المكتبة البلدية بين جلال التأسيس وعصمة الصمود …

6

ثمة أماكن في لا تُقاس بحدودها المادية، بل بما تفتحه من ممرات داخل الوعي؛ أماكن تقف كمعابر خفية بين زمنين: زمنٍ يتآكل تحت وطأة العجلة، وآخر يتكثف في بطء التأمل، حيث تظل المعرفة فعل إقامة لا فعل مرور.
في حيّ محرم بك، حيث تتشابك الطبقات الاجتماعية والتاريخية للمدينة، تنتصب مكتبة بلدية الإسكندرية ككائنٍ زمنيٍّ يقاوم التبدّد، لا بوصفها أرشيفًا للكتب، بل بوصفها جهازًا حيًّا لحفظ الذاكرة وتدويرها عبر الأجيال.
ليست هذه المكتبة مجرد مبنى من الحجر، بل هي هيئة من هيئات الزمن نفسه؛ كتلة صامتة تحمل في تجاويفها صدى قرون، وتعيد إنتاج العلاقة الأولى بين الإنسان والورق، بين العين والمعنى، بين القارئ وما يقرأ. كل تفصيلة فيها، من انحناءة السلم إلى خشونة الرفوف، تشي بأننا إزاء مكان لم يُبنَ ليُستخدم فقط، بل ليُعاش.
لحظة التأسيس: حين قررت المدينة أن تكتب نفسها
في عام 1892، لم يكن قرار إنشاء المكتبة البلدية فعلاً إدارياً عابراً، بل كان انعكاساً لتحول عميق في وعي المدينة بذاتها. كانت الإسكندرية آنذاك في ذروة تكوينها الكوزموبوليتاني؛ ميناءً مفتوحاً على العالم، ومسرحاً لتجاور الثقافات واللغات، حيث يتقاطع الإيطالي باليوناني، والفرنسي بالمصري، في نسيج حضري بالغ الثراء.
في هذا السياق، جاء تأسيس المكتبة بوصفه إعلاناً ضمنياً بأن المدينة لا تكتفي بأن تكون ملتقى للتجارة، بل تسعى لأن تكون مركزاً للمعرفة. لم يكن المشروع مجرد تخزين للكتب، بل محاولة لصياغة هوية ثقافية قادرة على استيعاب هذا التنوع وتحويله إلى رصيد حضاري.
ساهمت النخبة المثقفة وأعيان العصر في دعم هذا المشروع، فبدأت المكتبة تتشكل كمستودع نادر للمعرفة. أهدى الأمير عمر طوسون خرائطه الجغرافية، التي لم تكن مجرد أدوات للملاحة، بل وثائق تكشف عن تصور العالم في لحظة تاريخية دقيقة، بينما قدّم الأمير يوسف كمال مقتنيات فنية وكتباً نادرة، جعلت من المكتبة مساحة تتجاور فيها المعرفة العلمية مع الحس الجمالي.
هكذا، لم تكن المكتبة تُبنى بالحجر فقط، بل بالتبرعات، وبالرغبة الجمعية في أن يكون للمدينة ذاكرة مكتوبة تحفظ ما يتبدد في الشفاهة.
هيبة الشكل ومعنى الاستمرار
إذا كانت الكتب هي روح المكتبة، فإن العمارة هي جسدها الناطق. وقد جاءت مكتبة بلدية الإسكندرية بهيئة كلاسيكية تحمل في تفاصيلها صرامة ورصانة، كأنها تقول لزائرها منذ اللحظة الأولى: هنا لا يُستهلك الزمن، بل يُعاد تشكيله.
الواجهات المتزنة، والنوافذ العالية، والسلالم التي ترتفع ببطء مدروس، كلها عناصر تفرض على الداخل إيقاعاً مختلفاً. ليس ثمة عجلة في هذا المكان؛ حتى الضوء يبدو وكأنه يدخل بتؤدة، يتسلل عبر الزجاج ليغمر الكتب بظلٍ خفيف، لا يوقظها تماماً ولا يتركها في العتمة.
إنها عمارة تُربّي الحس، وتعيد ضبط العلاقة بين الجسد والمكان؛ فلا يمكن للمرء أن يدخلها بعقل مشتت، أو أن يخرج منها كما دخل. هناك دائماً شيء ما يُعاد ترتيبه في الداخل.
عندما امتحن الخرابُ المعنى
في عام 1940، وبينما كانت الحرب العالمية الثانية تمتد بظلالها الثقيلة على البحر المتوسط، لم تسلم الإسكندرية من نيرانها. كانت المدينة هدفاً استراتيجياً، ومسرحاً لضربات جوية عنيفة، وفي إحدى تلك الليالي، سقطت قنبلة على مبنى المكتبة، فأصابت جزءاً من هيكلها، وخلخلت تماسكها المادي.
لكن ما يلفت في هذه اللحظة ليس حجم الدمار، بل طبيعة الاستجابة. لم تُقرأ الحادثة كخسارة نهائية، بل كاختبار لمدى إيمان المدينة بمؤسساتها الثقافية. لقد بدا وكأن السؤال الحقيقي لم يكن: ماذا دُمّر؟ بل: ماذا سنفعل كي لا يضيع المعنى؟
ثماني سنوات فقط فصلت بين الضربة وإعادة البناء. في عام 1948، عادت المكتبة إلى الحياة، لا كنسخة باهتة من ماضيها، بل كاستعادة واعية لهيئتها الأصلية. ارتفع برج الساعة مجدداً، لا بوصفه عنصراً زخرفياً، بل كعلامة على استمرارية الزمن، وعلى أن ما يُقاس هنا ليس بالدقائق، بل بقدرة المكان على البقاء.
أرشيف الصمت وطقوس القراءة ..
إذا كان الخارج يهيئك للدخول، فإن الداخل يفرض عليك طقساً كاملاً من التلقي. ما إن تطأ قدماك الطابق الثاني، حتى يلفك صمت كثيف، ليس صمت الفراغ، بل صمت الامتلاء. صمتٌ يحمل طبقات من الهمس المؤجل، وكأن آلاف القراء الذين مرّوا من هنا تركوا ظلال أصواتهم معلقة في الهواء.
هناك، تصطف أدراج الفهارس الخشبية كجيش من الصناديق الصغيرة، كل درج منها يحتوي على بطاقات مصفرة، مكتوبة بخط اليد أو بالآلة الكاتبة، تحمل أسماء كتب ومؤلفين، وتواريخ استعارة، وتعليقات هامشية قد تبدو عابرة، لكنها في الحقيقة شظايا من حيوات كاملة.
هذه الأدراج ليست مجرد أدوات تنظيم، بل هي نظام معرفة قائم بذاته، يسبق الرقمنة، ويقاومها في الوقت ذاته. إنها تفرض على الباحث أن يبطئ، أن يفتش، أن يلمس الورق، وأن يمرّ بتجربة البحث بوصفها رحلة، لا نقرة.
“وصف مصر”: المرآة التي لا تكذب
في قلب هذا الصمت، تقبع واحدة من أثمن مقتنيات المكتبة: النسخة الأصلية من كتاب “وصف مصر”، الذي أنجزه علماء الحملة الفرنسية عقب الحملة الفرنسية على مصر.
هذا العمل الضخم لا يمكن التعامل معه ككتاب بالمعنى التقليدي؛ إنه مشروع معرفي شامل، يجمع بين الجغرافيا، والتاريخ، والأنثروبولوجيا، والفن. صفحاته ليست للقراءة فقط، بل للتأمل البصري، حيث تمتد الرسومات الدقيقة للمعابد، والنقوش، والوجوه، كأنها محاولة لامتلاك مصر عبر تصويرها.
وجود هذا العمل داخل المكتبة يخلق مفارقة عميقة: فهنا، في قلب مدينة مصرية، يُعرض نصٌّ كُتب بعينٍ أوروبية، لكنه تحوّل مع الزمن إلى جزء من الذاكرة المحلية. كأن المكتبة تحتفظ بمرآتين في آنٍ واحد: مرآة ترى بها مصر نفسها، وأخرى ترى كيف رآها الآخر.
الذاكرة بوصفها مقاومة: المكتبة في زمن الرقمنة
اليوم، في عصر تتسارع فيه المعرفة إلى حد التبخر، تبدو مكتبة بلدية الإسكندرية ككائنٍ يرفض الانخراط الكامل في هذا الإيقاع. ليست معادية للتطور، لكنها ليست مستعدة للتخلي عن طقوسها.
في عالم تُختزل فيه الكتب إلى ملفات رقمية، وتُختصر فيه عمليات البحث إلى ثوانٍ، تظل هذه المكتبة وفية لفكرة أن المعرفة ليست فقط ما نصل إليه، بل كيف نصل إليه. أن العلاقة مع الكتاب علاقة حسية، جسدية تقريباً؛ تُمسك، تُقلب، تُشم، وتُترك آثارها على الأصابع.
إنها تقاوم النسيان لا عبر الرفض، بل عبر الإصرار على البطء، وعلى العمق، وعلى أن للمعرفة وزناً لا يمكن تخفيفه.
البقاء كفعل ثقافي
مكتبة بلدية الإسكندرية ليست مجرد شاهد على الماضي، بل هي فاعل في الحاضر، حتى وإن بدا صامتاً. وجودها في حد ذاته هو فعل مقاومة ضد التآكل، وضد فكرة أن كل ما هو قديم قابل للاستبدال.
هي مكان يذكّرنا بأن المدن لا تُقاس فقط بما تبنيه، بل بما تحتفظ به؛ وأن الذاكرة ليست رفاهية، بل ضرورة. وأن هناك دائماً حاجة إلى أماكن تُبطئ الزمن، وتعيد ترتيب علاقتنا بالعالم.
في ظل كل هذا الضجيج، تظل المكتبة واقفة، لا كأثرٍ تاريخي، بل ككائنٍ حيّ، يحرس ما تبقى من المعنى، ويترك باباً مفتوحاً لمن يجرؤ على العبور—لا إلى الداخل فقط، بل إلى عمق ذاته.
فريق مقام …

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *