مقدمة:
تنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أن العرض المسرحي “ظل الحكايات “([1]) يمثل نموذجًا تطبيقيًا للمسرح الجذموري في المسرح المصري المعاصر؛ إذ يتجاوز البناء الدرامي الخطي القائم على المركزية والتتابع، ليؤسس بنية تقوم على التعدد والانفتاح والتشظي وإعادة تشكيل العلاقات بين عناصر العرض.
وتكمن أهمية هذه الفرضية في كونها مفهوم فلسفي يمتد أثره داخل المجال المسرحي، حيث الكشف عن تحولات أعمق في إنتاج المعنى؛ حيث لم يعد العرض يقدم حكاية مغلقة أو مسارًا واحدًا للتلقي، وإنما يفتح المجال أمام بناء دلالات متعددة يشارك المتلقي في تشكيلها.
وفي ضوء ذلك، يسعى هذا المقال إلى تأصيل مفهوم الجذمور فلسفيًا، ثم اختبار حضوره داخل البنية المسرحية للعرض، من خلال تتبع بناء المشاهد، وتشكيل الشخصيات، وحركة الزمن، ودور العناصر السينوغرافية في إنتاج الدلالة.
ولهذا يمكننا النظر إلى العرض المسرحي بوصفه تجربة تهشم كل المركزيات والثوابت؛ لتنفتح على شبكة من العلاقات المتحركة التي تعيد إنتاج المعنى عبر الاتصال والانقطاع والتعدد.
الجذمور- من الفلسفة إلى المسرح:
شبَّه الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت الفلسفة بالشجرة؛ فجعل جذورها الميتافيزيقا، وجذعها الفيزياء، وأغصانها بقية العلوم، وبذلك تأسس تصور يقوم على وجود أصل تتفرع عنه سائر المعارف، بما يكرّس ثنائية المركز والهامش والأصل والفرع.
غير أن هذا النموذج اتخذ منحى مختلفًا مع جيل دولوز الذي رفض البحث عن البدايات والماهيات الثابتة، واتجه إلى التفكير في الظواهر من مناطق التشكل والحركة، لا من نقطة الأصل أو النهاية([2])،وبهذا لم يعد التفكير بحثًا عن حقيقة مكتملة، بل أصبح فعلًا لإنتاج إمكانات جديدة للمعنى. ([3])
وفي هذا السياق، يعرّف دولوز الفلسفة بأنها “فن إبداع المفاهيم” ([4])أي أن المفاهيم لا تُفهم بوصفها صيغًا مستقرة، وإنما بوصفها أدوات مفتوحة لإعادة بناء الواقع وتفسيره.
ومن هنا اكتسب مفهوما الاختلاف والتكرار أهمية خاصة داخل مشروعه؛ إذ لا يعني الاختلاف الابتعاد عن نموذج أصلي، كما لا يعني التكرار إعادة إنتاج الشيء نفسه، بل يتحول كل اختلاف إلى إمكانية جديدة، وكل تكرار إلى إعادة تشكيل للمعنى. ([5]) وهنا ينسرب أفق مغاير يجع التكرار أداة لتشكيل نمط جديد، يقوم على تفكيك المركزيات والبنى التقليدية.
مفهوم الجذمور:
ينتمي مصطلح الجذمور (Rhizome) إلى علم النبات؛ حيث يدل على ساق أفقية تنمو تحت سطح الأرض وتمتد في اتجاهات متعددة دون مركز ثابت، كما في بعض النباتات مثل الزنجبيل والنعناع. وتقوم بنيته على الاتصال والانتشار أكثر من التدرج والتفرع؛ إذ ترتبط نقاطه بعضها ببعض دون خضوع لأصل واحد أو مسار إلزامي ([6]).وقد استعار جيل دولوز وفيليكس غاتاري هذا المفهوم في كتابهما “ألف سطحية: الرأسمالية والفصام” ليقدما نموذجًا معرفيًا بديلًا للنموذج الشجري الذي حكم التفكير الغربي طويلًا. فبينما تقوم الشجرة على الجذر والتراتب والامتداد من مركز واحد، يقوم الجذمور على التشابك والانفتاح وتعدد المسارات.
ويعبّر دولوز وغاتاري عن هذا الفرق بقولهما إن الشجرة” تحدد نقطة وتثبت ترتيبًا”، بينما الجذمور “ليس له بداية أو نهاية؛ إنه دائمًا في الوسط، بين الأشياء، وبين الكائنات”. ([7])ولا ينضوي هذا التطور ضمن البنية المعرفية، بل يمتد إلى فهم العمل الفني؛ إذ لم يعد المعنى مرتبطًا بأصل ثابت أو خاتمة نهائية، وإنما يتولد من العلاقات التي تنشأ أثناء الحركة داخل النص أو العرض.
ولهذا اختزل الفيلسوفان رؤيتهما في عبارة موجزة: “«كونوا جذمورًا، لا جذرًا” ([8]).
ويمكن تصوير الفرق بين النموذج الشجري والنموذج الجذموري كما في الشكلين الآتيين([9]):
يعكس الشكلان السابقان اختلافًا في تراتبية إنتاج المعنى؛ فالنموذج الشجري يربط العناصر بمركز منظم، أما الجذمور فيبني العلاقات عبر التشابك والتجاور، وهو ما يمنح المتلقي مساحة أكبر للمشاركة في بناء الدلالة، خاصة داخل التجربة المسرحية المعاصرة.
المبادئ الستة للجذمور:
لا تُفهم مبادئ الجذمور بوصفها قواعد منفصلة، وإنما بوصفها شبكة مترابطة تفسر كيفية تشكل المعنى خارج المنطق الخطي؛ إذ يعمل كل مبدأ داخل الآخر ليؤسس بنية مفتوحة وقابلة لإعادة التكوين ([10]):
أولًا وثانيًا: مبدأ الترابط والتباين:
يقوم الجذمور على إمكانية اتصال أي نقطة بأي نقطة أخرى، دون اشتراط مركز أو تسلسل سابق. ولا يُنظر إلى الاختلاف هنا بوصفه انقطاعًا، بل بوصفه شرطًا لإقامة العلاقات؛ إذ تنتج البنية الجذمورية معناها من التعدد والتجاور لا من التشابه والتماثل.
وتكمن أهمية هذين المبدأين في أنهما يحرران العمل الفني من فكرة البداية الملزمة والنهاية المحددة، ليصبح الدخول إلى المعنى ممكنًا من أكثر من موضع.
ثالثًا: مبدأ الكثرة:
تتسع آفاق التأويل بتعدد العناصر، وكأننا أمام شبكة من العلاقات اللانهائية، والتي تعيد إنتاج معناها في إطار مبناها الكلي؛ ومن ثمّ، لا يظهر العمل الفني بوصفه وحدة مغلقة، بل كيانًا متغيرًا تتولد دلالته من الحركة الداخلية بين أجزائه.
رابعًا: مبدأ التمزق اللادال أو القطيعة اللادلالية:
يؤكد هذا المبدأ أن الجذمور قادر على الاستمرار حتى بعد الانقطاع؛ إذ يمكن قطعه في أي موضع دون أن يفقد قدرته على إعادة التشكل؛ ولهذا يتحول الانقطاع إلى لحظة لإنتاج مسارات جديدة ، يمكن أن تشتبك ضمن أفق تواصلي منقطع النظير.
خامسا وسادسًا: مبدأ الخرائطية والملصقية:
تنتهي المبادئ إلى تصور يجعل الجذمور أقرب إلى الخارطة منه إلى النموذج الثابت؛ فهو لا يعيد إنتاج شكل سابق، ولا يسعى إلى استنساخ أصل واحد، وإنما يظل مفتوحًا على التعديل وإعادة الرسم. ولهذا تتعدد داخله المداخل والاتجاهات، ويصبح المتلقي مشاركًا في اكتشاف المسارات بدل تتبعها.
ومن خلال هذه المبادئ ينتقل العمل الفني من كونه بناءً مغلقًا قائمًا على المركز والتسلسل، إلى فضاء مفتوح تُنتج دلالاته عبر الاتصال والتعدد وإعادة التشكيل.
ثانيًا: البنية الجذمورية في العرض المسرحي “ظل الحكايات”
. يقدم عرض “ظل الحكايات” تجربة مسرحية تتجاوز البناء التقليدي القائم على الحبكة المتدرجة، لتؤسس عالمًا دراميًا يقوم على التشظي والانقطاع وتعدد مسارات المعنى. فالعرض، من تأليف إبراهيم الحسيني وإخراج عادل بركات، لا يتعامل مع الحكاية بوصفها مسارًا مغلقًا، بل بوصفها فضاءً مفتوحًا يعيد تشكيل نفسه باستمرار.
ويتكون العرض من مشاهد تبدو مستقلة ظاهريًا، غير أن ما يجمعها ليس التسلسل الزمني أو السببي، بل ما يمكن تسميته بـ”الحكاية المؤجلة”؛ أي الحكاية التي لا تكتمل بقدر ما تستمر في إعادة إنتاج ذاتها.
المحور الأول: البنية البازلية – تجسيد مبدأي الترابط والتمزق
وُصف العرض بأنه “أشبه بقطع البازل التي عليك إعادة تركيبها بطريقتك لتخرج في النهاية بشكل محدد له معنى أو مغزى”([11]). ويكشف هذا الوصف طبيعة البناء الجذموري؛ إذ تنتفي مرجعية الأصل، ويبدأ المعنى في إقامة علاقاته التي ينشئها المتلقي.
ويؤكد يسري حسان أن الأحداث”تتوالى في شكل متجاور لا متنام، إذ لا دراما تقليدية تحكمها” ([12])، ومن هنا يتراجع منطق الحبكة التقليدية-القائمة على الخيط الرابط للأحداث- لصالح منطق التجاور؛ وتصبح المشاهد بل وحدة قابلة للاتصال بمشاهد أخرى وفق احتمالات متعددة.
ويتجسد مبدأ التمزق اللادال في لقاء “منصور” بالشخصية الغائبة “سلامة”؛ إذ يتحول الانقطاع بين الواقعي والمتخيل إلى آلية لبناء عالم جديد، لا إلى لحظة انهيار درامي. وهكذا يصبح التشظي وسيلة لإنتاج المعنى لا علامة على غيابه.
المحور الثاني: تعدد الشخصيات – تجسيد مبدأي الكثرة والتغاير
يفقد العرض فكرة البطل المركزي بالمعنى التقليدي؛ فـ”منصور” عبر التداعي الحر ومنطق اللاوعي يتحول إلى نقطة عبور داخل شبكة من الأصوات والصور.
وتظهر البنية الجذمورية بوضوح في اعتماد العرض على تعدد الشخصيات التي يؤديها الممثل الواحد؛ إذ يوضح الفنان محمود الزيات أنه قدّم شخصيات متعددة داخل العرض، مع الحفاظ على خصوصية كل منها ([13])ولا يعكس هذا التعدد تنوعًا أدائيًا فقط، إذ يكشف أن الهوية داخل العرض ليست ثابتة، وإنما تتحرك باستمرار وفق علاقات جديدة؛ فتتراجع الحدود بين الشخصيات وتظهر الذات بوصفها حالة من التحول المستمر.
وفي السياق نفسه، تشير الفنانة عبير الطوخي إلى تقديمها شخصيتي “سلمى” و”ليل”، مع تأكيدها أن هذه الشخصيات تنتمي إلى خيال البطل أكثر من انتمائها إلى الواقع ([14]).وتكتمل هذه الرؤية مع الإشارة إلى أن الشخصيات”غير حقيقية وموجودة في خيال البطل”([15]) ، وهو ما يجعلها أقرب إلى صور ذهنية تتحرك داخل عالم نفسي متشظٍ.
المحور الثالث: الزمن الكابوسي – رسم الخرائط بدل التتبع
يعد الزمن النفسي هو المنطق الحاكم للعرض المسرحي، إذ تتبدى الكوابيس والذكريات والاحتمالات، وكأنها العالم المتخيل الرابط لخيوط المشاهد. وتصف صفاء البيلي العرض بأنه”سيكودرامية العبث حيث تتحول الحياة إلى كابوس مخيف”([16])، وهو وصف يبرز انتقال العرض من تمثيل الواقع إلى تمثيل أثره النفسي.
ويؤكد يسري حسان أن العرض “حفل بتداخلات ورموز كان على المشاهد فك شفراتها لاستيعاب ما يدور أمامه، كل حسب قدرته وفهمه لطبيعة الحلم” ([17]). ومن هنا ينفك عقد اتصال العرض، ويصبح خارطة مفتوحة، يعيد المتلقي تنظيمها أثناء المشاهدة.
ويعزز إبراهيم الحسيني هذا التصور بقوله: “لم يكن اهتمامي هو 
سرد الحكاية بل إبراز المعنى الكامن داخل كل حكاية “([18])،ويكشف هذا التصريح انتقال مركز الثقل من الحدث إلى الدلالة، ومن الحكي إلى بناء تجربة تأويلية تتولد من الفراغات والانقطاعات بقدر ما تتولد من المشاهد نفسها.
المحور الرابع: السينوغرافيا والموسيقى – عناصر متكافئة في الشبكة الجذمورية
تمتد البنية الجذمورية المتشظية إلى الفضاء البصري والسمعي، وقد أشير إلى أن الإضاءة كانت “العنصر البصري الأكثر مرونة وحركية”، وأسهمت في تفتيت ثبات العالم المسرحي وإعادة تشكيله بصريًا ([19])، كما يؤكد المخرج عادل بركات أنه سعى إلى تقديم العالم كما يراه “منصور”، مع الاعتماد على تعدد مستويات الأداء والعرائس داخل العرض ([20]) ، ولا يعني إبراز عنصر دون آخر إقامة تراتب داخل العمل، بل إن جميع العناصر تعمل داخل شبكة واحدة؛ حيث يتولد المعنى من تفاعل النص والأداء والضوء والفضاء المسرحي.
الخاتمة والنتائج
وختامًا، تكشف قراءة عرض”ظل الحكايات” في ضوء مفهوم الجذمور أن المسرح المصري المعاصر خرج عن نمطية النموذج الدرامي التقليدي القائم على الحبكة المتنامية والمركز السردي الواحد، و اتجه إلى بناء جمالي أكثر انفتاحًا، تتوزع فيه الدلالة عبر شبكة من العلاقات المتحركة بين النص والأداء والزمن والفضاء المسرحي، فقد أعاد العرض تنظيم العلاقة بين المشاهد والشخصيات والعناصر السينوغرافية، واستمد بنيته الشبكية من الحركة المستمرة بين الانقطاع والاتصال.
د.ابتسام سيد أحمد
مدرس النقد والأدب المقارن كلية الآداب –جامعة بنها- مصر 
[1] https://youtu.be/5HLcYlsJmfg?si=7_5tyKs2ma_W7_gI
[2] ولد جيل دولوز سنة1925 في باريس ، توجه إلى الأدب بتأثير أستاذه بيار هلواك، حيث تذوق قراءات بودلير وأناتول فرانس وأندريه جيد، غذى بها كل أعماله، وقد نذر حياته للفلسفة، حيث توسعت قراءاته لتصل إلى كافكا، وهوسرل، وهايدغر، وصدر له : كتاب نيتشه والفلسفة سنة 1957، وقد ناقش اطروحته للدكتوراه مع موريس دو غاندياك، وهي نواة الاختلاف والتكرار.، وله ايضا الأنتي أوديب مع0غاتاري)، وألف مسطح مع (غاتاري)، كذلك وضع كتبًا عن السينما : الصورة –الزمن، والصورة –الحركة.
جيل دولوز: الاختلاف والتكرار، ترجمة: د. وفاء شعبان، مركز دراسات الودة العربية، بيروت، 2009، ط1، ص18.
[3] جيل دولوز: الاختلاف والتكرار، ترجمة: د. وفاء شعبان، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2009،ط1، ص12.
[5] جيل دولوز: الاختلاف والتكرار، ترجمة: وفاء شعبان، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط1، 2000، ص30.
[6] جيل دلوز، فليكس غواتاري: ألف سطيحة :الرأسمالية والفصام، ترجمة: عبد العزيز العيادي، منشورات الجمل، الارقة، بغداد، 2023، ص20.
[7] جيل دلوز، فليكس غواتاري: ألف سطيحة، مرجع سابق، ص45.
[8] السابق نفسه: ص51.
[9] بيرت أوليفيار: ماهو الجذمور في فكر دولوز وغوتاري، ترجمة: أنطونيوس نادر، 2024
https://mana.net/
[10]جيل دلوز، فليكس غواتاري: ألف سطيحة، مرجع سابق: ص20.
[11] (Independent Arabia, 2020
يسري حسان: ظل الحكايات ..أحلام رجل مقموع يعيش الواقع كابوسا.
[12] السابق نفسه.
[13] ظل الحكايات –مرآة تعكس توترات وضغوطات حياتنا، جريدة مسرحنا، العدد 637، 2019
[14] ظل الحكايات- مرآة تعكس توترات وضغوطات حياتنا، مرجع سابق.
[15] السابق نفسه.
[16] صفاء لبيلي: ظل لحكايات سيكودرامية العبث…حين تتحول الحياة إلى كابوس مخيف، لمسرح نيوز، 2019.
[17] يسري حسان: ظل الحكايات ..أحلام رجل مقموع يعيش الواقع كابوسا.
[18] السابق نفسه.
[19] ظل الحكايات..رحلة الوعي والتعرف على الذات والعلم، جريدة مسرحنا، 2019.
[20] يسري حسان: جريدة مسرحنا.


لا تعليق