مجرد انفعال عاطفي، وكان من أوائل من قدّموا هذه التجارب إلى القارئ العربي باعتبارها جزءًا من معركة الوجود.
في صباح الثامن من تموز عام 1972، اغتيل غسان كنفاني في بيروت، في لحظة تراجيدية كشفت بوضوح حجم الخطر الذي كان يمثله. لم يُستهدف لأنه حمل بندقية، بل لأنه كان يكتب رواية مضادة للرواية الصهيونية، ويمتلك قدرة نادرة على تحويل السرد إلى أداة كشف وتحريض. رحلت معه ابنة أخته لميس، وكأن الموت أراد أن يقول إن الاستهداف لم يكن فرديًا، بل موجهًا إلى جيل كامل من المعنى. ومع ذلك، لم يُغلق الاغتيال أسئلته، بل زادها حضورًا، إذ ظل غسان، في نصوصه، كاتبًا للايقينيات السهلة، مفضّلًا تعرية الضعف الإنساني لا تجميله، ومؤمنًا بأن البطولة الحقيقية لا تولد من القوة، بل من الاعتراف بالخوف ومقاومته.
يبقى غسان كنفاني تجربة لا تُختزل في سيرة أو أعمال، بل في أثر طويل المدى على الوعي الفلسطيني والعربي. كتب وهو يعاني المرض، ورسم وصمّم واشتغل بالفكرة حتى آخر لحظة، مؤكدًا أن دور المثقف ليس الوقوف على الهامش، بل الغوص في قلب الصراع. في استعادته اليوم، لا نقرأ أدبًا فقط، بل نعيد مساءلة أنفسنا: ماذا فعلنا بالأسئلة التي تركها لنا؟ وهل ما زلنا نملك الشجاعة لنقرع الجدران، أم اعتدنا الصمت؟.
فريق مقام ..

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *