
عتبة أولى: قسوة الوعي وبودليرية الانفصال
في ديوانه “غياب حُرّ” (الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب)، يأخذنا الشاعر عاطف عبد العزيز في رحلةٍ شاقةٍ وممتعةٍ في آنٍ واحد، نحو أقاصي الذاكرة وتفاصيل اليوميّ المنسي، بمنهجيةٍ تشكيليةٍ ومعماريةٍ شديدة الخصوصية؛ حيث لا يعود الشعر لديه مجرد بكائيةٍ على الأطلال أو استرسالٍ عاطفيّ فج، بل هو آلية لتفكيك الفراغ وقياس انكسارات الزمن.
منذ العتبة الأولى للنص، يستحضر الشاعر مقولة “شارل بودلير” الصادمة عن العواطف الفجّة—كالباطل والحب العميق—التي تبدو الآن بعيدةً كالغيوم التي تمر في عمق الهاوية، بينما تبدو الروح شاسعةً كقبة السماء. هذه العتبة البودليرية ليست مجرد زينةٍ نصيّةٍ أو استهلالٍ عابر، بل هي “البيان التأسيسي” والمناخ الروحي الفسيح الذي يؤسس لعزلةٍ راقيةٍ وغيابٍ ليس مجرد عَدَم أو تلاشٍ، بل هو “فعل حرية”، واختيارٌ شعريٌّ واعٍ، وسيادةٌ تامةٌ للمبدع في امتلاك مصيره، حتى لو كان مصيراً معجوناً بالخذلان.
اليومي وتدْوِينُ الأخطاء البشرية ..
يتميز الديوان بقدرةٍ فائقةٍ على تحويل “العادي” والمهمل إلى “شعريّ” باذخ، محوّلاً العوابر إلى أساطير شخصية؛ ففي قصيدة “الكتانة”، لا يسرد الشاعر ذكرى عابرة، بل يبني عالماً ممتداً من “خيوط الكتان” التي تربط بين ماضٍ طويلٍ ومنقسمٍ على نفسه، ومستقبلٍ لا يجيء. إن السر الوجودي بين العاشقين لا يحتاج إلى جهارةٍ صاخبة، بل ينمو كخيطٍ دقيقٍ تحت غيمةٍ من دخان السجائر، في حركةٍ عفويةٍ مخبوءةٍ أقرب ما تكون إلى “تَعثُرِ خُفٍّ منزليٍّ في سجادة”.
إن لغة عاطف عبد العزيز هنا لغةٌ “أليفةٌ وموجعة” في آن؛ فهو يتخلى عن اليقينيات الصلبة والكمال البلاغي الزائف، ليكتب شعراً “لا يخلو من الأخطاء”، متعمداً تقديس “الخلل” والركاكة الإنسانية النابعة من حقيقة الحياة:
”تكتبين شعرًا لا يخلو من الأخطاء، / تلك التي تجعله أعمق إيجاعًا، / وأكثر لياقة بالحياة / التي هي أخطاءٌ، فوق أخطاء، تحت أخطاء”.
هذه المهارة في احتضان السيولة والاضطراب هي ما تمنح قصائده صدقاً فنياً حاداً؛ فالأيام تمضي إلى غايتها، والنسيان يتبدّى كفَنٍّ قديمٍ قدم الحماقة ذاتها، لا يعرف مسالكه إلا قدامى الزبائن في خمارات الفشل العاطفي، لتتحول الحياة في “غياب حُر” إلى مكعباتٍ من الطمأنينة القلقة، يقلبها الرجل بين أصابعه كل ليلةٍ قبل أن يعيدها إلى رف الأيقونات.
المشهدية البصرية و”ماستر سين” الذاكرة المنسولة ..
تتجلى السينما بوضوحٍ في نص Master scene، حيث يتحول النص إلى عدسةٍ ترصد تاريخ جيلٍ كامِلٍ “وطأته الأوهام والأيام الدوَل”. الشاعر لا يكتفي بالوصف الحسي، بل يقدم “رؤيةً إخراجيةً” وجوديةً للحياة والموت، مستدعياً رموزاً وثيقة الصلة بالوجدان الجمعي مثل “سعاد حسني”، و”الزعيم”، و”العندليب”، ليخلق حالةً من النوستالجيا المشوبة بالمرارة الحارقة.
في هذا المشهد، يقيس الشاعر المسافة الفاجعة بين مجرى النيل قبل جفافه، وجسد “الفتاة المشتركة” الذي اتخذته الأجهزة السيادية في الزمن الجميل ميدان حرب. إن ارتطام الجسد الطري بالسندريلا على الأديم البارد لرصيف لندن، هو لحظة ارتطام وانفصال لبهجة الستينيات بصباحها الرباح. القصيدة هنا تتجاوز التناص العابر؛ لتصبح صرخةً باطنيةً تواكب “انفصال مضادات الكآبة وبقايا الكورتيزون عن الدم المتخثر”، بينما تنكفئ مصر متململةً في وقفتها، ومحروسةً بـ”سوء البخت”، في محاولةٍ شعريّةٍ لاستعادة مشهدٍ ختاميّ يليق بخيباتنا المشتركة.
القسوة كفعل جمالي وقتل “ربة الغرام” …
في نص “في مديح القسوة”، نجد انزياحاً حاداً ونبرةً فلسفيةً صارمةً تتأمل الصراع الداخلي للكائن في مواجهة فوضى العشق والتعلق. الشاعر هنا يقدم على فعلٍ تراجيديّ عنيف؛ إنه “يقتل ربة الغرام” الإلهة العابثة التي أتلفت حياته وحياة غيره، وهي تتسكع بعد انتصاف الليل في ثوبها القرمزي على حافة النهر.
هذا القتل الرمزي—الذي يتم بكأسٍ مسمومةٍ بينما الإلهة مشغولةٌ بتأمل لوحةٍ مقلّدةٍ لبيكاسو ابتيعت من صالة مزادات—ليس دافعه الكراهية، بل هو فعلُ تحرّرٍ جذريّ من الأوهام والارتباطات التي تستنزف الذات الشاعرة. تظهر القسوة هنا كأداةٍ وحيدةٍ ونقيةٍ للوصول إلى “المعاني الضائعة” وتطهير القلوب من الفوضى، وسط مدينةٍ مقلوبةٍ كأن إعصاراً مر بها. غير أن المفارقة الشاعرية تكتمل في الخواتيم؛ فبعد غياب الإلهة وانصراف المحبين إلى “نعماء من طمأنينة ومن سأم”، يواجه الشاعر عبثية هذا الفراغ البديل، متمدداً على أريكته ليلهث وراء نهارٍ يكلّ فيه ساقاه، وإلى جواره كأسٌ مسمومةٌ لكنه لا يجد—في هذا الكون الصامت—من يحمل جنته إلى الماء.
الجغرافيا الروحية وخفض سقف الخيال …
يمتد الديوان ليرسم خريطةً للمكان ببعده الوجداني والسياسي، متجاوزاً الدلالات الجغرافية الصماء إلى صياغة “جغرافيا روحية” تمور بالتحولات.
الإسكندرية بوصفها شرحاً بالذاكرة: ففي “صباح الخير يا إسكندرية”، البحر ليس ماءً أو أفقاً للمسرات، بل هو “جدرانٌ من الهدير” ترفعها الجرافات لتصنع ستاراً يحجز خلفه خرائب الروح. تضيق سماوات كفافيس السميكة، ليتحول الكورنيش إلى شرحٍ متعرجٍ ينكسر في الذاكرة المجهدة إلى نصفين، ويقف الموج كأمين سرّ قديم شاهدٍ على “نذالة الرجال في الطبقة الوسطى” الذين دفنوا تذكاراتهم بضميرٍ ميتٍ خلف تلال الأسمنت، التي تبدو في غبشة الغروب كأسراب نورسٍ نافق.
ميدان النعام واشتباك السلالات: وفي نصوص “النعام” و”أيام اللالا” و”الليل”، يمتزج الشخصي بالعام بتلقائيةٍ حادة؛ حيث تتحول أحياء القاهرة (المطرية وعين شمس وشارع نوبار) إلى فضاءات تتصادم فيها التحولات الاجتماعية. يلتقي “النزق الأميري” لقطعان النعام بقصر البرنس يوسف كمال مع “النزق العمالي” الخارج من مقهى رخيص، لتتفجر أيديولوجيات المراهقة النضالية (ناصرية، تروتسكية) على مقاعد الدرس، وعلى وقع صوت “الشيخ إمام” المتصاعد من بيوت المستورين.
وتصل هذه الجغرافيا الروحية إلى ذروتها الفاجعة في مرثيته لصديقه الشاعر الراحل “محمود نسيم” في حوار صامت في المدينة الضاجة؛ حيث يتماهى انهيار الشاعرين مع انكسار الحداثة وتحول فضاءات عين شمس ومقاهي وسط المدينة إلى نُثار آدميّ خلا من الحنين. الغياب هنا يجاوز طاقة الموت على الإيجاع؛ إنه غيابٌ يخفض سقف الخيال، ويفتح باب الشجو على مصراعيه، ثم—ببراعة لغوية حزينة—”يعرقل الرثاء” ويرفض البكائيات الجاهزة؛ لأن الفقد صار نصاً معقداً عديد الطبقات، كلما رفعنا واحدةً بانت غيرها.
جنة المطاريد وغدر العطر المسحور …
ينتهي الديوان إلى تشكيل مملكته الخاصة: “جنة المطاريد”، تلك العزلة الفسيحة والوداعية حيث يُرى الصاحب هناك يتمشى بعكازته فوق صفحة الماء، حاملاً مخلاةً من ظلٍّ ومن ضوءٍ لم تزل تقطر دماً، في عالمٍ “ليس بالقرب منا ديرٌ يمكنه إيواء المطاريد” أو تطبيب ظهورٍ سوطها الزمن.
إن “غياب حُرّ” هو ديوان الرعدة الخفية، والنسيان الذي يُمارس كصنعةٍ قديمةٍ تتأمل فراغ “ابنة العم” وعبادة الشمس التي تنكفئ على نفسها أسيرةً للظل الكثيف. عاطف عبد العزيز يثبت في هذا العمل الملحمي أنه شاعر التفاصيل الصغيرة بامتياز، القادر على بث الحيوية الفلسفية في “رائحة الحليب” المنبعثة من ملاءة الأم العتيقة، وفي “خيوط الكتان” المنسولة، وفي غدر “العطور المسحورة” المخبأة في الدواليب كالألغام، والتي كلما نُزعت سداداتها اضطرب الناس لذةً وانقسم النهار على نفسه.
إنه ديوانٌ يشرعُ أبواب مصارحة القارئ بهزائمه الشخصية والوجودية، لا ليقدم له عزاءً مجانياً، بل ليحيل الخذلان والفقد والحرية الإنسانية الهشة إلى أثرٍ فنيٍّ باقٍ ومشيد، طليقٍ في أسره، في غيابٍ حُرٍّ ممتد.
مقام ..


لا تعليق