في هذا الركن الذي لا يكتفي بذكر الأسماء العابرة، بل يحاول تلمُّس الأثر الحقيقي الذي يتركه الراحلون في أرواحنا، نقترب من قصة امرأة لم ترَ في شاشة التلفزيون مجرد وسيلة للظهور، بل جعلتها نافذة لاسترجاع ما ضاع منا في زحام الأيام. امرأة لم تسعَ وراء لمعة الأضواء، بل انحازت بكل صدق إلى ما يقع بعيداً عنها: إلى الظل، إلى التفاصيل الصغيرة التي تسقط من الذاكرة، إلى البشر الذين لا تتصدر صورهم المجلات، لكنهم يمثلون النبض الحقيقي لكل شارع في مصر. إنها سامية الإتربي، التي لم تكن “مذيعة” بالمعنى التقليدي، بل كانت “حارسة للحكايات”، تفتش في الوجوه وتستنطق الملامح ببراعة، بحثاً عن جوهر الإنسان المصري الصافي.
مدخل السيرة: التكوين الأول وتراتيل الحساسية المبكرة (1942–1965)
وُلدت سامية الإتربي في التاسع عشر من فبراير عام 1942، في برهة تاريخية كان القطر المصري يموج فيها بتحولات وجودية عميقة، سياسياً واجتماعياً، وهو ما انعكس لاحقاً على ملامح رؤيتها الإعلامية ودورها في صياغة الوعي. نشأت سامية بروحٍ تنحاز بالفطرة إلى منطقة التأمل لا الاستعراض، وإلى الإصغاء الذي يسبق الخطابة، وكأنها كانت تعد نفسها لمهمة “الإنصات” لقلب مصر.
في تلك البدايات، لم تكن الثقافة بالنسبة لها مجرد تحصيل معرفي، بل كانت “هواءً” يشكل ملامح حساسيتها الفنية؛ ومن هنا ندرك سر ميلها الباكر إلى رصد الانفعالات الإنسانية الخفية؛ إلى المسكوت عنه في النبرة، إلى ارتباك اليد الصانعة، وإلى الصمت الذي ينمو كعشبٍ بريّ بين جملتين. ومع منتصف الستينيات، وطأت قدماها ردهات اتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري، في زمنٍ كان هذا الكيان يشيد فيه صرح الوجدان العام، فلم تدخل سامية هذا العالم كوافدة تقتفي أثر النجومية التقليدية، بل كمريدة تعيد تعريف صلتها باللغة، وبالناس، وبفلسفة “السؤال” كأداة للتحرر لا للمحاصرة.
في ماسبيرو .. الصعود بصبر وتفانٍ (1965–1989)
داخل أروقة التلفزيون العتيقة، نضجت ملامح سامية الإتربي المهنية عبر سنوات من العمل الصبور، حيث لم يكن المنصب هدفاً تسعى إليه بقدر ما كان نتيجة طبيعية لإخلاصها. لقد كانت ممن يصعدون السلم درجة بدرجة، بعيداً عن العجلة؛ فعملت في التحضير وشاركت في اختيار المحتوى، واختلطت بأنواع مختلفة من الناس، مما أعطاها قدرة كبيرة على رؤية “البرنامج” لا كعرض بصري سريع، بل كرحلة تجمع بين الفكرة والهدوء والصوت والصورة في سياق واحد.
في هذه المرحلة، اكتملت طريقتها الخاصة: فاعتمدت الكلام القليل الذي يوصل المعنى بوضوح دون ثرثرة؛ وآمنت بالاستماع الجيد الذي يتجاوز الكلمات ليلمس الروح؛ وحافظت على وقارها الذي يعطي الضيف المساحة ليحكي حقيقته بعفوية. لقد كانت تعيد صياغة دور المذيعة: من مجرد ناقلة للمعلومة إلى صديقة تسهل للناس قول ما في صدورهم.
”حكاوي القهاوي”: استرجاع وجه مصر في وجوه النصريين
مع بداية التسعينيات، وفي وقت كان الجميع يميل فيه نحو التجميل المفتعل لكل شيء، ظهرت سامية الإتربي ببرنامجها الشهير “حكاوي القهاوي”، لتعلن انحيازها الواضح للواقع البسيط كما هو. لم يكن اختيار “القهوة” مجرد مكان للتصوير، بل كان اختياراً ذكياً؛ فالقهوة في مصر هي مكان تلاقي القصص، والمساحة التي تخرج فيها الحكايات بعفوية. هناك، جلست سامية وسط الناس، لا كشخصية مشهورة تأتي من بعيد، بل كواحدة منهم. استضافت أصحاب الحرف البسيطة؛ من مبيّضي النحاس إلى صُنّاع الفخار، أولئك الذين لم تلتفت إليهم الكاميرات من قبل، فكانت تدير الحوار بطريقة تجعل الضيف يحكي قصته براحة، وتتراجع هي قليلاً لتترك له مساحة لاكتشاف قيمة ما يفعله وهو يسرد تفاصيل حياته. بهذا، جعلت “الإنسان البسيط” هو البطل، وأعطت قيمة حقيقية للناس بعيداً عن بريق الشهرة الكاذب.
خصوصية المظهر: حين يكون الزي لغة للروح والوطن
إلى جانب هذا العمل الإنساني الكبير، كانت سامية الإتربي تقدم صورة بصرية تفيض بالأصالة. ففي وقت كانت فيه الشاشات تقلد صيحات الموضة الغربية، قررت هي العودة إلى الجذور. ارتدت الجلباب المصري، وتزينت بالحلي التقليدية مثل “الكردان”، لا كنوع من التظاهر، بل كاختيار نابع من قناعة وحب. لقد تعاملت مع ملابسها كرسالة تقول من خلالها ما قد لا يوصله الكلام؛ فكان ظهورها بهذا الشكل يعكس تمسكها بأصلها، ويمثل رفضاً رقيقاً لكل ما هو مصطنع، ويعيد تعريف الجمال بكونه نابعاً من الخصوصية لا من التقليد. كانت سامية لا “تلبس” الملابس التقليدية فحسب، بل كانت تعيشها كفعل حب يربطها بأرضها وناسها.
العمل الإداري .. من عذوبة القصة إلى حماية الذاكرة (1990–2005)
لم يتوقف جهدها عند حدود الوقوف أمام الكاميرا، بل امتد لتصبح جزءاً مهماً من إدارة العمل، حيث تدرجت في المسؤوليات حتى وصلت لرئاسة القناة الفضائية المصرية. في هذه الفترة، تحول اهتمامها من “حكاية الشخص” الصغير إلى “حكاية المكان” الكبير؛ إذ أدركت بوعيها أن الأشرطة القديمة واللقطات المسجلة هي “قلب الذاكرة المصرية”، وأن الحفاظ عليها هو نوع من الوفاء للماضي. أشرفت على برامج تهتم بالقديم مثل “يا تلفزيون يا” و”كان زمان”، مستحضرة ما فات لا كشيء انتهى، بل كجزء حي يسكن في وجداننا ويساعدنا على فهم أيامنا القادمة.
رحيل الجسد وبقاء الأثر في 2007
في التاسع عشر من نوفمبر عام 2007، رحلت سامية الإتربي عن دنيانا بعد رحلة مع المرض، لكن رحيلها لم ينهِ قصتها. فبعض الأصوات والوجوه تتحول إلى سيرة عطرة تسكن في ذاكرة الناس. تركت وراءها مئات الساعات التي تمثل “سجلاً مصوراً” لمصر، ومثالاً في احترام المهنة يندر تكراره، وطريقة في التعامل مع البشر ستظل تلهمنا دائماً.
ليست قيمة سامية الإتربي في عدد البرامج التي قدمتها، بل في الصدق الذي ظهرت به. في زمن يركض فيه الجميع، اختارت هي الهدوء. وفي زمن حب الظهور، اختارت الاستماع للآخر. وفي زمن التشابه، اختارت أن تكون نفسها. لقد أعطت للعمل قيمة نابعة من القلب، ومن الانحياز للأصل، ومن الإيمان بأن وراء كل وجه نقابله قصة تستحق أن نسمعها. هكذا تظل سامية الإتربي، لا كمجرد اسم في سجلات الماضي، بل كطريقة في الرؤية تذكرنا دائماً بأن مصر الحقيقية لا تظهر من بعيد، بل نجدها حين نقترب من قلوب أهلها الحقيقيين.
فريق مقام ..


لا تعليق