إسماعيل الحبروك .. ذلك الوميض الحارق في فلك الأغنية المصرية …

4

​في سيرة إسماعيل الحبروك شيء يشبه الوميض؛ تلك اللحظة الخاطفة التي يمر فيها الضوء حاداً، ليترك أثراً في الذاكرة لا يمحوه غياب. ليس الوميض هنا مجرد استعارة لقصر عمره الذي انتهى في مارس 1961 وهو لم يكمل عامه السادس والثلاثين، بل هو وصفٌ لطبيعة حضورٍ إبداعي لم يعرف التمهّل، وكأنه كان يكتب وهو يدرك سراً أن الوقت لن يمنحه رفاهية الانتظار.
​من “البحيرة” إلى “الحقوق”: تشكّل الحساسية الأولى
​بدأت الحكاية في الخامس من يناير 1925، في محافظة البحيرة. هناك، في الريف الذي يعلّم أبناءه أن الإصغاء يسبق الكلام، تشكلت حاسة الحبروك اللغوية. وحين انتقل إلى الإسكندرية ليدرس القانون في جامعتها (خريج دفعة 1946)، كان يسعى لفهم نظام العالم، لكن روحه كانت قد انحازت بالفعل لـ “فوضى” القصيدة وسحر الحكي. لم ينتظر التخرج ليجد شغفه؛ بل بدأ حياته المهنية صحفياً في “روز اليوسف” وهو لا يزال طالباً، معلناً أن اللغة هي وطنه الحقيقي.
​الصحافة كتمرين على اقتناص اللحظات ..
​تدرج الحبروك في بلاط صاحبة الجلالة ببراعة مذهلة؛ من “الأهرام” حيث أنسنَ “صفحة المرأة”، إلى “أخبار اليوم” ورئاسة تحرير مجلة “الجيل الجديد”، وصولاً إلى رئاسة تحرير جريدة “الجمهورية” عام 1959. في غرف الأخبار، صقل أسلوبه المقتصد والحاد، وهو ذاته “التكثيف العاطفي” الذي نقله إلى الشعر، حيث تصبح الكلمة مبرأة من الزوائد، وتصل كأنها همسٌ إنساني خالص.
​الشاعر .. اليد التي تلمس الروح دون استئذان ..
​في كشك الموسيقى، نتذكر الحبروك كفنان حقيقي رهيف الحس؛ الشاعر الذي لم يستعرض لغته، بل أخفاها داخل الصدق. لقد طوع كلماته لتناسب حناجر ومقامات متباينة، تاركاً خلفه خريطة من الأغاني التي سكنت الوجدان.
​نسمع صوته في شجن عبد الحليم حافظ وهو يشدو “أول مرة تحب يا قلبي”، “تخونوه”، و”مشغول”. ونجد رهافته في صوت فايزة أحمد وهي تغني “أسمر يا أسمراني” و”بتسأل ليه عليا”. ومع فريد الأطرش، صاغ الحبروك كلاسيكيات وجدانية مثل “تصبح على خير”، “حبيبي سهرني”، “بحبك مهما قالوا عنك”، و”وحياة عينيكي”.
​لم تغب لمسته عن بهجة صباح في “جوا قلبي جوا”، وعنفوان محرم فؤاد في “يا حبيبي قولي آخرة جرحي إيه” و”أوعى تكون بتحب يا قلبي”. وفي مساحات الشجن الأكثر رقة، نجد كلماته في “أما غريبة” و”كل شيء راح” و”وحياة اللي فات” لنجاة الصغيرة، وشادية في رائعته الشجية “يا مسافر بورسعيد”، وصولاً إلى “أمانة يا بكرة” لشريفة فاضل، و”ما تقولشي كنا وكان” لنازك، و”يا ناسي أيامنا” لسعاد محمد. ، ومع كارم محمود في “يا فايتني في حيرة”، “دارة قصاد داري”، و”لحد بكرة”.
​أما ذروة حضوره الوطني، فكانت في صياغة “يا أغلى اسم في الوجود” لنجاح سلام، التي لم تكن مجرد أغنية، بل نشيداً وجدانياً عابراً للأجيال والحدود.
​القصة والجوائز ..الوجه الآخر للوميض ..
​لم يكن الحبروك شاعراً فحسب، بل أيضا قاصاً يمتلك عيناً سينمائية تلتقط التباسات النفس. أعماله مثل “بقايا عذراء”، “امرأة بلا مقابل”، و”هاربة في الليل”، و”المكافح الصغير” كشفت عن جانب أكثر واقعية في موهبته، نال عنها تكريماً دولياً بجائزة القصة من إذاعة لندن عام 1949، ووسام النجمة من الملك محمد الخامس، فضلاً عن جوائز الدولة في الأغنية والمقال.
​الرحيل التراجيدي.. حين يختنق القلب..
​في 16 مارس 1961، توقف هذا الوميض فجأة. يُقال إن قلبه لم يحتمل صدمة الاستبعاد من رئاسة تحرير “الجمهورية”، وكأن روحه التي لم تعرف التوقف عن العطاء، عجزت عن تحمل جفاء الانقطاع. مات الحبروك شاباً، لكنه ترك خلفه درساً نادراً: أن الأثر لا يُقاس بطول المكوث تحت الشمس، بل بمدى نفاذ الضوء. لقد كتب الحبروك حياته كما كتب قصائده.. بكثافة لا تعرف الانطفاء.
مقام ..

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *