غزل الحواس: كيف أعادت هايدي فاروق رسم الخريطة بمذاق الرمان؟

3

​في الفضاء الرحب لأدب الرحلات العربي، اعتدنا غالباً على الرحالة الذي يقتحم المدن من بواباتها السيادية الكبرى؛ فيسجل صدى التاريخ، ويحصي أطلال الآثار، ويرصد تقلبات السياسة، أو يسقط في فخ الانبهار البصري العابر. يسير الرحالة التقليدي فوق جسد المدينة، يلتقط صوراً من أعالي الأبراج، ويمر بالمعالم كمن يعبر واجهات عرض باردة. أما هايدي فاروق، في كتابها «التشورتشخيلا وحكايات أخرى»، فتجترح لنفسها مساراً مغايراً تماماً، إذ تلج الأوطان من أشد أبوابها دفئاً وحميمية: باب المطبخ.
​غير أن المطبخ في هذا النص ليس مجرد “ديكور” فولكلوري، أو ملحق ترفيهي لزوم النزهة، بل هو جهاز معرفي كامل ورؤية كونية. كأن الكاتبة تبثنا منذ عتبة النص الأولى دستور رحلتها: “إذا أردت أن تسبر أغوار شعب، فراقب ما يطهوه في الخفاء والعلن، وكيف يتناول مائدته في ذروة الفرح، وفي غياهب الحرب والحِداد”.
​هذه الرؤية، وإن كانت ترتكز على جذور أنثروبولوجية، إلا أنها تتبدى في الكتابة العربية كعملة نادرة، وتكتسب فرادة استثنائية في أدب الرحلات النسوي. هايدي لا تسافر بصفتها “مستكشفة جغرافية”، بل بصفتها رائية تحاول تفكيك الروح القوقازية عبر “مسام” الحياة اليومية: عبر رائحة الخبز التي تختزل الهوية، وطريقة تعليق الغسيل التي تحكي قصص المستور، ومذاق الجوز الذي يجسد الصمود، وارتباك التوابل، ودفاتر الجدات الحبلى بالوصفات، وطقوس الولائم التي تُقام كصلاة جماعية.

​الجسد بوصفه راداراً للمعرفة ..
تكمن فرادة الكتاب في كونه لا يكتب عن جورجيا وأرمينيا من الخارج، بل من “الداخل الحميمي” جداً للوجود. المدهش أن الكاتبة لا تشيد خطاباً ثقافياً متعالياً، بل تنطلق من الحواس، من الجسد، من الجوع والدهشة البكر أمام طبق “الخاتشابوري” أو “الخينكالي”. المعرفة هنا لا تعبر بوابة العقل كأفكار مجردة، بل تنسال عبر الفم والأنف والجلد، مما يحول الكتاب إلى «أنثروبولوجيا حسية» تعيد الاعتبار للمشاعر كأداة للفهم.

 

​في مقدمة الكتاب، تضع هايدي فاروق حجر الزاوية الفلسفي لنصها بجملة هي مفتاح لكل ما يليها: «أطعمني كي أراك». هذه العبارة ليست مجرد استعارة شاعرية، بل هي “مانيفستو” الكشف الإنساني. الطعام هنا أداة تعرية للمستور؛ فالوصفة ليست مجرد مقادير، بل هي تاريخ متخفٍ في هيئة طعم. البهارات ليست نكهات عابرة، بل هي الندوب التي تركتها الهجرات والحروب والتحالفات. والمائدة القوقازية، في توصيف الكاتبة، هي “المقاوم الصامد” الذي استوعب الإمبراطوريات (الفارسية، الروسية، العثمانية) دون أن يذوب في أحشائها.

 

 

​بلاغة “المراوغة” وهوية المقاومة ..
تبرع الكاتبة في تقديم الطعام بوصفه «هوية مقاومة»، حيث يتحول الجوز والرمان واللافاش والتشورتشخيلا إلى شواهد حضارية حية. وحين تقارب “الجوز”، فهي لا تصفه كمكون غذائي، بل كعنصر بنيوي في “الدي إن إيه” الجورجي. الجوز في هذا الكتاب هو “المايسترو” الذي يدير الأوركسترا: في الصلصات، واللحوم، والحلويات. لكنه يدخل عبر استراتيجية تطلق عليها الكاتبة «المراوغة».
​و«المراوغة» هنا هي أذكى المفاهيم النقدية التي يطرحها النص؛ فالمطبخ الجورجي لا يقدم نكهات صريحة حادة، بل طبقات متراكمة من الطعم، حيث ينسحب المذاق ويظهر في آن واحد. الجوز يتماهى بالثوم، والرمان يعانق الأعشاب، في مزيج عصي على التصنيف. هذه “المراوغة” تنتقل من المائدة إلى “اللغة” ذاتها؛ فلغة هايدي فاروق لغة مراوغة، لا هي بالتقريرية الجافة، ولا بالانفعالية الساذجة، بل هي لغة تقوم على “الانزياح الحسي” والتقاط التفاصيل الهامشية.
​تأمل صياغتها لوصف حبال الغسيل في “باتومي”: «كأنها خيوط حياة تجمع الجيران.. الأسرار والهمسات والحكايات معلقة في المنتصف». هذا النفس الروائي يكشف عن “عين امرأة” ترى المدينة من شرفاتها الخلفية لا من قصورها، ومن مطابخها لا من متاحفها، لتكشف لنا البنية التحتية للمشاعر الإنسانية.

الأرشيف النسوي المضاد ..
الحضور النسائي في الكتاب ليس عارضاً، بل هو “المنهج”. نحن نتعرف على القوقاز عبر “البيبيا” الجورجية و”التاتيك” الأرمينية؛ الجدات اللواتي يحرسن إرث الشعوب داخل دفاتر قديمة. هنا يتحول المطبخ إلى أرشيف نسائي مضاد للتاريخ الرسمي؛ فبينما يخبرنا التاريخ السياسي من احتل الأرض، تخبرنا دفاتر الوصفات كيف نجت الروح. الطعام، كما تراه الكاتبة، هو «الإرث الناجي دوماً من لعنة التاريخ»؛ الإمبراطوريات تندثر، لكن وصفة حساء في مطبخ امرأة عجوز تظل عابرة للقرون.
​وحين تنخرط الكاتبة في ورش الطهي، فهي لا تمارس نشاطاً سياحياً، بل تؤدي طقساً للانتماء. حين تعجن “الخاتشابوري”، هي لا تتعلم طبخة، بل تلمس قلب الثقافة النابض.

​الواقعية والجسور الإنسانية ..
لا يسقط الكتاب في فخ “الرومانسية السياحية” السطحية؛ فهايدي تمتلك شجاعة الكتابة عن الخسارات، وعن غش مكاتب الصرافة، ووعورة الطرق، والشوارع التي تبعث على الريبة، وحتى خوفها الشخصي من رائحة الكبريت في الحمامات. هذه الواقعية هي التي تمنح النص صدقيته الإنسانية وتنقذه من المثالية الزائفة.
​ومن أجمل تجليات النص تلك “المقارنات السرية” بين القوقاز ومصر، حيث توقظ الرحلة ذاكرة محلية عميقة: فحبال الغسيل تستدعي زينة رمضان، والتشورتشخيلا تذكرنا بـ “الملبن الحبل”، والأسواق الشعبية تعيد إليها “إسكندرية القديمة”. هنا ينجح الكتاب في تحقيق المعادلة المستحيلة: كتابة “الآخر” عبر استحضار “الذات”، ليصبح السفر اكتشافاً للتشابه الإنساني المذهل بين البيوت والمطابخ والنساء.

 

​الهجنة والامتزاج المستحيل ..
يعي الكتاب تماماً فكرة “الهجنة” الثقافية؛ فالمطبخ القوقازي مزيج هائل من التأثيرات المتداخلة، لكن “العبقرية القوقازية” تكمن في قدرة الامتصاص دون التلاشي. وحتى “السوبرا” (الوليمة) تُقدم هنا بوصفها مؤسسة اجتماعية توازن بين البذخ والانضباط.
​إننا لسنا أمام “كتاب وصفات”، بل أمام نص عن معنى المشاركة الإنسانية. الطعام في القوقاز ممارسة جماعية للهوية والحب. ولهذا، يجد تمثال «علي ونينو» مكانه الطبيعي في الكتاب، لأنه يجسد جوهر النص: الامتزاج المستحيل بين الأديان، النكهات، والقلوب.

 

 

​لغة قابلة للأكل ..
تتصرف اللغة في يد هايدي فاروق كطبق قوقازي فاخر؛ ثمة إسراف حسي متعمد (روائح، بخار، زبد، أجبان ذائبة) يجعل النص “قابلاً للأكل”. ومع ذلك، يضبط هذا الإسراف “حس صحفي” يقظ، يقدم الخلفيات التاريخية بدقة ويستند إلى مراجع رصينة. هذا المزيج بين أدب الرحلات، والبحث الثقافي، والمذكرات الشخصية، والأنثروبولوجيا الغذائية، هو سر قوة هذا العمل.
​الخاتمة: استعارة التشورتشخيلا
عنوان الكتاب هو ذروة ذكائه؛ فـ «التشورتشخيلا» ليست مجرد حلوى، بل هي استعارة كاملة للوجود القوقازي وللكتاب نفسه: كائن ممتد، صلب، مصنوع من طبقات صبورة، يحمل في جوفه تاريخاً طويلاً من التجفيف والحفظ.
​إنه كتاب عن الشعوب التي تلوذ بموائدها لتحتمي من النسيان، وعن محاولة حميمة لإنقاذ الروائح من التلاشي في زمن العولمة. هايدي فاروق تعيد الاعتبار للمطبخ كمنصة معرفية، وتقول لنا إن الحضارات تُقرأ من قدورها كما تُقرأ من دساتيرها. في النهاية، «التشورتشخيلا وحكايات أخرى» لا يقدم لنا القوقاز كخارطة صماء، بل كـ نكهة خالدة، ولا يقدم الشعوب كأرقام، بل كـ موائد تفيض بالحكايات.

 

مقام ..

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *