يصعب أن تقف اليوم أمام إحدى لوحات ليلى العطار من دون أن يتملكك شعور غريب بأنك تدخل عالماً تألفه وتعرفه من قبل، رغم أنك ربما لم تره قط في واقعك. امرأة تحدق في المدى البعيد، شجرة تقف صامدة في عزلتها، نافذة نصف مفتوحة، وضوء يتسلل في صمت حذر بين الألوان. لا شيء في هذا العالم يبدو عابراً أو مقحماً، ولا شيء يصرخ مستجدياً انتباه القارئ أو المشاهد.
وربما لهذا السبب بالذات بقيت أعمالها حاضرة ونابضة، في وقت انشغل فيه كثيرون بقصة رحيلها المأساوية أكثر من التفاتهم لتجربتها الفنية الفريدة. لكن الفنانة العراقية التي أنهت الحرب حياتها في صيف عام 1993، تركت وراءها ما هو أبقى بكثير من خبر سياسي عابر في نشرات الأخبار؛ تركت تجربة تشكيلية حية جعلت من اللون ذاكرة، ومن اللوحة شهادة حية على إنسان ظل يقاوم القسوة بالجمال.
تنتمي ليلى الحاج علي صادق العطار، المولودة في بغداد عام 1944، إلى ذلك الجيل الذي أخذ على عاتقه ترسيخ ملامح الفن التشكيلي العراقي الحديث، بعد أن استقرت عقود الريادة الأولى وصنعت أساساتها. وعندما التحقت بأكاديمية الفنون الجميلة، وتخرجت فيها عام 1965، كانت الحركة الفنية في العراق تبني شخصيتها الخاصة المستقلة، مستفيدة بحس ذكي من الإرث الحضاري الضخم لبلاد الرافدين، ومن منجزات الفن الأوروبي الحديث في آن واحد. وفي هذا المناخ الخصب والمليء بالأسئلة تشكل وعي ليلى الفني، لكنها لم تسع أبداً إلى تكرار ما أنجزه السابقون عليها، بل راحت تبحث بصبر عن لغة تخصها؛ لغة تقوم على الاقتصاد والهدوء، وتترك للوحة مساحة لتقول همساً أكثر مما تصرح به علانية.
منذ إرهاصاتها وأعمالها الأولى، بدت ليلى ميالة إلى التقشف والاستغناء في عناصرها البصرية. لم تكن تؤمن أبداً بأن امتلاء اللوحة بالتفاصيل المزدحمة يمنحها ثراءً أو قيمة، بل كانت ترى أن لكل خط ولكل لون وظيفة تعبيرية محددة لا يجوز أن تزاحمها عناصر زائدة عن الحاجة. ولهذا السبب، تبدو كثير من أعمالها شديدة البساطة للوهلة الأولى، لكنها ما إن تمنحها بعض التأمل حتى تكشف عن بناء دقيق وصارم، يقوم على توازن محسوب بدقة بين الكتلة والفراغ، وبين الحركة والسكون. كانت ليلى تعرف جيداً القيمة السحرية للمساحات الصامتة داخل التكوين، وتدرك بوعي فنان حقيقي أن عين المشاهد تحتاج أحياناً إلى الفراغ لكي تتنفس، بقدر حاجتها إلى الشكل المرسوم.
ولعل المرأة كانت الشخصية الأكثر حضوراً وأثراً في عالمها التشكيلي، لكنها لم تظهر في لوحاتها بوصفها موضوعاً جمالياً بالمعنى التقليدي والمألوف، ولا باعتبارها بطلة لحكاية أو دراما محددة الخطوط. إنها امرأة تحمل ملامح البشر جميعاً؛ وجه هادئ كبرياء يضمر قلقاً إنسانياً عميقاً، وعينان واسعتان تبدوان كأنهما تنظران إلى ما يتجاوز حدود المشهد المرئي أمامهما. لم تكن الشخصيات في لوحات ليلى منشغلة بالحركة البدنية أو الفعل، بل بالتأمل والاستغراق الداخلي، وكأنها تعيش في زمن نفسي خاص بها، يختلف تماماً عن الزمن المتسارع والمليء بالصخب الذي يدور من حولها.
وإلى جوار هذه المرأة، حضرت عناصر الطبيعة بانتظام لافت؛ الأشجار، النخيل، الطيور، السماء، والنوافذ المفتوحة دائماً على فضاءات بعيدة غامضة. لكن هذه المفردات لم تكن مجرد عناصر تكميلية أو زخرفية لملء الفراغ، وإنما كانت جزءاً أصيلاً من البناء النفسي والسيكولوجي للوحة. فالشجرة في عالم ليلى تبدو كأنها امتداد للإنسان نفسه في صموده وعزلته، والطائر يفتح دائماً باباً موارباً للحرية أو الرحيل، والنافذة توحي باستمرار بأن ثمة عالماً آخر خفياً يقع وراء ما نراه بالعين المجردة. وحتى حين تغيب الإشارات المباشرة والمعالم الواضحة لمدينة بغداد بشوارعها وقبابها، يبقى حضور المدينة العصية واضحاً في طبيعة الضوء، وفي اختيار الألوان، وفي ذلك الإحساس العميق والحميم بالمكان الذي يصبغ أعمالها بهوية لا تخطئها العين.
وكان اللون، بلا شك، أحد أكثر أدوات ليلى العطار قدرة على التعبير والشحن العاطفي. لم تكن تميل في لوحاتها إلى الصخب اللوني أو التباينات الحادة والفجة، بل فضلت دائماً الدرجات الترابية الدافئة، والزرقاء المخنوقة، والخضراء التي تتجاور في هدوء تام ومن دون أن تفقد قدرتها العجيبة على إثارة الانفعال في نفس المتلقي. وكانت فنانة تعرف كيف تجعل الضوء يخرج من باطن اللون نفسه ومن قلب قماش اللوحة، لا من مصدر ضوء خارجي مسلط عليها، فتبدو بعض اللوحات وكأنها مضاءة من الداخل بنورها الخاص. ومن هنا بالتحديد، اكتسبت أعمالها ذلك المزاج التأملي الصوفي الذي يترك أثره العميق في وجدان المشاهد طويلًا، حتى بعد أن يغادر قاعة العرض ويغلق بابها خلفه.
لهذا كله، يجد النقاد صعوبة حقيقية في تأطير تجربتها أو وضعها داخل مدرسة فنية واحدة مغلقة. فقد اقتربت في بعض الفترات من المدرسة التعبيرية بما تمنحه للألوان من شحنة وجدانية دافقة، واستفادت من الرمز بذكاء من دون أن تحوله إلى شفرة معقدة أو لغز مغلق في وجه الجمهور، كما لامست في أعمال أخرى أجواء الحلم واللاشعور التي تذكرنا بالسريالية. لكنها، رغم كل هذه التقاطعات، ظلت تستخدم هذه العناصر بحرية كاملة، ومن غير أن تخضع لقواعد أو قيود اتجاه فني بعينه. كانت ليلى تثق في حدسها الداخلي وشعورها الفطري كفنانة أكثر بكثير مما تثق في التصنيفات النقدية الجاهزة، وكانت تؤمن دائماً بأن اللوحة لا تُقاس بانتمائها إلى مدرسة أو تيار، وإنما بقدرتها على البقاء حية ومقاومة النسيان.
لم يقتصر حضور ليلى العطار وأثرها على حدود مرسمها وعزلتها الفنية؛ فقد انحازت مبكراً للعمل العام وخاضت غماره حين تولت إدارة المتحف الوطني للفن الحديث، ثم أصبحت مديراً عاماً لدائرة الفنون التشكيلية بالعراق، وهي مسؤوليات جسيمة وضعتها في قلب الحياة الثقافية العراقية الملتهبة. وبين رعاية المعارض، ومتابعة المقتنيات، وتطوير البرامج الفنية، انشغلت ليلى بمعركة حقيقية لحماية التراث التشكيلي العراقي وصونه، وإتاحة الفرص أمام الفنانين الشباب لعرض أعمالهم وتوصيل أصواتهم، في وقت كانت فيه المؤسسات الثقافية في البلاد تواجه ضغوطاً قاسية واختبارات طاحنة بسبب ظروف الحروب ومرارة الحصار. كانت تدرك بوعي مسؤول أن العمل الفني لا يعيش بموهبة صاحبه وحدها في الفراغ، بل يحتاج أيضاً إلى مؤسسة واعية تعرف قيمته وتحسن حمايته من عوادي الزمن.
ولم يكن هذا الانتقال إلى العمل المؤسسي والإداري يعني أبداً ابتعادها عن الرسم أو تراجع شغفها بالريشة، بل بدا امتداداً طبيعياً وفطرياً لفهمها لدور الفن في المجتمع وأهميته في أوقات الأزمات. فقد واصلت إنتاجها التشكيلي الغزير بالتوازي مع مسؤولياتها الإدارية الصعبة، بل إن كثيراً من أعمالها التي أنجزتها خلال حقبة الثمانينيات وأوائل التسعينيات تكشف عن مرحلة أكثر نضجاً وخبرة، وميل أكبر نحو الاختزال. صارت اللوحة في هذه المرحلة أكثر هدوءاً وسكينة، والعناصر أقل عدداً على السطح، لكن العلاقات البصرية والجمالية بينها ازدادت إحكاماً ومتانة، حتى بدا للمتأمل أن كل خط، وكل كتلة، وكل درجة لونية تؤدي دوراً جوهرياً لا يمكن حذفه أو الاستغناء عنه دون أن يختل البناء كله.
في هذه المرحلة تحديداً، بلغت مفرداتها التشكيلية أقصى صور صفائها البصري. المرأة، والشجرة، والطائر، والنافذة؛ لم تعد مجرد عناصر ومفردات تتكرر بشكل آلي من عمل إلى آخر، بل تحولت إلى ما يشبه المعجم البصري الخاص بها، وأبجديتها التي تكتب بها مشاعرها. كانت المرأة تقف في لوحاتها غالباً في مواجهة فضاء مفتوح ممتد، كأنها تنصت بخشوع إلى سر أو صوت لا يراه ولا يسمعه سواها، بينما تتوزع الأشجار والطيور من حولها في صمت مهيب يضفي على المشهد طابعاً طقسياً وتأملياً فريداً. لا شيء هنا يفرض على المشاهد تفسيراً واحداً قاطعاً، ولا شيء يبدو غامضاً لمجرد الغموض أو التعجيز؛ فالمعنى يظل مفتوحاً ومرحباً، ويترك للمتلقي مساحة حرة ليشارك بنفسه في بناء اللوحة وإكمال حكايتها.
لم تكن ليلى العطار معنية يوماً بتسجيل الواقع الخارجي بدقة فوتوغرافية كما تراه العين المجردة، بل كما تحتفظ به الذاكرة الإنسانية وتصفيه من الشوائب. ولهذا السبب جاءت ألوانها بعيدة كل البعد عن النقل الحرفي للطبيعة. الأزرق، والأخضر، والبني، والأحمر القاتم، تتجاور في مساحات واسعة مريحة للعين، فيما يتسلل الضوء بين جنباتها في هدوء ودلال، كأنه يفتح نافذة صغيرة للأمل داخل عالم مثقل بالتأمل والشجن. لم يكن الضوء عندها بمثابة إعلان صاخب عن انتصار أو خلاص مجازي، بل كان مجرد علامة خافتة على أن الأمل يظل ممكناً وحاضراً، حتى وهو محاط بكل هذا الصمت المطبق.
وربما لهذا السبب تحديداً، احتفظت أعمال ليلى بقدرتها العجيبة على مخاطبة المتلقي والاشتباك معه خارج حدود سياقها الزمني الضيق. فهي أعمال لا تتوقف عند حدود حدث سياسي مباشر أو واقعة تاريخية بعينها، ولا تعتمد على رموز طلاسمية مغلقة تحتاج إلى مفسر أو كاتالوج مسبق لفهمها، وإنما تنطلق من مشاعر إنسانية كلية وعامة؛ مشاعر الحنين، الانتظار، الخوف، والرغبة الفطرية في التشبث بما يمنح الإنسان إحساسه بالمكان والانتماء والأمان. ومن هنا بقيت لوحاتها قادرة على التنفس والحياة، حتى بعد أن تغيرت الظروف المعقدة والظالمة التي وُلدت فيها تلك اللوحات.
في السابع والعشرين من يونيو (حزيران) عام 1993، تعرض حي المنصور السكني الهادئ في بغداد لغارة صاروخية أمريكية عنيفة استهدفت مقر جهاز المخابرات والمنطقة المحيطة به، فأصاب أحد الصواريخ بشكل مباشر منزل ليلى العطار، لتلقى مصرعها على الفور مع زوجها، بينما أصيبت ابنتها بجروح خطيرة تركت ندوبها في الجسد والروح. وسرعان ما تصدر خبر مقتلها المأساوي وسائل الإعلام العالمية، وتحولت نهايتها المفجعة إلى واحدة من أشهر الوقائع الإنسانية المرتبطة بذاكرة الحرب والعدوان على العراق.
غير أن هذه النهاية الدرامية الحزينة حجبت، للأسف وبمرور الوقت، جانباً كبيراً وعميقاً من منجزها الإبداعي والفني. فكثير من الناس اليوم يعرفون بدقة كيف رحلت ليلى العطار وكيف ماتت، بينما لا يعرفون في المقابل كيف كانت ترسم، أو ماذا أضافت بريشتها إلى مسيرة الفن التشكيلي العراقي والعربي. ولعل هذا التناسي هو واحد من أقسى وأظلم ما يمكن أن يحدث لمبدع؛ أن يصبح خبر وفاته الدامي أكثر شهرة وحضوراً من مجمل أعمال حياته، وأن تتحول المأساة الشخصية إلى عدسة ضيقة يُنظر من خلالها إلى مسيرته كلها وتجربته الثرية.
لكن لوحات ليلى العطار، لحسن الحظ، ما زالت تقاوم هذا النسيان وتنتصر عليه بوقار. فما إن يقف المشاهد منصفاً أمام أعمالها، حتى يستعيد على الفور حضور فنانة كانت ترى العالم بعين أكثر هدوءاً وعمقاً من زمنها الصاخب، وتمنح الإنسان مكانه الأثير في قلب اللوحة، بعيداً عن كليشيهات الشعارات المرفوعة والضجيج العابر. كانت تؤمن بيقين أن الجمال ليس ترفاً هامشياً في الحياة، بل هو وسيلة جوهرية لفهم هذه الحياة والتمسك بها، وأن الفن يستطيع، حتى في أكثر لحظات التاريخ قسوة وبربرية، أن يحفظ ويصون ما تعجز الوقائع الجافة والتواريخ الرسمية عن الاحتفاظ به.
واليوم، وبعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على رحيلها المفاجئ، لا تزال أعمال ليلى العطار الموزعة بين المتحف العراقي للفن الحديث والمجموعات الفنية الخاصة داخل العراق وخارجه، شاهداً حياً وباقياً على تجربة إبداعية أصيلة لم تنقطع بموت صاحبتها. فما زالت الوجوه الإنسانية التي رسمتها بحب تحتفظ بهدوئها الكبريائي، وما زالت الأشجار تضرب جذورها في أرض الذاكرة، وما زال الضوء يشق طريقه بثقة بين الظلال الخائفة، كأن ليلى العطار تركت في كل لوحة نسجتها أثراً حياً من روحها، ورسالة دافئة تقول لنا إن جسد الفنان قد يغيب ويفنى، لكن العالم الذي يصنعه بالصدق والفرشاة يظل عصياً على الموت وقادراً على البقاء.
لا تعليق