الليلة الكبيرة: حين تحوّل المولد الشعبي إلى أيقونة خالدة في الوجدان المصري

5

ولد أوبريت الليلة الكبيرة في لحظة ثقافية فارقة من تاريخ مصر الحديث، حين كانت ستينيات القرن العشرين تشهد اندفاعًا واسعًا نحو بناء مشروع ثقافي حديث يستلهم التراث الشعبي ويعيد صياغته بلغة فنية معاصرة. ففي عام 1961، وعلى خشبة مسرح القاهرة للعرائس، اجتمع ثلاثة من أبرز المبدعين المصريين ليصنعوا عملًا أصبح لاحقًا أحد أكثر الأيقونات رسوخًا في الوجدان الجمعي: الشاعر صلاح جاهين الذي كتب النص الغنائي، والملحن والمطرب الشعبي الكبير سيد مكاوي الذي وضع الألحان، والفنان التشكيلي ومصمم العرائس ناجي شاكر الذي ابتكر عالم الدمى المدهش، بينما أخرج العرض المسرحي المخرج صلاح السقا، أحد رواد مسرح العرائس في مصر، وشارك في تحريك العرائس فريق من فناني المسرح الذين أسهموا في منح هذه الدمى الخشبية حياة كاملة فوق الخشبة. ولم يكن هذا العمل مجرد عرض للأطفال كما قد يتبادر إلى الذهن لأول وهلة، بل كان تجربة فنية مركبة تتقاطع فيها الشعرية الشعبية مع التشكيل المسرحي والموسيقى، لتنتج صورة بانورامية للمجتمع المصري من خلال ليلة واحدة من ليالي المولد.

 

اختار صلاح جاهين المولد الشعبي بوصفه المسرح الرمزي للعمل، فالمولد في الثقافة المصرية ليس مجرد احتفال ديني يقام حول مقام أحد الأولياء، بل هو فضاء اجتماعي واسع تتجاور فيه الطبقات والأمزجة والأصوات. في تلك المساحة المؤقتة التي تنشأ في أطراف المدن أو داخل أحيائها القديمة، يتداخل الذكر الصوفي مع ضجيج الألعاب، ويتجاور بائع الحمص مع بائع الحلوى، ويعلو صوت المنشد بجوار صياح الأطفال وضحكات المتفرجين. استطاع جاهين أن يلتقط هذه الفوضى المنظمة وأن يحولها إلى نص شعري بسيط في ظاهره لكنه بالغ الكثافة في دلالاته، حيث تتحول العامية المصرية إلى أداة تصوير اجتماعي شديد الدقة. فالشخصيات التي تمر في الأوبريت ليست شخصيات درامية بالمعنى التقليدي، بل هي شظايا من الحياة اليومية: بائع الحمص، بائع الحلوى، لاعب السيرك، صاحب الأرجوحة، الطفل المبهور بالألعاب، المنشد الصوفي، الرجل الذي يجلس على المقهى يراقب المارة، وكل واحد منهم يظهر لحظة قصيرة لكنه يترك أثرًا واضحًا في اللوحة الكلية للمولد. ومن خلال هذه الأصوات المتجاورة يرسم جاهين خريطة اجتماعية كاملة، حيث تتجاور الفئات الشعبية المختلفة في فضاء يبدو أقرب إلى ديمقراطية عفوية لا تعترف بالفوارق الطبقية الصارمة.

 

غير أن النص الشعري وحده لم يكن ليصنع هذه الأيقونة لولا المعمار الموسيقي الذي شيده سيد مكاوي. فقد تعامل مكاوي مع الأوبريت بوصفه مشروعًا موسيقيًا يستند إلى روح الموالد الشعبية، فاستلهم إيقاعات الطبول الصغيرة والمزمار البلدي ونبرات المنشدين في حلقات الذكر، ثم أعاد صياغتها في ألحان تجمع بين الطرب الشعبي والبناء المسرحي. تتنقل الموسيقى بين مقامات شرقية مثل البياتي والحجاز والراست، وتتنوع الإيقاعات بين الخفة الراقصة والبطء التأملي، بحيث تصبح الموسيقى أشبه بخريطة سمعية للمولد. والأهم أن مكاوي منح كل شخصية صوتها الخاص وإيقاعها الخاص، وكأننا أمام جوقة شعبية كبيرة تتداخل فيها الأصوات دون أن تفقد انسجامها. وقد شارك في أداء الأغنيات عدد من المطربين والممثلين الذين جسدوا أصوات الشخصيات المختلفة، فبدت الأغنيات وكأنها تنبع مباشرة من قلب المولد نفسه.

