جغرافيا التمرد .. تأريخ المسرح في الزقاق والجراج والفضاءات البديلة …

7

​لم يكن خروج المسرح التجريبي من “العلبة الإيطالية” في مصر مجرد استجابة لظرف مادي أو ضيق ذات اليد، بل كان استراتيجية فنية واعية بدأت تتبلور ملامحها منذ أواخر الثمانينات. كانت رحلة البحث عن فضاء بديل هي في جوهرها رحلة للبحث عن “حرية” مفقودة، وإعادة تعريف راديكالية للعلاقة بين العرض والمتفرج، حيث يتحول المكان من مجرد “حاضن” للحدث إلى “نص” حي يتفاعل مع الجمهور ويمنح العرض أبعاده الفلسفية.
​بذور الاستقلال: من المركزية إلى الأطراف
​في نهاية القرن العشرين، ومع تراجع سطوة الدعم الحكومي الموجه للثقافة الرسمية، بدأت تظهر فجوة بين تطلعات جيل جديد من المسرحيين وبين خشبات المسرح القومي والحديث. هذا الجيل الذي تأثر بمناخات التحرر العالمي، بدأ ينظر إلى “المكان” باعتباره قيداً يجب كسر أصفاده. ومن هنا، بدأ المسرح البديل يتشكل كنقيض للمركزية، باحثاً عن شرعيته في “الأطراف”؛ سواء كانت هذه الأطراف جغرافية (القرى والنجوع) أو معمارية (الجراجات والمخازن).
​”الورشة”: حين تصبح الفرقة منهجاً للحياة (1987)
​تظل فرقة “الورشة”، التي أسسها المخرج حسن الجريتلي عام 1987، هي العلامة الفارقة في تاريخ الاستقلال المسرحي المصري. لم تكن “الورشة” مجرد فرقة تقدم عروضاً، بل كانت “مختبراً” إنسانياً وفنياً.
​المنهج البديل: اعتمدت الورشة على تدريبات شاقة تمزج بين الغناء الشعبي، والحكي، والرقص، والأداء الحركي.
​الخروج من القالب: تميزت عروضها بالواقعية المفرطة والحميمية، حيث كانت تُمارس الفن بعيداً عن “البيروقراطية” وقوالب الأداء الكلاسيكي الجامد. لقد خلقت “الورشة” ثقافة مسرحية جديدة تؤمن بأن المسرح هو “فعل يومي” يمكن ممارسته في أي مكان وبأي أدوات بسيطة، مما مهد الطريق لكل ما جاء بعدها من تجارب مستقلة.
​التسعينات: وسط البلد كـ “معمل” للفضاء الحر
​مع دخول التسعينات، تعمق السعي نحو الفضاءات المفتوحة. وبما أن المسارح الرسمية لم تكن تستوعب شطحات الخيال التجريبي، اتجه المبدعون إلى قلب القاهرة التاريخي والحديث (وسط البلد).
​Townhouse Gallery (1998): مثل تأسيس هذا الجاليري محطة مفصلية؛ إذ تحولت ممراته ومساحاته في منطقة “روابط” بوسط المدينة إلى حاضنة للفنون البصرية والأدائية.
​مسرح “روابط” (Rawabet) نشأت هذه المنصة من قلب الفراغ الحضري، لتصبح “رئة” المسرح المستقل في القاهرة. هنا، لم يكن الجراج مكاناً لركن السيارات، بل مكاناً لركن “المواصفات القياسية” للمسرح، حيث الجدران العارية والإضاءة الخام تصنع دراما تتسق مع روح العصر وصخب المدينة.
​مسرح المقهورين والاحتكاك المباشر بالشارع
​استلهم المسرح المستقل نظريات عالمية مثل “مسرح المقهورين” لـ أوجوستو بوال، وحاول مواءمتها مع الواقع المصري. لم يعد المسرح ينتظر الجمهور ليقطع تذكرة ويجلس في الظلام، بل ذهب إليه في المقهى، وفي الساحة المفتوحة، وفي الميادين. هذا “الاحتكاك” خلق نوعاً من المشاركة الوجدانية، حيث يصبح المتفرج “مؤدياً” في بعض الأحيان، وتصبح قضاياه اليومية هي مادة العرض الأساسية.
​بنية المكان البديل: لماذا الجراج؟
​اختيار المكان غير التقليدي كان مدفوعاً برؤية نقدية عميقة تتلخص في ثلاثة محاور:
​السينوغرافيا العضوية: في الجراج أو الزقاق، يصبح السلم المتهالك أو الحائط المتقشر جزءاً من الديكور الحقيقي، مما يمنح العرض “صدقاً بصرياً” لا يمكن لمهندس ديكور محاكاته في المسرح الرسمي.
​تحطيم سلطة الخشبة: إلغاء الارتفاع (المنصة) يضع الممثل في مستوى نظر الجمهور، مما يكسر الهيبة الزائفة ويحول العرض إلى حوار إنساني متكافئ.
​اقتصاديات التمرد.. في ظل الرقابة ونقص الميزانيات، كان “استعارة الفراغ” هو الحل الأمثل لضمان استمرارية الإبداع بعيداً عن مقص الرقيب أو شروط الممول الحكومي.
​المدينة كفضاء نصّي مفتوح ..
​إن مسرح التجربة في مصر، من “الورشة” وحتى “روابط”، لم يكن مجرد بحث عن شكل جديد، بل كان “استعادة للمدينة”. لقد تحول المكان البديل إلى بوتقة تصهر موهبة الفنان بتطلعات الجمهور، لتثبت في النهاية أن المسرح ليس مبنىً، بل هو “لقاء” يحدث في أي فضاء يشتعل فيه الخيال، ليظل الزقاق والجراج هما الشاهدين الحقيقيين على جغرافيا التمرد الإبداعي في مصر.
فريق مقام …

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *