غواص في بحر النغم.. أبصر بقلبه ما عجزت عنه العيون ..
لم يكن عمار الشريعي مجرد موسيقار عابر في تاريخ الفن العربي، بل كان ظاهرة إنسانية وفنية فريدة، طوعت الظلمة لتغدو نوراً ينسكب في آذان المستمعين. هو “غواص” النغم الذي لم يحتج للبصر ليرسم لوحات صوتية هزت وجدان الملايين، بل استند إلى بصيرة نافذة جعلت من ألحانه لغة عالمية تتجاوز حدود الحواس.
البدايات: بزوغ الفجر من عتمة الليل
ولد عمار علي الشريعي في 16 أبريل 1948 بمحافظة المنيا بصعيد مصر، لعائلة عريقة وجدٍّ كان برلمانياً مرموقاً. فَقَدَ عمار بصره في سن مبكرة، لكن القدر منحه أذناً موسيقية “مطلقة” وعزيمة لا تلين.
بدأت رحلته مع الموسيقى في مدرسة “النور والأمل” للمكفوفين، حيث أتقن العزف على البيانو والأكورديون والعود. وفي عام 1970، تخرج في كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية بجامعة عين شمس، لكنه اختار أن يكتب سيرته بأوتار الموسيقى لا بحروف اللغة.
ثورة “الأورج” والفرقة الموسيقية..
في السبعينيات، أحدث الشريعي ثورة تقنية وفنية؛ حيث كان من أوائل من أدخلوا آلة “الأورج” الإلكترونية إلى التخت الشرقي، محولاً إياها من آلة غربية باردة إلى آلة “تغني” بروح مصرية.
في عام 1980، أسس فرقة “الأصدقاء” التي ضمت منى عبد الغني، حنان، وعلاء عبد الخالق. كانت هذه الفرقة بمثابة مختبر فني قدم من خلاله “موسيقى الجيل” بروح عصرية راقية، بعيدة عن الابتذال، وناقش عبر أغنياتها قضايا اجتماعية بأسلوب السهل الممتنع..
عبقري التترات: صانع ذاكرة الدراما
إذا ذُكر عمار الشريعي، استحضرت الذاكرة فوراً تلك الألحان التي شكلت وجدان المشاهد العربي أمام شاشة التلفاز. لم يكن يلحن كلمات، بل كان “يؤلف” دراما موازية للصورة.
رأفت الهجان (1987): حيث صاغ سيمفونية الترقب والوطنية ببراعة مذهلة.
دموع في عيون وقحة (1980): التي رسمت ملامح الصراع المخابراتي بنغمات حادة ومؤثرة.
أرابيسك (1994): التي جسدت هوية الحارة المصرية وأصالتها.
حديث الصباح والمساء (2001): حيث أخذنا في رحلة عبر الزمن بصوت يقطر شجناً وتاريخاً..
الغواص والناقد..
لم يكتفِ عمار بالتلحين، بل كان معلماً ومحللاً موسيقياً من طراز رفيع. ومن خلال برنامجه الشهير “غواص في بحر النغم” الذي انطلق في أواخر السبعينيات عبر الإذاعة المصرية، استطاع بأسلوبه العذب وفصاحته أن يفكك رموز الأغاني الكلاسيكية، ويشرح عبقرية عبد الوهاب والسنباطي وبليغ حمدي، محبباً الأجيال الجديدة في تراثهم الفني..
الرحيل والبقاء
في 7 ديسمبر 2012، غادرنا جسد عمار الشريعي بعد صراع مع المرض، تاركاً وراءه إرثاً يمتد لأكثر من 150 فيلماً، و120 مسلسلاً، وعشرات المسرحيات والأوبريتات الوطنية.
لقد أثبت الشريعي أن الإعاقة الحقيقية هي إعاقة الروح، وأن الفنان الحقيقي هو من يستطيع أن يرى “النور” في النغم، ويمنحه للآخرين هبةً أبدية. سيظل عمار دائماً ذلك العبقري الذي لم يرَ العالم بعينيه، لكنه جعل العالم يرى الجمال بأذنيه.
الموسيقى هي لغتي التي لا تعرف الكذب، وهي بصري الذي أرى به وجوه الناس وأرواحهم “عمار الشريعي”.
فريق التحرير ..



لا تعليق