في سينما خيري بشارة، لا تبدأ الحكاية من الحدث، بل من “الإحساس بالمكان”. هناك دائماً تلك الرعشة الخفيفة التي تسبق الصورة؛ كأن الكاميرا لا تدخل الحارة، بل تتسلل إليها. لا تقتحم البيوت، بل تستأذن جدرانها المتعبة، وتجلس قليلاً لتصغي.
ما يبدو لنا مألوفاً—رصيف متآكل، جدار مشقق، شباك نصف مفتوح—يتحول عنده إلى كيان حي، له ذاكرة، وله مزاج. وهنا تحديداً، تبدأ “الواقعية الفانتازية” التي لا تعلن نفسها، بل تنمو بهدوء، مثل نبات بريّ يشق الأسفلت دون أن يطلب إذناً.
رقصة فوق الرماد ..
في فيلم كابوريا، لا نرى مجرد ملاكم شاب يبحث عن فرصة، بل نرى “حسن هدهد” وهو يعيد تعريف الجاذبية نفسها. الجسد هنا لا يُستخدم للقتال فقط، بل للرقص، للتمرد، لإعادة كتابة علاقة الإنسان بمصيره.
الحارة الفقيرة لا تُصوَّر كمأزق، بل كمنصة انطلاق. الفقر لا يُختزل في بؤس بصري، بل يتحول إلى طاقة خام، تُعاد صياغتها عبر الحركة والإيقاع. كل قفزة في الفيلم تبدو كأنها محاولة لكسر قانون غير مرئي، وكل رقصة هي احتجاج صامت على ثقل الواقع.
الكاميرا لا تنحاز إلى الأرض، بل تميل دائماً نحو الأعلى—نحو الهواء، نحو الإمكانية، نحو ما يمكن أن يكون. وهنا، لا يعود الحلم نقيضاً للواقع، بل امتداداً له، أو ربما “نسخته الأكثر شجاعة”.
لوحة الألوان وسط الرمادي ..
إذا اقتربنا أكثر من كادرات خيري بشارة، سنكتشف أنه لا يستخدم اللون كعنصر تجميلي، بل كـ“لغة موازية”. في فيلم يوم مر ويوم حلو، لا يختفي الرمادي، لكنه لا ينتصر.
هناك دائماً اختراق لوني صغير وشاح يلمع في العتمة، قطعة قماش معلقة على حبل، ضوء شمس يتسلل كأنه خطأ جميل في نظام مغلق. هذه التفاصيل لا تغيّر الواقع، لكنها تغيّر “طريقة رؤيتنا له”.
اللون عنده ليس ترفاً، بل مقاومة. هو إعلان ضمني بأن القبح ليس قدراً كاملاً، وأن الجمال لا يحتاج إلى شروط مثالية ليظهر—يكفيه شق صغير، نافذة، أو لحظة انتباه.
بساطة الإنسان… تعقيد الحلم
شخصيات بشارة ليست استثنائية، وهذا هو سرها. هم أشخاص عاديون إلى حد الشفافية: امرأة تكافح لعيش يومها، شاب يحاول أن يجد لنفسه مكاناً، عائلة تتماسك بالكاد. لكن داخل هذه البساطة، تنمو أحلام معقدة، غير قابلة للاختزال.
في فيلم الطوق والإسورة، مثلاً، لا تُقدَّم الحياة الريفية كصورة فولكلورية، بل كشبكة كثيفة من الرغبات المكبوتة، والأساطير الصغيرة، والتوترات الصامتة. الواقع هنا مشبع إلى درجة أنه يفيض—وحين يفيض، يتسلل منه الخيال.
الخيال عند بشارة لا يأتي كزخرفة، بل كضرورة نفسية. هو الأداة التي يستخدمها الإنسان ليبقى قابلاً للاستمرار. ليس هروباً، بل إعادة تنظيم للواقع بحيث يمكن احتماله.
المكان ككائن حي ..
في سينماه، المكان ليس ديكوراً. الحارة ليست خلفية، والبيت ليس إطاراً، والشارع ليس مجرد مسار للحركة. كل مكان هو “شخصية” لها حضورها الخاص.
شبرا في يوم مر ويوم حلو ليست مجرد حي، بل كيان يتنفس، يضيق، ويمنح في الوقت نفسه. الحارة في كابوريا ليست مجرد فضاء فقير، بل مسرح مفتوح، حيث يمكن لأي لحظة عادية أن تنقلب إلى عرض.
المكان عند بشارة يحتفظ بأسرار ساكنيه، لكنه أيضاً يعيد تشكيلهم. هو ليس محايداً؛ بل يشارك في صناعة المصير، يضغط أحياناً، ويترك هامشاً للتمرد أحياناً أخرى.
السينما كفعل إنقاذ صغير ..
ما يفعله خيري بشارة لا يبدو ثورياً بالمعنى الصاخب، لكنه عميق الأثر. هو لا يغير الواقع، لكنه يغير زاوية النظر إليه. يمنح الشخصيات—والمشاهد—مساحة صغيرة للتنفس داخل عالم ضيق.
الضحكة في أفلامه ليست سطحية، بل “استراتيجية بقاء”. الأغنية ليست فاصلاً، بل لحظة استعادة للذات. والرقصة ليست استعراضاً، بل إعلاناً عن أن الجسد لا يزال حراً، ولو لثوانٍ.
حين تصبح الأحلام ضرورة ..
في النهاية، لا تقدم سينما بشارة وعداً بالخلاص، بل تقترح شكلاً مختلفاً للعيش. أن ترى الجمال دون إنكار القسوة. أن تحلم دون أن تنفصل عن الأرض. أن تخلق لنفسك “مساحة فانتازية” صغيرة داخل واقع لا يتغير بسهولة.
لهذا، تبدو أفلامه كأنها تقول شيئاً بسيطاً لكنه صعب:
أن النجاة ليست في الهروب من الواقع، بل في إعادة تخيله.
أن الحارة يمكن أن تكون مسرحاً.
أن الجسد يمكن أن يكون بياناً.
وأن الحلم—مهما بدا هشاً—قادر دائماً على أن ينبت… حتى في أضيق شقوق الجدران.
فريق مقام …


لا تعليق