 

أما العنصر البصري الأكثر إدهاشًا في العمل فقد جاء من عالم ناجي شاكر، الذي لم يتعامل مع العرائس بوصفها مجرد دمى تتحرك بالخيوط، بل بوصفها شخصيات تشكيلية تحمل ملامح المجتمع المصري. فقد صمم شاكر العرائس بوجوه مبالغ في تعبيراتها وأجساد تحمل طابعًا كاريكاتيريًا واضحًا، بحيث تبدو كل شخصية كأنها اختزال بصري لنمط اجتماعي كامل. بائع الحمص بملامحه الشعبية الصارخة، والطفل المندهش بعينيه الواسعتين، وصاحب الأرجوحة الذي يبدو كأنه يدور مع لعبته في حركة دائمة. وقد أسهمت الألوان الزاهية والخامات البسيطة في خلق عالم بصري يقترب من رسوم الكاريكاتير التي اشتهر بها صلاح جاهين نفسه، فكأن الشخصيات خرجت من صفحات الرسوم إلى خشبة المسرح. وكان دور المخرج صلاح السقا حاسمًا في تنظيم حركة هذه العرائس داخل الفضاء المسرحي، حيث جعلها تتحرك بإيقاع قريب من الرقص الجماعي، بحيث يتحول العرض كله إلى ما يشبه الكرنفال المتحرك.

 

تبدأ بنية الأوبريت مع تدفق الناس إلى المولد وارتفاع أصوات الباعة والمنشدين، ثم تتصاعد تدريجيًا مع دخول الألعاب والسيرك والحلقات الشعبية، قبل أن تبلغ ذروتها في لحظة صخب جماعي يختلط فيه الغناء بالحركة. غير أن العمل لا ينتهي عند هذه الذروة، بل ينسحب تدريجيًا نحو سكون الفجر حين يبدأ المولد في الانفضاض. هذه الدائرية الزمنية تمنح الأوبريت عمقًا رمزيًا واضحًا؛ فالليلة التي تبدأ بالضجيج تنتهي بالهدوء، كما لو أن العمل كله استعارة للحياة نفسها التي تبدأ بالاحتفال وتنتهي بالتأمل. ومن هنا تكتسب “الليلة الكبيرة” بعدها الفلسفي، فهي ليست مجرد تسجيل لطقس شعبي، بل تأمل في طبيعة المجتمع المصري الذي يمزج بين التدين والاحتفال، وبين الصخب والسكينة، في نسيج واحد يصعب فصله.

 

على المستوى الاجتماعي، يقدّم الأوبريت صورة نادرة للمجتمع المصري بوصفه فسيفساء من الأصوات والوجوه. فالمولد هنا ليس حدثًا دينيًا فقط، بل مساحة مؤقتة تتحقق فيها المساواة الرمزية بين الناس، حيث يمكن للطفل الفقير أن يضحك بجوار ابن التاجر، ويمكن للعابر أن يصبح جزءًا من الحكاية ولو للحظة. وقد استطاع العمل أن يلتقط هذه الروح الشعبية دون أن يقع في فخ الفولكلور السطحي، بل قدمها بوصفها ظاهرة ثقافية معقدة تعكس تاريخ المجتمع وتنوعه.

 

لهذا كله لم يكن غريبًا أن يتحول الأوبريت، منذ عرضه الأول في أوائل الستينيات، إلى أحد أشهر عروض المسرح المصري وأكثرها دوامًا. فقد ظل يُعرض لعقود طويلة على مسرح العرائس، وسافر إلى مهرجانات دولية عديدة، وأصبح جزءًا من الذاكرة الثقافية المصرية، حتى إن كثيرًا من عباراته وألحانه دخلت في الحياة اليومية للمصريين. ومع مرور الزمن لم يعد “الليلة الكبيرة” مجرد عرض مسرحي، بل أصبح قطعة من التراث الفني الحديث، ودليلًا على قدرة الفن على تحويل أبسط مظاهر الحياة الشعبية إلى عمل جمالي خالد.

 

وهكذا، حين نتأمل هذا العمل بعد أكثر من ستة عقود على ميلاده، ندرك أننا أمام لحظة نادرة التقت فيها موهبة شاعر يرى المجتمع بعين ساخرة ومحبة، وعبقرية ملحن استطاع أن يحول ضجيج المولد إلى موسيقى، وخيال فنان تشكيلي منح الخشب روحًا نابضة بالحياة، فصنعوا معًا عملًا صغيرًا في حجمه، لكنه واسع بقدر المجتمع الذي خرج منه، كأن أصوات الباعة والأغنيات لا تزال تتردد في فضاء تلك الليلة التي لم تنته بعد.

 

فريق التحرير ..

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *