هي ليست مجرد سرد قصصي، بل هي مغامرة في جيولوجيا النفس والذاكرة، حيث تتقاطع فيها الذات مع المكان في تشابك معقد. من هنا تبدأ إطلالتنا على رواية ” شوك وحيد” وهي العمل الرابع للكاتبة، فقد سبق لها أن قدّمت رواية بعنوان “يزن”، ومجموعة قصصية بعنوان “نصف حالة”، وأخرى بعنوان “مألوف”، بالإضافة إلى كتب في مجال الترجمة، هي “زمن البانوبتيكون”، مختارات شعرية من الأدب الفرنسي المعاصر، و”سبعة أيام في حياة كلارا”، مختارات قصصية من الأدب الفرنسي المعاصر، قصة “مياه كوكب الأرض”، من أساطير قارة أوقيانوسيا.
بهذه الرواية تديم الشايب مسارها الغرائبي في الكتابة، فهي تنسج سردياتها بتأن، فاستمرت بكتابة روايتها هذه أربع سنوات. نحن أمام عالم روائي غريب، ليس من السهولة تفكيك رمزياته المتشابكة.
بدءاً من العنوان “شوك وحيد” الذي يحمل تناقضاً شعورياً؛ فالشوك عادة ما يكون غابة أو سياجاً، لكن أن يكون “وحيداً” فهذا يشير إلى الاغتراب حتى في أدوات الدفاع. الشوك هنا يرمز للألم الذي لا يتقاسمه المرء مع أحد، وللحواجز النفسية التي يبنيها الإنسان حول ذاكرته.
الرواية لا تعتمد على الحبكة التقليدية (بداية، عقدة، حل)، بل تتحدث عن مربع معلق في الهواء يعيش فيه ” الوحيد”. وليس هناك ما هو واقعي، فربما ذلك المربع المعلق يشير إلى كوكبنا الأرضي. كلّ شيء في المربّع تقريباً غرائبيّ، الكائنات التي تسكنه لم نسمع عنها من قبل، فهي ليست حيوانات موجودة على أرض الواقع، بل هي كائنات من خيال الكاتبة. ومن هنا تعتمد الرواية على سرد فنتازي للذاكرة، والوحيد يتحرك في مساحات من العزلة، حيث تبدو الشخصيات الأخرى (الأم، الأب، الأصدقاء) كظلال مستدعاة من الماضي. فالشخوص يظهرون من خلال عدسة “الوعي الآني” للبطل، مما يجعلهم شخصيات موقوتة مرتبطة بمشاعر معينة أكثر من كونهم شخوصاً ماديين.
استخدمت الشايب تكنيكاً يسمى “التدفق الحر للوعي”، مع لمسات من التكثيف القصصي ، مثل اللعب بالزمن، لا يوجد خط زمني مستقيم، بل قفزات بين الحاضر الساكن والماضي الصاخب. أما المكان في الرواية، فهو كائن يشارك في الأحداث، يضيق ويتسع حسب الحالة النفسية للبطل.
تتجلى غرائبية الرواية في كيفية تعامل البطل مع الأشياء الجامدة. هناك نوع من الأنسنة للموجودات، حيث تصبح التفاصيل الصغيرة محركات لأحداث درامية كبرى داخل عقل البطل، مما يضفي صبغة سريالية على واقع كئيب وبسيط.
لغة الشايب تتسم بالتكثيف، لا توجد ثرثرة إنشائية؛ الكلمات مختارة بدقة الجراح. كما أنها لغة حسية تعتمد على الحواس (الشم، اللمس، الرؤية) لنقل الشعور بالاغتراب. الجمل قصيرة، لكنها محملة بأسئلة وجودية عميقة.
نهاية “شوك وحيد” ليست إغلاقاً للحكاية بقدر ما هي فتح للدائرة. هي نوع من “التصالح الهش” مع الوحدة. إن الشوك الذي كان يؤلم الوحيد في البداية، أصبح هو هويته التي تحميه من ذوبان الذات في الآخرين. النهاية توحي بأن الخلاص ليس في الهروب من الألم أو الذاكرة، بل في تعلم العيش مع هذا الشوك الوحيد دون أن ينغرس في القلب أكثر مما يجب.
هنا لا تتحدث عن حبكة فحسب، بل عن ماهية الكينونة في عالم يمنحنا الوعي مقابل حرماننا من السكينة. ولذا ينبغي أن نحلل هذه التساؤلات الوجودية التي طرحتها الرواية، منها صدمة التحول إلى إنسان، إذ يبدو أن الانتقال من حالة الشيئية أو الفطرة الخام إلى الوعي الإنساني الكامل هو عملية موجعة ومخيفة، لأن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يدرك وحدته وزواله. في “شوك وحيد”، الوعي لا يأتي كمنحة، بل كعبء. الوحيد يجد أن إنسانيته تجبره على تذكر الفقد، وتحمل ثقل الذاكرة، ومواجهة الفراغ. التحول هنا ليس ترقية، بل هو تورط في شرك الوجود.
الرواية تطرح فكرة أن الهروب من الإنسانية قد يكون نوعاً من الخلاص المستحيل، وأن الإنسانية كقيد، لأن الإنسان محكوم برغباته، وبحاجته للآخر، وبخوفه من العزلة.
الرواية تقترح أننا نخشى إنسانيتنا لأنها تجعلنا هشّين. فالكائن غير الإنساني سواء كان جماداً أو فكرة مجردة لا يتألم. لذا، تصبح محاولة العودة إلى الحالة الصفرية أو التحصن بـالأشواك هي المحاولة اليائسة للهرب من هذه اللعنة. كمثل مفارقة الخير القبيح، وهي مثيرة للتساؤل؛ هل الخير شيء نشمئز منه؟ في عالم الرواية المليء بالاغتراب، قد يظهر الخير التقليدي أو المثالية كقناع زائف أو كفعل ثقيل ومقزز لأنه لا يتناسب مع قبح الواقع الداخلي للوحيد.
أحياناً يكون الخير استلاباً للذات؛ عندما تضطر للتضحية بأشواكك لتكون خيراً في نظر المجتمع، فإنك تشعر بالاشمئزاز من هذا الفعل لأنه يمحو حقيقتك المتألمة. هنا، يصبح القبح (أو الصدق مع الألم) أكثر نبالة من خير مُصطنع. جوهر الغرائبية في الرواية؛ إنها تجعلنا نتساءل: هل نحن بشر حقاً أم أننا مجرد كائنات تحاول تقمص دور البطولة في مسرحية الإنسانية المرهقة؟
أعتقد أن القاعدة التي بنيت عليها الرواية هي أن الشرّ هو أساس الوجود، وبإمكان كلّ منا أن يغيّر هذا الشرّ ويحوّله إلى شيء نقيّ، أو أن نقلّله في ذواتنا. كلّ هذا تعرضه الكاتبة من خلال صوتين: “صوت الوحيد”، و”صوت القدر العظيم”.
قراءتنا تذهب إلى عمق الميتافيزيقا في رواية الشايب؛ فنحن لا نرى الرواية م
جرد حكاية اجتماعية، بل مانوية حديثة (صراع بين النور والظلمة). فكرة أن الشر هو الأصل تعيدنا إلى تساؤلات الوجود الأولى: هل نحن خيرون بالفطرة أم أننا ننتزع الخير انتزاعاً من ركام وجود شائك وقاسٍ؟ توزيع السرد على هذين الصوتين “صوت الوحيد” و”صوت القدر العظيم” هو تكنيك بارع يُلخص هذه الجدلية. “صوت الوحيد”: الذات في مواجهة الوجود، هذا الصوت يمثل الأنا الهشة، الإنسان الذي يجد نفسه وحيداً في مواجهة عالم من الشوك. هذا الصوت هو الذي يحاول تقليل الشر داخل ذاته. هو صوت المحاولة والخطأ، صوت الألم الذي يسعى لكي لا يتحول إلى حقد، بل إلى نقاء أو عزلة شفافة. الوحيد هنا ليس وحيداً من الناس فحسب، بل هو الوحيد في مواجهة حتمية قدره.
صوت القدر العظيم يمثل المبدأ الأعلى أو الضرورة، هذا الصوت يمثل القوة التي لا تُراد؛ هو القدر، أو المجتمع، أو الطبيعة، أو حتى ذلك الجزء الجبري في الإنسان. وصفه بالعظيم يعطيه صبغة من الهيبة والسطوة، وربما اللامبالاة. هذا الصوت هو الذي يضع الشر الأساسي كقاعدة للعبة، ويراقب كيف سيتعامل “الوحيد” مع هذا المعطى. العلاقة بين الصوتين هي علاقة تضاد وتكامل؛ فلا معنى لبطولة الوحيد في النقاء لولا عظمة وبطش القدر الذي يحيطه. ما طرحناه بشأن قدرة المرء على تغيير هذا الشر هو جوهر الفعل الإنساني في الرواية. “شوك وحيد” تقترح أن النقاء ليس غياباً للشر، بل هو تسامٍ عليه. الوحيد لا يهرب من العالم الشرير، بل تحاول تفكيكه داخلياً.
تحويل الشر إلى شيء نقي يشبه عملية تقطير كيميائية؛ تمر المرارة عبر أنابيب الذاكرة والألم لتخرج في النهاية على شكل قصيدة أو موقف وجودي صلب.
هذا الصراع بين الصوتين يضعنا أمام تساؤل حرج: إذا كان الشر هو أساس الوجود كما تقترح القاعدة البنائية للرواية، هل يصبح الخير هنا مجرد تمرد مؤقت على القاعدة، أم هو الخلق الحقيقي الذي يبرر وجودنا كبشر؟
يمكن القول أن هذه الرؤية عن الخير مشروع ثوري بامتياز؛ فهو ليس مجرد صفة أخلاقية، بل هو فعل تمرّد ضد الطبيعة الخام للوجود. إذا كان الشر هو المادة الأولية التي بُني عليها الكون (كفوضى، أو فناء، أو صراع)، فإن سعي البشرية لقلب هذه الكفة هو ما يمنحنا صفة الإنسان.
في رواية “شوك وحيد”، يتجسد هذا الصراع الأزلي في تفاصيل مجهرية؛ الخير كـصناعة والشر كـمُعطى.
في حوارية الصوتين التي أشرنا إليها، نجد أن صوت القدر العظيم يتحدث بلغة الضرورة والجبر، وكأنه يمثل ذلك الشر الهيكلي المحيط بنا. أما صوت الوحيد، فهو يمثل المحاولة البشرية المضنية لاستقطار النقاء من قلب الألم. الخير هنا لا يأتي بالمجان، بل هو نحت في صخرة الوجود الشائكة.
الروائية استخدمت لغة مكثفة وشبه صوفية لتجعل من الذات الوحيدة مختبراً لهذا التحول. اللغة هنا لم تعد مجرد وسيلة لوصف العالم، بل أداة لترتيب فوضاه وتحويل شوكه إلى إدراك ومعنى. الغرائبية في الرواية هي كسر لجمود القاعدة (الشر/الواقع)، لخلق أفق جديد يسمح بمرور الضوء (الخير/النقاء).
عندما نسبر أغوار النهاية، نكتشف أن الوحيد لم يهزم قدره العظيم بالمعنى المادي، لكنه هزمه معنوياً. قلب كفة الميزان لا يعني محو الشر من الوجود فهو قاعدة بنائية، بل يعني عدم السماح له باحتلال المساحة الداخلية للإنسان. الانتصار في الرواية يكمن في الحفاظ على إنسانية الكائن رغم كل المغريات والمخاوف التي تدفعه للعودة إلى حالته البدائية الشرسة.
هنا نعود للتساؤل الذي تطرحه الرواية: هل الإنسانية لعنة؟ وبناء على القاعدة الفلسفية التي تقول بشرّانية الوجود، فإن الإنسانية هي اللعنة الجميلة؛ هي الوعي الذي يجعلنا نتألم من وجود الشر، ولكنها في الوقت نفسه هي الأداة الوحيدة التي نملكها لقلب الميزان. بدون هذا الوعي بهذه الإنسانية، سنكون مجرد تروس في آلة الشر الوجودي، لا نشعر ولا نقاوم. هذا الإطار الميتافيزيقي للرواية، ينقل “شوك وحيد” من حيز الرواية الذاتية إلى حيز الرواية الكونية. ومن هنا ألا نرى أن صوت الوحيد في الرواية، رغم ضعفه الظاهري أمام القدر العظيم، هو الذي يمتلك الكلمة الأخيرة؟ لأن القدر العظيم يصنع الأحداث، لكن “الوحيد” هو من يصنع المعنى.
باقر صاحب
كاتب عراقي ..


لا تعليق