محمود سعيد: “باشا” التشكيل المصري وقاضي الجمال الذي خلّد “بنات بحري” ..

9

​في الثامن من أبريل عام 1897، ولد في حي الأنفوشي بالإسكندرية طفل سيغير وجه الفن العربي للأبد. لم يكن محمود سعيد مجرد رسام هاوٍ، بل كان سليل طبقة أرستقراطية رفيعة؛ فهو ابن “محمد سعيد باشا” رئيس وزراء مصر الأسبق، وخال “الملكة فريدة”. لكن هذا الوسط المخملي لم يمنعه من الانغماس في تفاصيل الحارة المصرية، ليخلق حالة فريدة من “الأرستقراطية الشعبية” في الفن.
​ الصراع بين منصة القضاء ومرسم الفن (1919 – 1947)
​رضخ محمود سعيد لرغبة والده ودخل سلك القضاء بعد حصوله على ليسانس الحقوق من باريس عام 1919. تنقل في المناصب حتى أصبح مستشاراً بمحكمة الاستئناف المختلطة.
​كان سعيد يعيش حياة مزدوجة؛ صباحاً يرتدي وشاح القضاء ليحكم بين الناس، ومساءً يمسك بفرشاته ليحرر مشاعره. استمر هذا الصراع حتى عام 1947، حين اتخذ قراره الشجاع بالاستقالة المبكرة من القضاء ليتفرغ تماماً للفن، وهو في الخمسين من عمره، وكأنه يقول إن الحياة الحقيقية تبدأ خلف “الحامل” (Easel) وليس فوق المنصة.
​الملامح الفنية: سر الخلطة “السعيدية”
​ما الذي يجعل لوحة لمحمود سعيد تُعرف من النظرة الأولى؟
​الضوء الميتافيزيقي: لم يكن سعيد يرسم ضوء الشمس، بل ضوءاً ينبعث من داخل الأجسام. بشرة النساء في لوحاته لها بريق “نحاسي” أو “ذهبي” غريب، يعطي انطباعاً بالقداسة والخلود.
​العمارة الجسدية: تأثر سعيد بفناني الرينسانس (عصر النهضة) مثل “روبنز” و”رامبرانت”، فجاءت أجساد النساء في لوحاته ممتلئة، قوية، تعبر عن الخصوبة والقوة المصرية، بعيداً عن الرقة الأوروبية الهشة.
​ أهم أيقوناته الفنية
​ لوحة “الدراويش” (1929)
​تعتبر هذه اللوحة نقطة تحول تاريخية. صور فيها 6 دراويش بملابسهم البيضاء وطرابيشهم الطويلة في حلقة ذكر.
​نلاحظ “الهندسة” في اللوحة؛ فكل درويش يمثل وحدة بصرية متكررة تعطي إحساساً بالإيقاع الصوفي. الألوان الترابية والجو العام ينقل المشاهد من الحالة المادية إلى الحالة الروحية. بيعت هذه اللوحة في مزاد “كريستيز” عام 2010 بنحو 2.4 مليون دولار، وهو رقم قياسي للفن العربي حينها.
​ لوحة “بنات بحري” (1935)
​هي “الموناليزا المصرية”. تظهر فيها ثلاث نساء سكندريات يرتدين “الملاءة اللف”.
​ نجد هنا تباين الصارخ بين سواد الملاءة اللف وبين البشرة الخمرية المتوهجة. الخلفية تظهر الميناء والقوارب، لكن التركيز كله على “كبرياء” المرأة الشعبية. نظراتهن ليست انكسارية، بل هي نظرات تحدٍ وأنفة، مما جعل اللوحة رمزاً للهوية الوطنية في تلك الفترة.
​ لوحة “المدينة” (1937)
​لوحة بانورامية تلخص مصر الثلاثينيات. تجمع بين المآذن، الكنائس، الحواري، والبشر بمختلف طوائفهم. هي سيمفونية بصرية توثق لـ “كوزموبوليتانية” الإسكندرية في ذلك الوقت.
​ التكريم والرحيل (1960 – 1964)
​في عام 1960، كان محمود سعيد أول فنان تشكيلي ينال جائزة الدولة التقديرية في الفنون من يد الرئيس جمال عبد الناصر، وهو اعتراف رسمي بأن فنه لم يكن “أرستقراطياً” منعزلاً، بل كان صوتاً للشعب.
​رحل في يوم عيد ميلاده، 8 أبريل 1964، تاركاً خلفه ثروة بصرية تقدر بنحو 800 لوحة، ومنزلاً في الإسكندرية تحول لاحقاً إلى “مركز محمود سعيد للمتاحف”، الذي يضم أهم مقتنياته.
لم يكن ​محمود سعيد مجرد رسام، بل كان “مؤرخاً بصرياً” للروح المصرية. استطاع بمفرده أن ينقل الفن المصري من مجرد محاكاة للغرب إلى مدرسة لها ملامحها الخاصة.
لماذا نكتب عنه اليوم؟
​نكتب عن محمود سعيد لأننا في حاجة لاستعادة تلك “العين” التي ترى الجمال في التفاصيل المصرية البسيطة. نكتب عنه لأنه أثبت أن الفن لا يحتاج لتقليد الغرب كي ينجح، بل يحتاج للغوص في طمي النيل وملح البحر لكي يخلد.
فريق مقام..

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *